حضور امرأةعام

زوجتي: كم اشتقت إليك

على لسان السيد: أديب حماد، زوج الشهيدة مهدية حمّاد – قرية سلواد، في ذكرى استشهادها الرابعة 25 ديسمبر 2015.

كأنه البارحة، بدأت كل الحكاية؛ عندما خطف وجهك الملائكي الطفولي بصري ونظري وكل ما بينهما من نبض وأنفاس وأفكار! نظرة واحدة إلى براءة وجهك الجميل، وضحكتك الرنانة كانت كفيلة أن تجعلك حلمي لخمسة أعوام قادمة قبل أن أطرق باب بيتكم طالبًا القرب، كفيلة أن تجعلك في صلواتي ودعواتي لله، كفيلة أن تجعلك الذهب الحلال الذي ارتديه حول عنقي وأزين به سنين عمري وأيامه. أخطط وأفكر بكل ما أوتيت من مهارة المهندس لكي أجعل من رغبتي في الارتباط بك أسمى ما يمكن أن أنفذه من مشاريع هندسية أتوج بها مسيرتي إلى نهاية حياتي.

كنت وقتها فقط طالباً في المدرسة، فعدت في عمري سنين للوراء، مراهق متلهف لكل نظرة حب، لكل لقاء يقذفه القدر في طريقنا؛ لنمد أنفسنا بالصبر الجميل، إلى أن يجمع الله بيني وبينك في بيت سقفه سماء بلا حدود، وأرضه سهول تنبت فيها سنابل الحب الحاملات المثقلات.

كنّا روحا واحدة يسكنها جسدان، كنتِ أنت زوجتي وحبيبتي وأختي وأمي وصديقتي وابنتي. نعم، أنت ابنتي التي مارست طقوسي الأبوية عليها، أنت حبيبتي التي مارست طقوس مراهقتي على رزنامة أيامها! أنت رفيقتي التي لونتِ منعطفات قدري بأزهى الألوان، أنت خديجتي التي اختبأتُ في دفء حضنك عندما كنت أركض بين مطارق الأيام وسنديانات الوجع.

كأنها البارحة يا بيتي وموطني، عندما وضعنا أول الحجارة في بيتنا، كأنه البارحة عندما اعترفت لك بكامل قواي وكامل الحب الذي حملته لك مذ رأيتك، أن هذا البيت ليس بيتي بل بيتك أنت وأنا أعيش في كنفك، وهذا من كل الكون يكفيني! ما يضيرني أن أبقى ابنك المختبئ في حضنك وبيتك الى أن أشيخ وأموت؟ لا يضيرني شيء، بل هذا بالضبط ما أردته، هذا بالضبط ما كنت أحلم به، أن أبقى طفلا صغيرا يعيش في كنفك الأموميّ الدافىء.

رحيلك أيتمني…

حكايتي هي أنت! لم تكن حياتي إلا فرح كتبتِ حروفه بكلمات من نور، وزرعت بذورًا من النرجس وزهرة الياسمين الذي أزهر وزين حياتي بابننا الأول؛ حاملاً مني الاسم، وحاملاً منكِ الجمال الخالص المسكوب في قوالب الذهب. رحيلك أيتمني، وانا الطفل المدلل الذي يعيش في كنف أمه، غير مبال بكل ما يدور في الدنيا من سوء، رحيلك أيتمني وأنا الطفل الذي ما شعر يوما بالبرد والتعب في كنفك، وأنا الذي كنت دوما أسند ظهري إلى جدار قلبك، ورأسي في حجرك غير عابئ بشيء.

وعدتني أن تزغردي في نجاح أولادنا في الثانوية العامة، ما زلت أنتظرك! لقد نجح زكريا ونجحت أحلام، واتفقنا على الزغاريد المؤجلة إلى أن نلتقي، وعدتهم بالمستقبل الذي يرغبون، وأقسمتِ أن تعملي جاهدة على تنفيذ كل تلك الوعود، وأن تلك الوعود هي مشاريع حياة كاملة متكاملة بالنسبة لك.

ما زلت أحلم أن أراك…

ما زلت أحلم أن أراك، وأنت تخيطين لأولادنا الكنزات التي يحبونها؛ ليلبسوها في مطلع الفصل الدراسي الثاني. فالشتاء في سلواد قارص البرودة، شديد الوطأة، كصوت القنابل الصوتية التي يلقيها الاحتلال على مداخل المدن عند أي مواجهات. ما زلت أحلم أن أراكِ تلبسين الثوب الفلسطينيّ المطرّز؛ ثوب أم العريس، تزين رأسك “وقاة الذهب” تزفين أولادنا إلى بيوتهم، تحملين أحفادنا بين ذراعيكِ، تمارسين جمال قلبك تحت مسماكِ الجديد “الحماة”. أراك تجهزين صواني الحناء لزكريا ويحيى، وتعبئين مع أحلام وملك أكياس الحلوى لتوزيعها على المشاركين في الأفراح، أراك تزينين القاعة بضحكاتك وزغاريدك، يا أم العرسان وأم أبيهم وقلبه ووجعه.

أنا جائع يا حبيبتي، وما زلت أنظر إلى المقلوبة التي أحبها من صنع يديك، ما زلت أنتظرك لتدخلي باب بيتنا لإقامة حفلة الشواء التي يحبونها، والتي كنا قد قررنا إقامتها لأطفالنا قبل أن يبدأوا بالتحضير للامتحانات نهاية الفصل الأول آنذاك، أتعلمين؟ جلست أحلام بجانب يحيى الذي لم يخط العام الأول بعد، لم تتحرك لأنك أوصيتها أن تعتني به إلى ان تعودي من مشوارك الخاطف، لقد غادرت دقائق لتطمئني فيها على أختك سميرة وأطفالها الأيتام، وتعطيهم بعضا من الحطب وتعودي بسرعة!

عودي… أرجوكِ

أعرف أنك لم تخلفي وعدا أبدا، أنت وعدتني أن نعلمه خطواته الأولى سويا، وأن نعمله النطق سويا فهو آخر العنقود. أعدك أن أجعله ينطق ماما قبل بابا، فقط تعالي هنا، لتأخذي بيدي ونكمل الرحلة سويا. أنا يا مهدية ما زلت أجلس على الرصيف حيث تركتني أنتظرك، لنمشي باقي الطريق سويا.

أنا مريض بحبك يا مهدية، وعدتني أن نصل الى السبعين من العمر سويا تمسكين بيدي كأمي، ومن ثم وعدتني بالقليل من المشاجرات التي تنتهي بفنجان القهوة السادة الذي تحبينه. وعدتني أن تحافظي على الحب المعرّش فوق جدران قلبينا أخضرَ يافعا متسلقا زوايا ذاكرتنا. وعدتني بالكثير من الحياة، ولكن لم يكن أبدا في حسباننا أيّ قليل من موت.

أنا أعرف أنك لا تخلفين وعداً، ولكنها رصاصات غادرات، لا يتجاوز ثمنها ثمن وردة حنون تتشبث بأديم الأرض، فرت هاربة من فوهة حقد أصابت قلبك النابض.

الأم لا تخلف الوعد، وأنت نعم الأم يا حبيبتي. من قال أن مهدية تخلف وعودها؟ لم تعد إلينا، ولكنها لم تخلف وعودها. إنه الاحتلال الذي سلب بيتنا نوره، وسلب جسدها روحه، إنه الاحتلال الذي يعيش جاثما فوق أحلامنا. من قال له أن الأرواح يمكن أسرها؟ من قال له أن الأحلام يمكن قتلها؟ من قال له أن في فلسطين متسعاً لغير أبنائها؟

من قال لكم أن الشهداء قد ماتوا؟ أليسوا أحياء عند ربهم يرزقون؟

ومن ثم: من قال لكم أن الأم يمكن أن تخلف وعودها؟

فمهدية لم تخلف وعودها أبدا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق