عامفكرمراجعات فكرية

ويسألونَك عن القِوامة..

لمّا كان وضعُ اللّفظ الدّقيق بإزاء المعنى الحقّ والنّظر في سِياقه والشّهادة عليه أوّل تكليفٍ من الله لآدم –عليه السّلام- حين علّمه الأسماء كلّها، ومن بعده للبشريّة كافّة؛ كانت الألفاظ موازينَ تَحملُ المعنى وتَرفع الدّلالة، حِفظُها أمانةٌ وعملٌ بل وعبادةٌ، وإسقاطُها بُطلانها وانتهاكٌ للمفاهيم وبراءة.

والنّاس حين استخفُّوا بدور الكلماتِ في بناء التصوّرات واعتمدوا منهج التّسطيح بدل التّبسيط-وشتّان بين المنهجيْن-؛ كان الانحراف والتّدليس وشهادة الزّور وبتْرِ النّصوص، وصارت المنتجات الفكريّة مدعاةً للسّخرية والتحقير. لهذا كانت أزمتُنا اليوم أزمة مفاهيمٍ؛ بتسمية الأشياء بغير مسمّياتها الصّحيحة وباستمالة المعنى أو بتحريفِ الكَلِم عن مواضعه.

وحين كانت ظِلال المعنى مُتعدّدة؛ كان تقييدها واقتصارها على دلالةٍ واحدةٍ إجحافٌ وتعتيمٌ، واستمالتها بحسب الأهواءِ والأشخاصِ والمواقفِ تحريفٌ وتجهيلٌ، ومن هنا سنتتبّع لفظ “القِوامة” وأصلها من قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، لفظًا ومعنًى ودلالةً وتجسيدًا.

بين القِوامة والقِيام

لقد اختلف أهل اللغة بين وجود مُصطلح “القِوامة” كلفظٍ له أصلٌ صحيحٌ في اللغة وبين تلفيقها وإقحامها فيها، فالقوَّام في الآية صيغة مُبالغة، وهو الشّخص كثير القِيام على الشّيء، وقد ذهب البعض إلى أنّ القِوامة على وزن (الفِعالَة) في اللّغة العربيّة، والذي يُصاغ منه كلّ ما يدلُّ على المهنة والحِرفة، كالكِتابة والحِياكة والوِلاية وغيرها؛ أي أنّنا يمكننا إدراجها في حُكم المِهن والصّنائع.

ومن هنا، كانت مهنة المرء في أهله بالاجتهاد في القيام عليهم بما يخدمهم ويخفّف عنهم أعباءهم، فكانت بذلك تكليفاً ثقيلٌ حجمه، وليست بتشريفٍ كما يظنّها البعض. وعن عائشة -رضي الله عنها-حين سُئلت: “ما كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-يصنعُ في بيته؟ قالت: كان يكون في مِهنة أهله –تعني خدمة أهله-، فإذا حَضرت الصّلاة خَرج إلى الصّلاة”.

إذن، فالقوّام عمومًا هو كثير القيام على أهله، الرّاعي لشؤونهم، الحافظ لهم، النّاظر في مصالحهم، المكلّف بخدمتهم في حدود قدرته واستطاعته، وبما فضّله الله على غيره.

بين الفضيلة والإنفاقِ

إنّ الله سبحانه وتعالى حين قال: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}، لم يقفْ عند هذا الحدّ وسكتَ ليكون بذلك قولاً فصلاً في نسْبِ القِوامة بمطلقها للرّجل، وما هذه إلاّ رحمة منه -سبحانه وتعالى-بالرّجل والمرأة على حدّ سواءٍ، وإنّما حدّد وجْهها في قوله: {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}، وكذا: {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، أي أنّ الله -سبحانه وتعالى-قد علّلها وفصّل في أوجهها بالفضيلة أوّلاً (البعضُ على البعضِ، وليس الكلّ على البعضِ ولا العكس؛ ولو شاء لقال: (بما فضّل الرّجالَ على النّساء).

كما فصّل فيها -سبحانه وتعالى- بالإنفاقٍ ثانيًا؛ فالفضيلة لا تعني أفضليّة جنسٍ على جنسٍ وإنّما تعني عطاءً وبذلاً متبادلاً فيه تكاملُ أدوارٍ بلا منافسةٍ ولا شَحناء كلٌّ ووظيفته التي تتلاءم وطبيعة خَلقه في إطار الاختلاف الموجود بينهما.

فالرّجل والمرأة غير متشابهَيْنِ من حيث طبيعة تكوينهما الجسديّ والنفسيّ والوظيفيّ -وهذا أمرٌ بديهيٌّ-، ومن هنا كان النظامُ واقعيًّا يُراعي الفطرةَ البشريّة التي جُبلنا عليها؛ فالرّجل أشدّ قوةً وأجْسَر قلبًا وأكثر تحمّلاً للمسؤوليّات والمشاقّ، فكانت وظيفته القِوامة في حدود هذه الصّفات التي فضّله الله بها، ولما كانت المرأة ألين جسدًا وأكثر صبرًا وأرقّ قلبًا، إضافة إلى طبيعة تكوينها الجسديّة كانت وظيفتها القِوامة في حدود ذلك من حيث الأمومة والتربية ورعاية البيت وغيرها. وكلٌّ مكلّفٌ بكسبه ضمن ما حباه الله تعالى، وهذا من النّظر القويم للنص القرآنيّ كاملاً.

القوامة بذل وعطاء متبادل؛ فيها تكامل أدوار وفضل، لا استطالة وقهر.

وكما تحتاجُ بعضُ وظائف المجتمع الأسريّ تراحمًا وتكاملاً وتعاونًا دون إرهاقٍ ولا تعجيزٍ، ولنا في نبيّنا –عليه أفضل الصّلاة والسلام-خير الأسوةٍ، ففيما يُروى عن عائشة –رضي الله عنها-أنّه: “كانَ يخيطُ ثَوبهُ، ويخْصِف نعلهُ، ويعملُ ما يعملُ الرّجالُ في بيوتهم”، فبعضُها الآخر يحتاجُ تشاركًا وتشاورًا، ففي الإرضاع مثلاً يقول عزّ وجلّ: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ}، وكان الرسول –صلى الله عليه وسلّم- يستشير أمّ سلمة ويأخذ برأيها في مسائل تتعلّق بالأمة لا بالأسرة فحسب، فتسير على رأيها دولةٌ كاملة!

والمتتبّع لقوله -عليه أفضل الصّلاة والسّلام-: ” كلكُم راعٍ، وكلكُم مسؤول عن رعيته…والرّجل راعٍ في أهله، ومسؤولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجِها، ومسؤولةٌ عن رعيتها”، سيجد تأكيدًا على ما سبق من تكامل الأدوار في القِوامة في إطارها الصّحيح دون تسلّط ولا استبداد، ويقول الإمام الزمخشري: “إن الولاية تُسْتَحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر”.

الأفضليّة بين الرجل والأنثى تكون بحُسن الإدارة، والحكمة، ودرجة الثقافة، والقدرة على أداء الدور والواجب المنوط؛ وهو ما يتفاوت بين الناس على اختلافِ جنسهم.

أمّا البندُ الثّاني للقِوامة فهو الإنفاق، وقد فصَّله الله وبيّنه كسببِ قائمٍ بنفسه ذلك أنّه مسؤوليّة الرّجل بحسب استطاعته، وفي قول النبيّ -صلى الله عليه وسلّم-: “ألا إنّ لكُم على نسائكم حقًّا، ولنسَائِكُم عليكم حقًّا، فأمّا حقُّكم على نسائِكُم فلا يوطئن فَرشكم من تكرهُون، ولا يأذنَّ في بيوتكِم لمن تكرهُون، ألا وحقُّهنَّ عليكم أن تُحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن…”.

ولمّا كانت الضرورة دائمًا تقتضي وجود قَيّمٍ ومسؤولٍ تُوكَل إليه إدارة هذا المجتمع الأسريّ -كما كلّ مجتمع آخر أو مؤسّسة- وما يتضمّنه من نسلٍ، ويأتي عليه من تَبِعات، حتّى لا تضرب الفوضى أطنابَها ولا تختلّ الموازين؛ كان تقديم الرّجل على المرأة في هذا الباب أولى وأوجب حُكمًا وتسييرًا، وهذا ما ذهبت إليه الآية بتقديم لفظ “الرّجال” على لفظ “النّساء”، ولست أقول: ذكرًا ولا أنثى، وإنّما أقول: رجالاً ونساءً، وشتّان بين اللفظَيْن.

وقدْ تَسقُط القِوامة

إذن فالأفضليّة تكون بحُسن الإدارة والحكمة ودرجة الثقافة والوعي التي تتفاوت بين الناس على اختلافِ جنسهم، وليس ما يذهبُ إليه بعض “المُتفَيْقِهِين” بقولهم أنّ القِوامة بمطلقها للرّجل، وأنها تعني أنّه الأسدد رأيًا والأرجحَ عقلاً والأكثر حكمةً والأرشد منطقًا.

فمن الرّجال -كما من النّساء- سفهاءُ لا يحسنون التدبير ولا التصريف، وهم الذين وصفهم الله بقوله: {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم}. فيكون الرّجل منهم بذلك غير صالحٍ للإنفاق على الوجه الصّحيح؛ بهدر المال أو بالإمساك والبُخل، ولا أهلاً لتسيير شؤون البيت بالقِسط والحكمة لسُفهٍ فيه. فهنا تسعى المرأة للتدخُّل بالطريقة السويّةٍ السّليمة التي لا تلامسها سلبيّات ولا مشاحنات قد تؤدي إلى مزيد من الشّقاق.

وفيما يُروى عن هند أنّها قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: “إنّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ وليس يُعطيني ما يكفِيني وولدِي، إلاّ ما أخَذتُ منهُ وهُو لا يعلم”. فقال: “خُذي ما يكفِيكِ وولدكِ بالمَعرُوف”. كما قد يتجاوز سقوط الأفضليّة بسبب هذه العيوب السلوكيّة إلى أسباب مرضيّة كالعجز أو الإعاقة، وإلى أخرى دينيّة وأخلاقيّة؛ كابتعاده عن الطريق المستقيم ووقوعه في الحرام وإقباله على الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فالمقيم للشّرع مقيمٌ له كلّه بفروضه وواجباته لا بما تُمليه عليه أهواؤه، وإلاّ فهو تناقضٌ فاضحٌ، قال تعالى: {أفتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}. فمن لم يؤدّ ما وجَب عليه؛ سقط عنه التكليف الذي حسبه من فرط الجهل تشريفًا.

البترُ ظلمٌ بيّن

إنّ الله تعالى لم يرد من تشريعه للقِوامة إلا؛ إصلاحًا وتنظيمًا للمؤسسة الأسريّة بما يخدم الزوجيْن أوّلاً، ولم يرد أن تكون نقطة نفور أو تشاحنٍ بينهما ولا نقطة قهر واستبدادٍ وظلم.

المشكلة الأساسية هي في ظاهرة بتْر النّصوص القرآنيّة هذه؛ لفهْمها بحسب الأهواء أو تجسيدها والعملِ بها بما يخدم عُقدنا النفسيّة دون استحضار النّص الكامل ولا السّياق الذي جاءت فيه، فصارت ظاهرة البتر هذه غبشًا للأبصار والبصائر، وتعتيمًا وتحريفًا فاضحًا للكَلِم، وانجرافًا عن المعنى الأصليّ؛ ليُرخي العنان لكلّ متعالمٍ بفهمه السّقيم أن يفتح للبعض بابًا للتسلّط والاستبداد، وآخر للتهكّم والتهجّم، باسم التشريع الذي لم يَأتوا عليه بسلطان بيّن.

وكأنّها بؤرةٌ تكشف لنا عن عددٍ من التشوّهات النفسيّة والاجتماعيّة والجنسيّة، أو امتحانٌ كاشفٌ لمواقفنا من قضايا المرأة عمومًا؛ لا مسألة القِوامة فحسب، والتي يتصيّدها الآخر لضرب الدّين بسهام قذارته. وليس في الأمر جدة، فالنّاس قد اعتادوا التنكّر للحقائق وإن لاحت لهم كالشّمس في يومٍ شديدِ القَيظ.

يتنكّر الناس للحقائق؛ فيتَوارَون خلف عاداتهم المزعومة، وينصرفون إلى أفكارهم البائسة المسبَّقة، ويكأنّهم يجدون في قلوبهم تشنّجًا من معناها؛ ذلك أنّهم يخافون مواجهة أخطائهم، يجدون في أنفسهم حرجًا من الاعتراف بقصورهم في الفهم والإدراك، وليس لديهم أيّ استعدادٍ لتعديل واقعهم واستدراك أفعالهم بما يتناغم مع النصّ القرآني وصحيح السنّة المطهّرة، اعتادوا التّدليس حتّى التبس عليهم الحقّ والباطل، ولو أنّهم اجتهدوا مرّة فقط لإقامة موازين الكلمة بالقسط؛ لبدا لهم الرّشدُ من السُّفه!

خولة المقراني

مدونة جزائرية، وإحدى القائمين على مشروع “عمران”، متخصصة في الفيزياء، ومهتمة بالإعلام والقضايا الاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق