عاممدونات

زوجة الأب “مابتحب ولا بتنحب”

أن ترتبط الروح بروح تألفها فهذا ضرب من الفطرة، فكيف إذا ارتبطت بل والتحمت بكل ما أوتيت من حُب، بروح ألفتها رغم “خزعبلات” مجتمعنا التي تقول: “مرت الأب لا بتحب ولا بتنحب”!

مريم، تلك الجميلة ذات الضفيرة الشقراء الممتدة على طول محنة الأطفال بعد انفصال والديهما؛ بعد أن يختار لهم القدر حياة لا تشبه حياة الأطفال… أب وأم لم يحالفهما الحظ بالاستمرار سويا، فأصبحت طفلتهما بين خيارين، أحلاهما مرّ.

كانت مريم ولَم تزل،فراشة ملونة بكل ألوان الحياة، تتنقل بين زهور الألم وبساتين أحلامها وترسم في مخيلتها أبسط أحلام الأطفال؛ الاستيقاظ على صوت أمها تناديها لفطور شهيّ ساخن في الصباحات الباردة؛ صباحات لا يطفئ بردها إلا دفء قلب الأم وحضنها، ويداها اللتان تشدّان وثاق الضفيرة؛ فتنعقد معها في قلبها ألف عقدة حب، وابتسامة امتنان.

غير أن الأحلام لا تأتي كما نتمنى دائماً، ولم تُرسم القصة كما تمنّت صغيرتي أنا. عاشت مريم في بيت جدتها بعد انفصال والدتها عن والدها، وبعد ذهاب الأم لبلدها الأصلي -أوكرانيا- تبقى الضفيرة بين يدين أمينتين رسم الدهر عليهما آلاف المحنات، يديّ جدتها.

ورغم كل الحب والاهتمام اللذين حظيت بهما في بيت جدتها إلا أن حلمها في أن تعيش بين أمها وأبيها لم يتبدد. إلى أن وصلت الحادية عشرة من عمرها وقرر أبوها أن يتزوج بأخرى، ثارت مريم، وأخذ الحزن منها كلّ مأخذ، واقتلعت أحلامها الجميلة من جذورها، فأصبحت تنام والدموع تملأ عينيها وتغرق الوسادة.

كابوس جديد بدأ يطاردها، كابوس زوجة الأب!

رضخت أخيرا صغيرتي لواقع بدا لها أنه لن يتغيّر، وقررت أن تتقبل ما يدور حولها من تحضيرات لزواج والدها، وتستمع لأقاربها وهم يخطبون تلك الفتاة وغيرها، والمناقشات العائلية الساخنة حول تفاصيل العرس الموعود.

إلى أن جاء الحسم والتقت مريم بخطيبة بابا ! وكانت العناية الربانية بأن يكون الحب والمودة بينهما منذ اللقاء الأول. طفلة تستدرج العطف بعينيها إذ التقتا بعينيّ؛ فبتنا كلانا قصيدتين بل ديوانين لشاعر فقد أمه ويبحث عنها في عيون أمهات العالم. استطاعت مريم أن تستوصل الماضي بالحاضر لتفتح الصفحة الجديدة بيديها الصغيرتين، وكأنها تقول لي: “أنا هُنَا أعطيكِ الأمومة من غير مخاض. أصهر سنين العمر لنصبح صديقتين حميمتين، بل أختين من رحمين مختلفين، تعالي لنقلب الموازين وتصبح (مرت الأب تحب وتنحب)”.

كان قدري مريم وكنت لها ما كنته بمحاولاتي الناجحة مرة والفاشلة مرات. أجاهد نفسي لأسُد فراغات، بل فوهات بركانية، تسبّب بها غياب الأم. عكفت أحاول ولَم أيأس، وكأنني في مصنع زجاج؛ مهمّته أن يشكّل الزجاج المتكسّر ويصهره في كل يوم حتى يُخرِج أجمل التحف.

وأي تحفة كانت مريم! تبلغ الآن الثالثة والعشرين عاماً، تخرجت من جامعتها بتفوق بل وكانت الأولى على الجامعة. تحمل في قلبها أنبل الأخلاق وتُكنّ أصدق المشاعر لأخوتها؛ فقد رزقها الله أحمد وأمير وإبراهيم، وزوجة أب تُحِب وتُحَبُّ في كل لحظة جمعتها بحبيبتها مريم؛ نصفها الذي لا ينهي يومه حتى يلتحم بنصفه، ويملأ أركان حجرة النوم بالضحكات.

اصطفاءٌ ربّانيٌّ لأمومة من غير مخاض.

أن تكوني زوجة أب فهذا شرف كبير ووسام لا يُقلّدُ لأي إنسان، أن تكوني على يقين أن الله حباكِ بل واصطفاك لهذه المنزلة، وأن يكون حبكما نموذجا تتفاخرين به. تتخرج ذات الضفيرة الشقراء بين آلاف الطلاب، وعقلك في دقائق معدودة يعود بشريط الذاكرة إلى الوراء؛ في لحظات تتعالى فيها التصفيقات، ويتهاوى فيها ذرف الدموع. لحظات لا تقدر بثمن ولا بموازين البشر الذين زرعوا فينا منذ طفولتنا كره زوجة الأب فهي الساحرة الشريرة!

تلبس زهرتي المريميّة ثوب الزفاف وتكون أجمل عروس رأتها العيون ونرسم أنا وهي أدق تفاصيل الزفاف الأسطوري الذي طالما حلمنا بِه معا؛ وقد كان بحمد الله! وقريبا يا مريمتي ستصبحين أجمل أمٍ لأجمل قطعة من روحي.

 

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق