حضور امرأةعام

“فوبيا” الارتباط بالأسيرات: حقيقة أم خرافة؟

كان فجرًا قاسيًا من أيام حزيران 2018 حين اقتحم جنود الاحتلال بيتي واعتقلوني في رمضان. وبعد تحقيق لمدة شهر في مركز تحقيق عسقلان وصلت سجن هشارون، نُقلت بعدها إلى الدامون، وأمضيت عامًا كاملاً من الاعتقال.[1]

في إحدى الفورات في سجن الدامون، وهو الوقت المسموح به خروج الأسيرات من الزنازين المغلقة، كنت أتمشى مع أم إبراهيم،- اسم وهمي لإحدى الأسيرات- بقرب عدد من الأسيرات صغيرات السن اللواتي يتراكضن في الساحة للتسلية. علّقت أم إبراهيم: “شو عليهن البنات الزغار عايشات في السجن ولا عبالهن، مو مثلنا قلبنا على ولادنا وزواجنا وأشغالنا”.

استوقفتني كلمة أم إبراهيم لأيام، وتساءلت كثيرًا: هل الأسيرات صغيرات السن لا يعبأن بشيء فعلاً؟ وهل يحتضننّ بين ضلوعهنّ قلبًا خاليًا من الهموم؟

عادت أم إبراهيم لتطرح نفس التعليق في موقف مشابه، فأجبتها دون تفكير: “الله يسامحك يا أم إبراهيم، إحنا تعلمنا وتوظفنا وتزوجنا وأنجبنا، صحيح إنه قلقنا دائم وألمنا كبير، بس أنجزنا مهمات أساسية بحياتنا، أما هنّ، فشو بستناهن بالك بعد الحرية؟!”

وماذا بعد الحرية؟

ربما نلاحظ اختلافًا في طريقة التعامل مع الأسيرات لحظة تحررهنّ، فباتت عوائلهنّ تستقبلهنّ استقبال الأبطال، مرفوعات على الأكتاف، تكللهنّ الورود. ولكن ماذا بعد؟ تبدأ رحلة البحث عن حياة من جديد، متمثلة في التعليم والزواج والوظائف. أما بالنسبة للارتباط، فهو أمر يتعلق باعتبارات مختلفة.

بعض الشباب يعتبرون الاعتقال امتيازاً إضافيّاً في مواصفات شريكة العمر، وآخرون يرون موضوع الارتباط بالمحررات مجازفة محفوفة بالقلق والمخاوف.

فالأسيرة المحررة وفق الموروثات القديمة “منتهكة”؛ بحيث إن تعرضها للاعتقال يعني تعرضها للضغوط النفسية والاجتماعية والجسدية كالتعرّي ربما. والحجة في ذلك أن بعض الأسيرات خلال التحقيق ربما يتعرضن لسلوكيات وحشية كالاغتصاب مثلا، وهذا بالطبع بعيد عن الواقع ولم تثبت له أي حالة مشابهة، إلا حالة وحيدة واجهتها المحررة عائشة عودة التي اعتقلت مع بداية العمل الثوري، وهو ما وثقته عودة بكل جرأة وصلابة في روايتيها “باب الشمس” و”ثمنا للحرية”.

كثيرا ما كنا، كأمهات أسيرات، ندخل في نقاشات طويلة مع الأسيرات الصغيرات حول الخطبة والزواج؛ من ناحية الأهداف ومعايير الاختيار وأساسيات التعايش مع الأسرة، فكنا نرمق في أعينهن أسئلة كثيرة لا إجابة لها في أذهانهن.

كانت التساؤلات حول نظرة المجتمع للأسيرة، وقد غلب على أذهانهن النظرة السلبية التي سينظرها المجتمع لهن، بسبب ما كان ينشر في أدب السجون عن أساليب التحقيق. وفي المقابل، بقي مشهد استقبال عدد من الأسيرات بحفاوة وفخر عالقاً في الأذهان، كاستقبال المحررات: خالدة جرار، وصابرين أبو شرار، وسماح الدويك، وصفاء أبو سنينة، وأخريات؛ حيث جرى استقبالهن بمواكب سيارات وأغان وأهازيج الفرح.

الأسيرات المتزوجات

أما الأسيرات المتزوجات فقد تباينت أوضاعهن مع عوائلهن، منهن من حرص أزواجهن وعوائلهن على التواصل الحثيث معهن؛ للاطمئنان عليهن وطمأنتهن عن أولادهن، وبالتالي؛ كان هناك دعم واضح من الأزواج لهن.

هناك من الأسيرات من تُركن لأشهر دون أي أخبار عن أولادهن وعائلاتهن!

وهناك من سيطر عليها خوف شديد من ردة فعل مجتمعها على اعتقالها؛ وبات هاجس زواج زوجها بأخرى ينغص عليها أيامها النكدات أصلًا، وهناك من علمت بزواج زوجها بأخرى بعد أشهر قليلة من اعتقالها، بل وبعد إنجاب أول أطفاله، مما أصابها بصدمة تسببت لها لاحقا بالعديد من الأضرار الجسدية والنفسية. ومن الأزواج من تزوجوا بعد إصدار أحكام عالية على زوجاتهم؛ دون مراعاة للحالة النفسية الصعبة التي يمررن بها.

محررات لمحررين

هناك أسيرات ارتبطن بأسرى داخل السجون، مثل: المحررة أحلام التميمي التي ارتبطت بالأسير نزار التميمي، والمحررة صمود كراجة التي ارتبطت بأسير لا يزال داخل السجن، والأسيرة المحررة غفران زامل التي ارتبطت بالأسير حسن سلامة، والأسيرة المحررة منى قعدان التي ارتبطت بالأسير إبراهيم اغبارية من أم الفحم – ولم يكتمل مشروع الارتباط –  وأخريات.

تقول الأسيرة المحررة (ز.ش) : “بعد خروجي في صفقة وفاء الاحرار في العام 2011 بفترة قصيرة، طُلبت للزواج من قبل شاب من يطا وهو أسير محرر قضى عاما كاملا في سجون الاحتلال. وتمت الخطبة بيننا ستة أشهر ثم تزوجنا، وبفضل الله أنجبنا ولدين وبنتين، وكان زوجي مقتنعا بالارتباط بأسيرة حتى لو كانت أكبر منه سناً. حصلت بعض الإشكاليات بيننا لاحقا لأسباب مادية، وأخرى ناجمة عن الأضرار النفسية التي يخلفها الاعتقال؛ وتدوم لسنوات لاحقة”.

أطماع ماديّة

نجد إقبالاً على الزواج من أسيرات محررات، ولكن بعد سنوات قصيرة يتعرضن لمشكلات اجتماعية وأسريّة. فيعنفهنّ أزواجهن، حتى أفضى ذلك، في بعض الحالات، إلى الطلاق.

ظهرت حالات طلاق بين أسيرات بسبب خلافات على موضوع الراتب الذي تتقاضاه الأسيرة. وعدد من الأسيرات اليوم تتحمل مشاق الحياة وحدها، وبعضهن اضطررن لأخذ قروض على رواتبهنّ لمساعدة أزواجهن في إجراءات الزواج أو في بناء البيت. ومع الأسف، تلقى جلّ المسؤوليات على كاهل الأسيرة المحررة.

الأسيرة (ع، أ) من نابلس، تزوجت وأنجبت بنتين وولدا، ثم انفصلت عن زوجها بعد تعرضها للعنف بسبب خلافات على راتبها الذي تتقاضاه من وزارة الأسرى؛ وذلك بعد أن قضت في سجون الاحتلال 5 سنوات، ذاقت فيها الأمرين.

والأسيرة (ن، أ) من نابلس أمضت 3 سنوات في السجن، قد انفصلت كذلك بسبب خلافات على راتبها، وهي أم لطفلين. وكأنّ معاناة الأسر لم تكف قلوبهنّ لتعتركهنّ مشكلات الحياة.

بعض الأسرى المحررين يرفضون الارتباط بأسيرة محررة؛ خوفاً من أن تلقي تجربة الأسر بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية لاحقا

بعض الأسيرات عرض عليهن الارتباط بأسرى محررين، ولكن رفضن بسبب فارق العمر مع أغلب الخاطبين؛ حيث يكبرها الخاطب بعقود زمنية أحياناً. وفي حالات أخرى ترفض الأسيرات المحررات الارتباط بسبب الحكم العالي للأسير، مما حدا ببعض الأسيرات إلى العزوف عن الزواج وأعمارهن الآن تجاوزت 35 عاما. ولا نتجاهل أنّ بعض الأسرى المحررين يرفضون الارتباط بأسيرة محررة؛ خوفاً من أن تلقي تجربة الأسر بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية لاحقا. 

فوات الفرص

تروي الأسيرة المحررة (س. أ) : “منذ خروجي من السجن بداية عام 2017 لم يتقدم أي شاب لخطبتي نهائيًا، وأسمع تعليقات من المجتمع المحيط بي مفادها أن اعتقالي هو سبب عزوف الشباب عن التقدم لخطبتي. فقبل اعتقالي بفترة قصيرة كان هناك بوادر لمشروع ارتباط، لكن بعد خروجي من الأسر، لم يتقدم لي الشاب لأسباب لا أعرفها. وحاليا أنا لست مرتبطة، ولا يوجد ما يؤشر على رغبة أيّ أحد بالارتباط بي، رغم أنني أسمع عن محررات يتزوجن فور خروجهن.

المحررة ( أ.ف ) تقول إنه وبعد الإفراج عنها، تقدم لخطبتها أكثر من شاب، لكن بظروف وفرص أقل من تلك التي كانت قبل الاعتقال، فهناك خوف لدى الناس من موضوع الارتباط بمحررات، وربما يكون السبب الخوف من إعادة الاعتقال، ناهيك عن مخاوف حول الآثار النفسية اللاحقة للاعتقال.

تضيف:” بالنسبة لي في البداية كنت بحكي إنه عادي وما بتفرق معي، بس التراكمات كثيرة، فبتصير الوحدة تفكر بالأمر جديا، وكثير بخطر ببالي كم الاحترام الذي يكنه المجتمع للاسيرة وللمحررة ويفتخرون بها، بس هالاحترام والفخر عن بعد، دون استعداد للارتباط”.

احتواء العائلة

أحياناً يكون لشخصية الفتاة وحضورها وطريقة تعامل عائلتها ومجتمعها المحيط مع قضية اعتقالها الدور الأبرز في هذا الموضوع. تقول المحررة (ع، م): “عائلتي وأصدقائي ومعارفنا كانوا شديدي الدعم لي منذ اللحظة الأولى لاعتقالي، وكانت نظراتهم لي مملوءة بالفخر والحب، وبالتالي؛ انعكس ذلك على قضية الارتباط. فعلى عكس كثير من التجارب التي أسمعها؛ تهافت عدد من الشبان لطلب يدي حتى أثناء وجودي داخل المعتقل، ولم أشعر أبداً أن الاعتقال كان عائقا أمامي، وبالفعل تزوجت من شاب كريم وأنا سعيدة معه”. 

العائلة التي تعلن احتواءها لابنتها وفخرها بها؛ توفر أماناً اجتماعياً، وحاضنة حامية لها خلال الأسر وبعده.

المحررة ( أ.ق ) تقول: “كانت لدي العديد من فرص الارتباط بعد تحرري من الأسر، وكانت فعليا فرصا أفضل من تلك التي كانت تعرض علي قبل الاعتقال، لكنني لم أكن على استعداد لفكرة الارتباط بعد الحرية مباشرة، فلم أكن قد أنهيت دراستي الجامعية بعد، وكان من بين المتقدمين أسرى معتقلين ومحررين، كما تقدم لي شبان من خارج فلسطين. لقد كانت عروض الارتباط بعد الحرية جيدة، لكني رفضتها لأنني لم أجد الفرصة التي أتمناها لنفسي”.

صوت الأسيرات

إن الأسيرات بتن شريحة لا يستهان بها في المجتمع؛ وذلك لازدياد حالات الاعتقال في صفوف النساء، خاصة بين الفتيات والطالبات الجامعيات. ولذا، لا بد من تعزيز احترام وتقدير تضحياتهن ومعاناتهن خلال الأسر، وتمكينهن بعد تحررهن من نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

لا بد من تعزيز احترام الأسيرات وتقدير تضحياتهن ومعاناتهن خلال الأسر، وتمكينهن بعد تحررهن من نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

كما ولا بدّ من تفعيل دور الإعلام لتغيير نظرة المجتمع نحو الأسيرة والأسيرة المحررة، ورفد ذلك بالأبحاث الاجتماعية والإحصائيات التي تقف على قصصهنّ الإنسانية، وتوصل أصواتهنّ؛ سعياً لرفع مستوى الوعي السياسي والاجتماعي بقضية الأسرى عمومًا، والأسيرات تحديدًا.


هوامش
[1] تم عرض المادة الأصلية في ملتقى لتسكنوا إليها 2019. تحرير وإخراج موقع بنفسج. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق