أسرةعاممجتمع

ابني لا يقرأ ولا يكتب.. ما الحل؟

تعانى الكثير من الأسر في تعاملها مع أبنائها في مسألة القراءة والكتابة، ومع مرور السنوات يتحول الأمر إلى عبء كبير حين يتجاوز الطالب الصف الأول والثاني وهو لا يستطيع التمييز بين الحروف، وبالتالي؛ فهو لا يقرأ ولا يكتب. وبناءً عليه، لا يستطيع متابعة الدراسة في باقي المواد مع زملائه ضمن الفئة العمرية نفسها.

والمشكلة الأكبر حين يتعرض هذا الطفل لحالات متكررة من التعنيف اللفظي والجسدي والإهمال الاجتماعي؛ بسبب عدم قدرته على القراءة والكتابة، مما يجعله مهملًا في جميع دروسه، ويقوم بردة فعل سلبية كالعنف أو البحث عن وسائل تسلية داخل الصف ما يزيد من عمق المشكلة ويُفاقمها.

الكثير من الآباء يلجؤون إلى مراكز تعليمية لعلاجه فرديًا، أو يلجؤون لترسيبه في صفِّه على مسؤوليتهم الخاصة، أو متابعة معلميه طوال العام عساهم يجدون له حلًا في السياق المدرسي. بعض هذه الوسائل تنجح، وبعضها يضاعف المشكلة للأسف. 

في هذا المقال أسعى إلى أن أضع توصيفًا للمشكلة، وبحثًا عن أبرز الحلول التي أنصح بها الآباء للتعامل مع حالة أبنائهم في حال كانوا يعانون من ضعف واضح في القراءة والكتابة.

تشخيص الطفل

من خلال عملي في التعليم مع الأطفال، وجدت أن أكبر عدد من الطلبة الذين يعانون من المشكلة المشار إليها في المقدمة هم أولئك الذين لم يتلقوا تعليمًا جيدًا في مرحلة الروضة والصف الأول، وكانت تجربتهم المبكرة في التعلم سيئة، ويمكن التفصيل في العوامل التي تؤدي إلى تجربة تعلّم سيئة بالتالي:

⊗ معلّم غير مؤهل

ضعف أداء المعلم من حيث جهله بأساسيات تعليم القراءة والكتابة للأطفال الصغار، أو بسبب تجاهله لاستخدام أدوات ووسائل تعليمية محفزة؛ خاصة تلك التي تنتهج اللعب والأغنيات كأساليب للتعليم وزرع المهارة. أو قيام هذا المعلم بتوجيه عنف لفظي، أو جسدي تجاه الطلبة بشكل عام. كلها أسباب تجعل المعلم حتماً غير مؤهل لتعليم الأطفال الصغار. 

⊗ روضة سيئة

روضة ذات بيئة صحية ومحفزة لنمو الطفل.

في هذه الحالة، نحن أمام طالب ليس لديه مشكلات عضوية أو نفسية أو عصبية، وإنما نحن أمام تجربة تعلُّم سيئة لم تُراعِ احتياجات الطفل في مرحلة حساسة جدًا من حياته.  فإهانة عابرة من معلم، أو بيئة تعليمية غير آمنة ولا محفزة قد تدفع بالطفل إلى رفض كل ما يصدر من المعلم، ثم تقتل الدافعية لديه تجاه التعليم. وهذا ينطبق على مرحلة ما قبل المدرسة، وعلى المرحلة الأساسية الدنيا بشكل خاص.

⊗ جهل الوالدين

نفس هذه المشكلة قد تنشأ بسبب عدم إدراك الوالدين للتعامل مع مسألة التدريبات والواجبات البيتية التي يحولها -جهل البعض- من عملية تكميلية تدريبية تثبيتية للمعلومة إلى عقوبة من خلال الضغط على الطفل لأداء الواجبات في أوقات اللعب أو التعبيرات اللغوية التي تربط بين الواجب والعقوبة: “إذا بتسمعش كلامي بخليك تنسخ كذا وكذا”.

⊗ مشكلة صحية

من جانب آخر، بعض الحالات التي تعاملت معها كانت مشكلتها ضعف في قدرات السمع أو البصر، ولا يخفى على أحد حجم المعاناة التي يواجهها الطفل حينما يعاني من صعوبات في الرؤية والسمع، في حين لا يعرف عن هذه المشكلة أحد.

⊗ موقع الطالب

إضافة إلى ذلك هناك إشكالية قد تبدو بسيطة ولكنها في غاية الأهمية، تترتب على مكان جلوس الطالب في الصف. فليجرب المعلم أو الأب الجلوس في المقعد الأخير، ولو لمرة واحدة، ليعرف حجم الاختلاف بين ما يراه الطالب في الصفوف الأولى، والطالب في الصفوف الأخيرة من ناحية: وضوح الكلمات، والوسائل التعليمية، والقدرة على التفاعل، واهتمام المدرّس نفسه بالطالب.

⊗ اضطرابات عصبية

عسر القراءة أو “الديسلكسيا” من المشكلات الشائعة في المجتمعات على اختلافها. ليس لها علاقة بالذكاء، أو طريقة التعلُّم، أو أية مشكلات عضوية، وإنما هي مشكلة ناتجة عن طبيعية نمائية في أعصاب الدماغ؛ مرتبطة بعوامل وراثية أو مكتسبة، بسبب حادث أو إصابة. وفي الحالة الوراثية تتواصل هذه المشكلة معهم مدى الحياة.

عسر القراءة هو: “صعوبة في القراءة والكتابة والتهجئة، بالإضافة إلى صعوبات أخرى تصيب 10% من المجتمع بعض النظر عن المستوى الاجتماعي أو الجنس”.

هؤلاء الأطفال يفشلون دائمًا في فهم التعليمات المدرسية، ينفعلون بسرعة، تنخفض مع الوقت قدرتهم على تقدير الذات، يصبح لديهم صعوبة في الاندماج الاجتماعي، وتصير لديهم سلوكيات عدوانية. كل ذلك وهم يعانون في الأصل من مشكلة عصبية خلقية لا علاقة لقدراتهم العقلية بها، ولكن جهل المجتمع وضعف قدراتنا في تشخيص حالتهم هو ما يوصلهم إلى هذا الحال.

ثلاثة إشكالات

ويندرج هذا النوع من المشكلات – أي عسر القراءة – تحت مسمى صعوبات التعلُّم، ومن المهم التفريق بين ثلاثة أنواع من المشكلات في العملية التعليمية، هي: صعوبات التعلّم، وبطؤ التعلم، والتأخر الدراسي.

∞ صعوبات التعلم: ناتجة عن مشكلات في العمليات الذهنية؛ كالانتباه، والذاكرة، والتركيز. وينتج عنها ضعف في الرياضيات، والقراءة، والإملاء بشكل أساسي.

∞ بطء التعلم: ناتج بشكل أساسي عن انخفاض معامل الذكاء، ويؤدي إلى انخفاض التحصيل في جميع المواد الدراسية.

∞ التأخر الدراسيّ: مرتبط بعدم وجود دافعية للدراسة، وليس له علاقة بالذكاء الذي يكون مستواه عاديًا أو متقدمًا، وكثيرًا ما يرتبط بمشكلات اجتماعية، أو شخصية، أو بيئة تعليمية غير صحية.

خلاصة المسألة هنا، أن الطالب يواجه مشكلات في القراءة والكتابة لأسباب متعددة؛ كمشكلات في بيئة ومنهجية التعليم غير الصحيحة، ما ينتج عنه تجربة تعلُّم غير محفزة، وأحيانًا قاتلة لدافعية التعلُّم.

أو قد يعاني الطفل من مشكلات عضوية في السمع أو البصر، تؤدي إلى حرمانه من الحصول على فرصة عادلة للتعلم تراعي احتياجاته دون انتباه والديه. إضافة إلى وجود اضطرابات عصبية لها انعكاس على حالة الطفل. وأخيرًا، حالة بطؤ التعلم التي قد يعاني منها الطفل بسبب انخفاض معامل الذكاء، وفي الغالب تكون وراثية.

من يشخّص؟

المعلم المؤهل الخبير، واحدٌ من أكثر الأشخاص أهمية في تشخيص حالة الطفل، لأنه أكثر من يعايشه في داخل البيئة التعليمية، كما أنه قادر على عقد مقارنة وافية بينه وبين أبناء جيله. لذلك يحسن بولي الأمر المتابعة الحثيثة، والتعمق في الأسئلة حول حالة ابنه، وكيف ومتى وماذا يفعل الطفل داخل البيئة التعليمية بالضبط.

الوالدان أو من يقوم بعملية المتابعة لتعليم الطفل يأتيان في المرتبة التالية، بحيث يلاحظ سلوك الطفل التعليمي، وأين يكمن الضعف والخلل: هل هناك مشكلة حسية سمعية بصرية، أم هناك مشكلة عميقة في ذهنيته من حيث التذكر والانتباه، أم هناك مشكلة أعقد، بحيث نستدعي خيار الاضطراب العصبي أو عسر القراءة.

لعسر القراءة بشكل خاص، اهتمام بالغ من قبل مراكز مختلفة حول العالم ومؤسسات دولية: كاليونيسكو؛ وذلك نظرًا لشيوع هذه المسألة كما ذكرنا، فـ 10% يعانون منها في المجتمعات حول العالم. لهذا، سنجد العديد من المقاييس الموضوعة لتحديد ما إذا كان الطفل يعاني من عسر في القراءة. مثلًا هناك برنامج كوبس العربي، إضافة إلى العديد من البرامج غير العربية.

كما يمكن للمهتمين حضور برنامج خاص للتعامل مع المعسرين قرائيًا عبر منصة كورسيرا تجدونها تحت عنوان: (Supporting children with difficulties in reading and writing)إضافة إلى كتاب مترجم متاح عبر الإنترنت: الديسلكسيا، كشفها والتعامل معها، ترجمة أحمد عويني وكاتيا حزوري.

العلاج

بعد أن يتم استبعاد أية مشكلات صحية، كضعف حاسة السمع أو البصر، واستبعاد أي نقص في فيتامينات معينة أو زيادتها، ما يؤدي إلى فرط الحركة، والتشتت الدائم، أو الضعف العام في الجسم أو الميل الدائم إلى النوم أو الاكتئاب، فإننا وبعد التأكد من سلامة الطفل سنلجأ إلى الأمور الآتية:

يظل المعلم الخبير – ضمن سياقنا في فلسطين المحتلة- واحدًا من أهم الشخصيات التي يمكن أن تتعامل مع حالة الطفل تشخيصًا وتطويرًا أو علاجًا، فما يمتلكه المعلم الخبير يمكن أن يغطِّي على العديد من الثغرات التي يعاني منها واقعنا الفقير بالمتخصصين الأكاديميين المهرة في المجالات ذات العلاقة.

ويظل اهتمام الوالدين ومتابعتهما الشخصية والقراءة والتعمق حول حالة الطفل والاهتمام الكامل به، سبيلًا لا مناص منه. يجب عليهما مراقبة ومتابعة سلوكه من أجل أن يتعرفا أكثر على مشكلة الطفل وطرق علاجها المقترحة، وتشجيع تميُّزه وتطوّره.

أما المراكز العلاجية أو المراكز التدريبية والتعليمية، فبعيدًا عن تجارية الكثير منها، وعدم تخصصها في المجال المطلوب إلا أن بعض هذه المؤسسات قد يمتلك كوادر ذات مهارات تخصصية عالية يمكنها التعامل مع الطفل. وهنا يجب البحث عن الكادر المتخصص بصرف النظر عن اسم المكان، فهل هذا الشخص مؤهل ومختص حقيقة، وقادر على التعامل مع حالة الطفل، أم لا؟ هذا ما يجب أن نبحث عنه بهدوء ورويَّة حتى لا تضيع أموالنا ونضيع في حقل تجارب لا فائدة منه.

بناء خطة علاجية متكاملة بعد تشخيص الحالة بشكل دقيق، سيكون أهم ما يقوم به ولي الأمر تجاه طفله، إضافة إلى أنّ التحلي بالصبر من أهم ما يجب الالتزام به تجاهه.

ولنتذكر دائما أنّ مشكلة الطفل الذي يعاني من صعوبة تعلم أو بطء تعلم؛ تحتاج إلى صبر مهما كانت، وتحتاج إلى التزام تجاه الحالة؛ حتى لا يحصل تهميش اجتماعي للطفل، أو انفصال عن مجتمعه، أو تفاعل سلبي يؤدي إلى انعزال أو عنف أو ممارسات غير صحيَّة بسبب ما يعانيه من ضعفه الأكاديمي الذي لا تراعيه طبيعة مدارسنا.

وائل حريز

المشرف العام على أكاديمية نماء للتعليم والتدريب - الخليل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق