عاممدونات

معبر رفح: للمغتربات وجع خاص

لأول وهلة، ظنّنتُ أن الحافلة مخصصة للنساء فقط؛ لأنها تعج بأطفال صغار برفقة أمهاتهم دون آبائهم، حتى عرفت أنهن نساء تزوجن خارج القطاع وجئن لزيارة الأهل والأحباب، وجدتهن في وضع يرثى له، الواحدة منهن لا تدري هل تتجه لتقديم جواز السفر، أم تعيد ترتيب الحقائب بعد التفتيش المخزي، أم تختار مكانًا ليقضي الصغار فيه حاجتهم بعد طول انتظار، أم تبحث عن طعام لتسكت جوعهم حتى لو كان رديئًا.

هذا المشهد في معبر رفح البري على حدود قطاع غزة مع مصر، لنساء غزيّات تزوجن برجال مقيمين خارج القطاع، ولكي يلتقين بأهلهن عليهن عيش المشهد مرتين، الأولى عند الحضور للقطاع، والثانية عند مغادرته. إنها “رحلة سفاري” على حد وصف سائق الحافلة عندما أراد تهدئة النساء بعدما سمع تنهيداتهن لمّا أخبرهن أنه يتوجب عليهن المكوث في تلك الحافلة يومين على الأقل كـ”بروتوكل” لمن أراد الخروج من قطاع غزة.

أنا كأم ستجعلني هذه المشاهد أفكر ألف مرة إذا نويت أن أزوج ابنتي خارج القطاع، لأنها ستتحمل عبئًا إضافيًا فوق عبء الغربة. فكلما أخذها الحنين لأحبتها؛ عليها أن تكابد مشقة السفر عبر معبر العذاب، وغالبا ستفعل هذا بمفردها دون زوجها، هذا طبعا إن كان المعبر مفتوحًا أصلا.

من الطبيعي أن يتقدم للفتاة خاطبون كثر، حتى توافق على من يرتاح له قلبها، ويستقر عليه رأي والديها، ومن تكون فيه صفات يتوقع أن تهيّئ لها السعادة. ومن الطبيعي أيضا أن يكون هذا الرجل مقيمًا في بلد غير بلدها، لكن ربما لا يكون هذا طبيعيا إن كانت العروس مقيمة في غزة والعريس خارجها، أو العكس.

قصة “أسماء” تلخص بعض أوجه المعاناة التي تمر فيها من تزوجت خارج القطاع. في البداية، ترددت أسماء كثيرا قبل قبول الخاطب، ومما زاد من حيرتها أن أفراد عائلتها معجبون بالشاب، لكنهم غير مقتنعين بسفرها، حتى حسم الأب الأمر بقوله إن العريس مناسب ومثلها مثل كثير من الفتيات، وخصوصا أن البلد الذي ستسافر إليه قريب، وكل عام ستكون لها زيارة للقطاع. وهنا اقتنعت الأم بالكلام، وبدأت تصبّر نفسها بأن العالم أصبح قرية صغيرة وأنها تستطيع الحديث مع ابنتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في كل وقت وحين.

وأسماء حالها حال كثير من الفتيات؛ كانت تشعر بالسعادة، فأولاً: وجدت شريك حياتها الذي يتحلى بما تمنته من مناقب، وثانيا: لأنها تعدّ الزواج طوق النجاة لتخرج من القطاع نحو العالم الذي كانت تتخيله في أحلامها؛ فهي لم تخرج من غزة خلال سنوات عمرها الاثنتين والعشرين، وبرغم سعادتها تلك، يؤرقها صراع عاطفي: “كيف سأعيش بعيدًا عن أهلي؟”.

تغلبت أسماء على عاطفتها وفكرت بعقلها، فتزوجت وسافرت وبدأت تستقر حياتها مع زوجها في سكنهما الجديد وفي بلد جديد، بعيدا عن الأهل والأحباب، ولكن سرعان ما اشتعلت نار الشوق للأهل، تضرمها المناسبات الاجتماعية المتلاحقة؛ خاصة مع قدوم طفليها الأول والثاني.

من سافرت عروسًا، قررت أن تزور غزة لتروي قلبها برؤية من تحب. وفعلا تذهب أسماء لغزة بعد وعود بأنها لن تتأخر. وبدلا من أن تطفئ نار الشوق للأهل تجدها تزداد، فكلما انقضى يوم من مدتها المحددة شعرت بالألم، فهي لم تشبع من حضن والدها وحنان أمها واهتمام إخوتها.

حان موعد العودة، في ساعات الصباح الأولى ودعت أسماء أحبابها بالدموع، وما إن كانت أم أسماء تستعد لصلاة العصر حتى تفاجأت برجوع ابنتها وطفليها في حالة يرثى لها، ما جعل الأم تظن بأنهم تعرضوا لحادث في الطريق، وسرعان ما أجابت أسماء بقهر على التساؤلات في عيني والدتها: “المعبر قفل يا أمي”.

معبر القهر، أضيق بوابة في العالم، تم إغلاقه في يوم سفرها دون سبب، وسيفتح أبوابه بعد ثلاثة أيام.

برغم المعاناة، فرحت أسماء لأن لديها ثلاثة أيام إضافية تستمتع فيها برؤية أهلها، وقبل أن تنتهي هذه المهلة الإضافية، فوجئت أن اسمها غير موجود في كشف السفر، وبدأ القلق يساورها. قالت في نفسها: “لا بأس ثلاثة أيام أخرى برفقة أهلي” .

وكأن أسماء لم يكن يكفيها إغلاق المعبر، بل كان عليها امتصاص غضب زوجها الشديد؛ الناتج عن تأخر سفرها، وتذكرت حينها صديقتها التي تعرضت لموقف مشابه وكان الطلاق مصيرها؛ لأن إغلاق المعبر استمر لسنة كاملة وقتذاك.

تحول البيت لـ”سنترال”، والد أسماء ووالدتها وإخوتها يتصلون بين حين وآخر بزوجها يحاولون تهدئته وشرح الموقف له، وليقنعوه أن ليس بيد أسماء حيلة، فهذه هي ظروف كل الغزيين إذا أردوا السفر.

تغادر أسماء بعد الوداع للمرة الثانية بيت أهلها، وتركب الحافلة الرابعة متوجهة لنفس المعبر، ومرة أخرى لم تستطع دخوله لأن إدارته أخبرت المسافرين أنها ستكتفي بثلاثة حافلات فقط في ذلك اليوم، وتعود أسماء المرة وسط صمت يسود بيت أهلها، فأفراد أسرتها لا يجدون كلامًا يصبرون به ابنتهم التي تكبدت من عناء السفر المادي والمعنوي الكثير، وأيضا لا يجدون كلامًا يهدئون به زوجها الغاضب.

وفي صباح اليوم التالي تتجه أسماء للمعبر دون وداع ولا دموع، بل بدعوات الأم بألا تعود أسماء هذه المرة حتى لا يغضب زوجها لأنه ربما لن يسمح لها بالحضور مرة أخرى لزيارتهم.

وتستيقظ الأم بعد يومين من سفر ابنتها على رنات متتالية تأتي من كل برامج التواصل الموجودة على هاتفها، كلها رسائل من أسماء، ومضمونها واحد: “ماما اشتقتلك… رجعنا للنت تاني”، يتبعها “إيموجي” وجه حزن يعبّر عن حال كل فتاة بعيدة عن أهلها حتى وإن كانت في كنف زوجها.

هذه ليست قصة أسماء فقط، بل هي قصة كل فتاة كانت تعيش في قطاع غزة، ثم تزوجت خارجه، قد يتحمل معها زوجها وأهلها ألم الفراق، ولكنها وحدها من تدفع ثمن الغربة ألف مرة عندما تفكر بالسفر عبر معبر العذاب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق