عاممدونات

سيرة عين: نصر الله يؤرخ “لعدسة” ابنة الناصرة 

يمتاز إبراهيم نصر الله بمشاريعه الروائية؛ فالرواية عنده ليست رسالة منفردة، بل لَبِنَةً في مشروع يمكن تناولها وتأمّلها منفصلة إن شئت، لكنك ستراها أبدع وأروع لو نظرتَ إليها ضمن سياقها في المشروع المتكامل.

في “الملهاة الفلسطينية” يكتب إبراهيم نصر الله لا قصّة فلسطين القضية، بل يكتب قصة الفلسطيني الإنسان. يكتبها أحداثًا تُعاش، و تترك ندوبها في القلب كما في الأرض، وعلى  وجه التاريخ.

ولإنجاز ذلك، يعمد الكاتب إلى ما أسميه أسطرة الفلسطيني، من خلال شخصياتٍ ينتقيها أو يخترعها، ليروي بها ومن خلال حياتها، الملهاة الفلسطينية كلّها.  لا أعني بالأسطرة خلق شخصيات أسطورية خارقة، وإنّما شخصيات يُختصر بها التاريخ أحداثًا ومعايشة.

تتيح الشخصية المتخيلة للكاتب حرية أن يسرد ما يشاء، وأن يخلق فيها وحولها ما يشاء من أحوالٍ نفسية أو تاريخية. لكنّ الشخصية التاريخية الحقيقية، في المقابل، تفرض عليه قيودًا وحدوداً لا يستطيع تجاوزها وإلا بدت صورة متكلفة مشوّهة، لا تشبه ذاتها التاريخية الحقيقية، وتظلّ صورتها الحقيقية تشدّ الخيال إذا ما أراد التحليق والتحرّر.

في كلّ روايةٍ من روايات الملهاة يُروى جزءٌ من التاريخ الفلسطيني. وفي كلّ روايةٍ يجد الكاتب نفسه أمام التحدي المتجدّد؛ أي الشخصيات أنسب لتكون الرواية فيها وحولها؟ ومن أيّ المداخل يمكن أن نلج إلى الشخصية والقصة؟

“سيرة عين” هي الرواية الوسطى في ثلاثية الأجراس (ثلاث روايات صدرت مرّة واحدة)، بَنَت أمّ جاسر في أولاها: “ظلال المفاتيح” بلدها المغتصبة من “حجارة”، و دارت ثالثتها: “دبابة تحت شجرة عيد الميلاد” حول عصيان بيت ساحور أيام ثورة “الحجارة”.

وبينهما جاءت “سيرة عين”؛ رواية عن رائدة فلسطينية، ناصريّة المولد، تلحميّة الحياة والنشاط.

اختار نصر الله لروايته هذه شخصيةً حقيقية، لتدور حولها، وليروي أحد فصول الملهاة من خلالها. فرضت هذه الشخصية على الكاتب الحدود والقيود التي تحدّثنا عنها، لكنّها وبحكم عملها وسيرتها الشخصية والعائلية كانت شخصية نموذجية لرواية فصلٍ جديد من الملهاة على مستوياتٍ عدة.

إنّها شخصية المصورة الفلسطينية “كريمة عبّود”، أوّل فوتوغرافية فلسطينية، امتلكت كاميرتها في مطلع القرن العشرين، و أوّل فتاة تحصل على رخصة سواقة في بيت لحم، وتقود سيارتها في أزقة المدينة، لتتنقّل لاحقًا مع كاميرتها بين المدن الفلسطينية.

قصّة “كريمة عبّود” قصة امرأة أرادت وكانت، شاءت وفعلت. قصة عائلة فلسطينية عانت من السلّ؛ ومات أفرادها الواحد تلو الآخر جراء الإصابة به. قصّة الاحتلال الإنجليزي وقتلهم الشباب (قصة استشهاد أخيها جراء التعذيب). قصّة العائلة المسيحية التي لم تكن إلا جزءًا من النسيج الفلسطيني الذي عانى وصمد وقدّم. لكنّها من قبل ومن بعد، قصّة العين والصور.

إنها حديث في سياق “الملهاة” عن حروبٍ أدارها الاحتلال، وما يزال، على المستوى الفوتوغرافي.

صورهم كانت لأرضِ اللبن والعسل، أرض الحضارة والتاريخ والحجر، لكنْ بلا بشر! أما صورنا، صور كريمة عبّود، فصور لأناسٍ طبيعيين عاديين يعيشون حياتهم في بيوتهم وشوارعهم ودكاكينهم، وتظهر خلفهم في الصور تلك الملامح والمعالم. صورة لقادمٍ يصل أرضًا بلا شعب، فلا يكون محتلاً، في مقابل صورٍ لشعبٍ يعيش على تلك الأرض حتى يصلها من يحتلّ أرضه وصوره.

حربُ الصور هي حرب رواية تاريخ هذه الأرض في صورتها الأحدث. شعبٌ يعرف أزهار الأرض من رائحتها، وشعبٌ مضاد لا يعرف أسماء الأزهار ولا ريحها، لأنّ رائحتها لا تظهر في الصور. وحتى يومنا هذا، لا تزال الكاميرا وصورها تحدّيًا للعتمة المفروضة، وتحديًا  لرواية المعتدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق