عامفكرمراجعات فكرية

لماذا تعمل الفلسطينيات في المستوطنات “الإسرائيلية” ؟

يعد عمل النساء في المناطق الصناعية “الإسرائيلية” والمستوطنات ظاهرة تزايدت تدريجيا في السنوات الأخيرة؛ إذ تعتبر هذه الظاهرة من القضايا الشائكة في ظل عدم توفر البدائل للعمل، ومع غياب الدور الرسمي للجهات الفلسطينية لحل هذه المعضلة.

وقد بلغ عدد الفلسطينيين العاملين في المستوطنات “الإسرائيلية” 23 ألف عامل في عام 2018. منهم 0.7 من النساء يتقاضين أجوراً زهيدة مقارنة مع العمل المضني الذي يوكل إليهنّ. وتتراوح نسبة أجور النساء العاملات [ 1200 – 1700 شيكل]، علماً أن الحد الأدنى للأجور المعمول به في “إسرائيل”، قد ارتفع إلى 5300 شيكل.

يتركز عمل النساء الفلسطينيات في المستوطنات على مجالي الزرعة والصناعة؛ خاصة في المستوطنات الزراعية المتواجدة في الأغوار الفلسطينية؛ إذ تبلغ نسبتهنّ فيها أكثر من 90%. وقد بلغ عدد المستوطنات في الضفة الغربية حتى بداية العام 2019، 198 مستوطنة. وتعتبر “ميشور ادوميم” أكبر مستوطنة صناعية في الضفة الغربية، وتبلغ مساحتها 79 ألف دونم، تليها مستوطنة “معالي ادوميم” بمساحة 15 ألف دونم. 

تشكل منطقة الأغوار والبحر الميت ما نسبته 28.8% من مساحة الضفة الغربية؛ تسيطر إسرائيل على 50% منها، وتقوم بزراعة 32 ألف دونم فيها.

عملٌ شاق

ويتطلب العمل في المستوطنات استعدادات عضلية، وقدرة عالية على التحمل، في ظل ظروف عمل مكثف يمتد لساعات طويلة. إلى جانب ذلك، هناك صعوبة في الوصول إلى أماكن العمل، وخاصة أن غالبية النساء من الضفة الغربية لا يعملن بشكل رسمي، ولا يحصلن على تصاريح عمل، وهذا يستلزم اجتياز الحواجز العسكرية ودوريات الجيش والشرطة، وولوج دروب ترابية، مما يعني إطالة يوم العمل من 10 إلى 12 ساعة.

بلغ عدد العاملين في المستوطنات الإسرائيلية العام الماضي حسب حيازتهم للتصاريح؛ 39 ألف عامل ممن يمتلكون تصاريح عمل، في حين يعمل 28 ألفاً آخرين دون حيازة تصاريح.

أما عن الأسباب التي أدت إلى انتشار ظاهرة عمل النساء داخل المستوطنات، فتتمثل في الفقر وضنك العيش، وتفاقم الوضع المعيشي، وارتفاع نسبة البطالة، وتزايد معدلات الفقر، كما أن قرب المستوطنات من القرى والبلدات الفلسطينية يشجع النساء على العمل فيها.

أمانٌ منعدم

إن غياب القوانين الخاصة بعمل النساء يؤثر سلبا على أجواء العمل؛ فمعظم المستوطنات والمناطق الصناعية تستقبل ما تسميها العمالة “غير الشرعية”، بناء على علاقة ما بين المشغل الإسرائيلي والسمسار الفلسطيني الذي يعتبر ممثلا لكافة العاملين داخل هذه المستوطنات ويدير شؤونهم، وهذا يعني غياب الحقوق كافة، والحرمان من أي مستحقات أو تعويضات مالية؛ لأن المرأة لا تحمل أي ورقة ثبوتية للعمل.

المرأة العاملة في المستوطنات تواجه مشاكل مختلفة، فعلى الرغم من حصولها على أجور مرتفعة بالنسبة للمرأة في سوق العمل المحلي إلا أنها تعد أجوراً متدنية مقارنة بعمل الرجال وأقل من مستوى الأجور في إسرائيل نفسها. إضافة إلى شعورها الدائم بعدم الأمان؛ نتيجة الملاحقة المستمرة سيما مع عدم امتلاكها لتصريح عمل، إلى جانب تعرض بعض العاملات إلى التحرش بكافة أشكاله؛ إلا أنه لا توجد احصائيات محددة حول هذا الموضوع.

ترويض جماعيّ

إن ارتفاع أعداد العاملين في المستوطنات بشكل عام والنساء بشكل خاص يأتي منسجما مع ما يمكن أن تسميه سلطات الاحتلال بالسلام الاقتصادي مع الفلسطينيين، وهو في الحقيقة سياسة إسرائيلية ذات بعد أمني استراتيجي بالمعنى الشامل؛ ذلك أن زيادة عدد التصاريح يتم بناء على توصيات تقدمها قيادة الجيش الإسرائيلي للمستوى السياسي في تل أبيب.

فالرؤية “الإٍسرائيلية” في موضوع العمالة الفلسطينية تتمحور حول إنتاج واقع يجد فيه الفلسطيني نفسه متضررا من انخراطه الطبيعي في الفعل المقاوم لهذا الاحتلال، أو على الأقل لا يكون الخلاص من الاحتلال أولية فردية وجماعية بالنسبة لقطاع عريض من شعبنا.

يجري خلق هذا الواقع وتعزيزه، ضمن أشياء أخرى، من خلال منح تصاريح عمل لمن يخلو سجلهم الشخصي من أي نشاط كفاحي ضد الاحتلال. فصار “المنع الأمني” هو عصا إسرائيل الغليظة التي تضرب بها بطون عشرات الآلاف من الفقراء الفلسطينيين، وبالتالي نحن أمام منهج “ترويض وتدجين” وسياسة “رشوة جماعية” للفلسطينيين تستند إلى الدخل المرتفع نسبيا، يجنيه العمال من ناحية، وتتعزز عبر الاحتكاك اليومي بالمجتمع الإسرائيلي والتعايش مع منظومته “القيمية” من ناحية أخرى.

قضية وطنية

إن التعامل مع ظاهرة العمل في المستوطنات لم ترتق لدرجة التعامل معها كقضية، فلا بد أن يتم التعاطي معها في إطار رؤية وطنية شاملة؛ تتأسس على ضرورة التحلل من الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي بصورة عامة، والسعي نحو بناء اقتصاد مقاوم يحمل برنامجا سياسيا ونضاليا.

كما أنه يتوجب أن تستعيد حملات المقاطعة فعاليتها ودورها على الأرض بشكل أقوى وأكبر يستهدف هذه السياسية الإسرائيلية، فإعادة الروح لهذه الحملات يعني ترسيخ معانٍ وطنية بأن العمل في المستوطنات يساهم في إعطاء الشرعية لهذه المستوطنات على الأرض، ويعزز تمددها على حساب أراضينا الفلسطينية المحتلة.

وإن الحديث عن المنافع التي يجنيها الفلسطيني من عمله داخل إسرائيل، أو في المستوطنات الإسرائيلية لا يجب أن يلغي أهمية أن يضع هذا الفلسطيني في صلب اهتماماته، أنه وإن ضاقت بك السبل في السوق المحلي وتلاشت أمامك الفرص؛ لا تجعل هذا الواقع ينسيك أن من تعمل لديه هو محتل غاشم، وألا ينسيك هذا الواقع الذي تذهب إليه مضطرا حسب ما تقول هموم شعبك وقضيتك ووطنك.


المصادر:

[1] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، “إحصاءات المرأة الاقتصادية هل هي مجرد أرقام أم أداة قياس وتغيير سياسات؟”، http://www.pcbs.gov.ps/postar.aspx?lang=ar&ItemID=3199

[2] صحيفة الحدث، “أرقام وإحصائيات.. كم يبلغ عدد العمال الفلسطينيين في إسرائيل؟”، https://bit.ly/2rvS1lU

[3]  دنيا الوطن، “العاملات في المستعمرات.. رغيف من دم.. واستغلال إلى حد العبودية”، https://bit.ly/35DTNQo

 

 

غفران زامل

باحثة في العلوم السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق