عاممدونات

هل تتحقق نصرة الأقصى “بالحب” فقط؟

“سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى”، و”لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد”، هذان النصّان المقدّسان يختزلان معرفتنا عن المسجد الأقصى، أو هما تحديداً ما نعرفه ويربطنا بالمسجد المبارك. الأقصى لنا والقدس لنا أيضاً، شعارات اعتدنا ترديدها أو كتابتها على صفحاتنا على مواقع التواصل الاجتماعي، كلما جدّ جديد في ساحات المسجد وحارات البلدة القديمة.

تهفو نفوسنا لزيارة المسجد، وعند زيارته لا نعرف من ملامحه سوى قبة الصخرة والمسجد القبلي، وبعد هذه الزيارة التي استمرت لسويعات قليلة وبعد سماعنا درساً عن واجب نصرة الأقصى، يأخذنا الحماس قليلاً فنتوجه مثلاً لاقتناء كتب عن القدس والأقصى، أو نقرر سماع درس عنهما، ثم ما يلبث هذا الحماس أن يخفت قليلاً، ثم يتلاشى وكأنه لم يكن قط.

هل فكرنا يوماً بأسباب هذا الحال؟

لماذا لا نعرف عن المسجد الأقصى سوى بضع آيات حفظناها في كتاب التربية الإسلامية في المدرسة، ومعلومات تاريخية تبرمنا منها لصعوبة حفظها في كتاب التاريخ، فمثلاً: هل حدثت معركة حطين في عام 1187؟ أم عام 1188؟

بالتأكيد، لا أقلل من قيمة المعلومات التاريخية، بل هي أساس صراعنا مع العدو، لكن الحفظ والتلقين دون أن نفهم حقاً ماذا يعني الكلام الذي تردده شفاهنا، هو سبب أساسي في قلة وعينا بقضيتنا وقلة معرفتنا حول المسجد المبارك. وقد لا يكون اللوم على المنهاج كثيراً بقدر ما يكون اللوم على المعلم، فالمعلم هو من يستطيع التأثير في طلبته؛ بحرصه على إدراكهم المعاني التي تحملها الآيات والمعلومات التاريخية.

ولكن السؤال، هل كان على الأهالي أن ينتظروا دخولنا المدارس حتى نعرف عن المسجد الأقصى؟

مع مساء كل يوم، يُجهز الوالدان أجواء المنزل، لبدء فترة الدراسة وحل الفروض المنزلية، هدوء وصرير أقلام وشفاه تتمتم مكررة كلمات وجملا؛ فالتكرار “بيعلم أشطر الشطار”. ثم ما تلبث الأم صباحاً وقبل دقائق من بدء الدوام المدرسي، أن تعاود تذكير ابنها بأهم معلومات دروسه؛ هذه طقوس روتينية صباحية تكاد تكون في كل العائلات الفلسطينية.

 فلو كان الأهالي يحرصون على تنشئة أبنائهم على حب الأقصى ومعرفته، مع إيمانهم بأهمية العلوم المقدسية في خلق جيل واعٍ بقضيته، كما يحرصون على تفوق تحصيل أبنائهم الدراسي، لما كان حالنا مرتبكاً ومتردداً إذا ما سُئِلنا عن مساحة المسجد الأقصى، أو عن أبوابه.

تخرجنا من المدرسة وبدأت مرحلة جديدة من حياتنا، خلال هذه الفترة الجامعية يسعى كل منا لتعريف ذاته من جديد، وقد تمر سنين الجامعة الأربع أو الخمس، ولم يشارك أحدنا بندوة قصيرة عن المسجد الأقصى، بل لم يزره زيارة واحدة على الأقل.

غياب التربية الأسرية حول مكانة المسجد الأقصى، وتقصير المناهج الدراسية، وضعف الكوادر التعليمية المؤهلة بالعلوم المقدسية، وقلة الأنشطة الجامعية حول القدس ومقدساتها؛ نتاجه عدم الاكتراث واللامبالاة.

إن فكرة أننا نضحي بجزء من وقتنا وجهدنا في المعرفة المقدسية، لا يقل أهمية عن فكرة البذل والتضحية بالدم والروح في سبيل المسجد الأقصى؛ فالأخير كان نتاجاً لمعرفتنا بالأقصى. وزيادة المعرفة بالمسجد يبدأ أولاً بتأهيل الأهالي وربطهم بقضية المسجد الأقصى، وبعد ذلك؛ يخصص الأهالي جزءا من يوم أطفالهم للحديث عن المسجد الأقصى وممارسة نشاطات مرتبطة به، وزيارته كفعل دوريّ محبب للأطفال.

كما نحتاج إلى تأهيل المعلمين؛ باعتبار المدارس الجزء الآخر الذي يُكمّل شخصية الطفل، فبدلاً من أن يُعاقب المعلم تلميذه لأنه لم يحفظ تاريخ فتح بيت المقدس، يحرص على جعل طلبته مدركين للمعاني الروحية حوله، والدروس المستفادة من الفتح.

وإن إحدى أبسط الخطوات العملية، هي تخصيص حصة أسبوعية من مادتي التربية الإسلامية أو التاريخ للحديث عن شخصيات وقدوات عملت لنصرة الأقصى. وأن يُكمل على هذه الجهود بتقديم إذاعة من إعداد الطلبة أنفسهم حول المسجد الأقصى، أو تنظيم مسابقات رسم وكتابة وغيرها من الأنشطة.

فعندما يصبح الطفل ويمسي وهو يرى المسجد الأقصى ويسمع عن تاريخه وأخباره أينما ولى قبلته، حينها فقط؛ سيصبح هَمُّ المسجد الأقصى همّه، وإن لم يتسنى له أن يراه أو يدخله سوى مرات معدودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق