عاممدونات

مدارس الأطفال: مصانع الروبوتات البشرية

تخيّل نفسك في اليوم الأول من الروضة، في البراعم أو في البستان، لم تتجاوز 4 سنوات من العمر، بسذاجتك وبراءتك وعشوائيك وحركاتك غير المضبوطة. يخطر على بالك خاطر؛ فتباشر بتنفيذه في تمام اللحظة، دون تفكير بالتبعات؛ فتفاجؤ بكائن ينقض عليك غاضباً ملقياً بالأوامر: اجلس، اسمع، ششششش. تنهال عليك التعليمات، التي تحتاج كثيرا من الهدوء، وضبط الأعصاب، وتقييد الأفعال والأفكار بطريقة تقتل الإبداع، وتقتل روحك الجميلة؛ لتتحول تدريجيا إلى روبوت يُعاقَب في حال خالف الأوامر.

هل يعقل أن يبقى طفل في الثالثة أو الرابعة من العمر جالسا لمدة ٤٥ دقيقة، ساكناً في كرسيه، يستمع وينظر فقط دون أي حركة أو التفات؟ وكل ما في ذهنه ووجدانه يدعوه ليركض، ويلعب، وهو يقاوم رغبته، ويكبح نفسه مرغماً، ليكون صنماً.

يتجاهل النظام التعليمي حقيقة هامة وهي أنه “طفل”؛ مدة تركيزه في هذه الفترة لا تتجاوز عشر دقائق. وأصبحت رياض الأطفال والمدارس الأساسية تجبر الطفل على الجلوس والالتزام الكامل بالهدوء دون حركة أو كلام أو تفريغ للمشاعر. وتعاقب بالصراخ والضرب أحيانا للمخالفين، وتضع منهاجاً واحداً جامداً للمعلم المضطر إلى تمريره لجميع الطلاب دون مراعاة للفروق الفردية بينهم في الفهم والاستيعاب.

هذا الضبط الذي لا يراعي احتياجات المرحلة العمرية يقولب الأطفال جميعهم بقالب واحد، مع تغافل كامل لكينونة كل طفل، وحالته وقدراته وإمكانياته. لذا، لا غرابة في أنّ عدد الذين يغادرون مقاعد الدراسة مبكرا في ازدياد، فلا توجد مساحة كافية لهذا الطفل حتى يكون طفلاً.

لا بد من مراعاة الاحتياجات النفسية والفروق الفردية بين الأطفال، وتحديد منهاج يتلاءم مع كل فئة على حدة؛ فالأذكياء مثلا يحتاجون منهاجاً يختلف عن المتوسطين، وكذلك عن المتأخرين.

إنّ الخلل الرئيس هو مجاراة المنهاج المحدد وتمريره على الجميع بشكل إجباري يعمق الفجوة بين الطفل والكتاب، ويخلق مزيدا من الإحباط للطفل الذي يتخلف عن هذا الركب السريع. وفي حال عدم وجود أهل يعون تماماً وضع طفلهم، ويلاحقونه سريعاً بشكل مكثف ومستمر؛ يجعل طفلهم ضحية جديدة تنضم إلى مجموعة كبيرة من الضحايا؛ الذين نصنعهم بأنفسنا في مصانع الروبوتات البشرية “المدارس”، التي تقتل كينونتهم وإبداعهم.

نحن نسابق الوقت لإعطاء كافة المعلومات، في كافة المواضيع، بشكل سريع جداً، ووقت قياسي. ونُخرّج خريجين يصلون لمرحلة الجامعة؛ لا يستطيعون كتابة تقرير واحد، بلغة سليمة، ولا يتمكنون من إجراء حوار بسيط، ذي مغزى، بلغة واضحة. نحن فعلياً نخرّج مجموعات من المحبطين، والمتأخرين دراسياً؛ إلا من رحم ربي.

فأين نحن من صناعة المفكرين؟ وأين نحن من إطلاق المساحة للطفل ليخرج قليلاً عن هذا النمط التقليدي المتعفن؟! إنها أسئلة تحتاج تفكيراً عميقاً ناقداً، نافذاً إلى حلول واقعية؛ تغير من قبح الجريمة المستمرة بحق الأطفال الصغار.

رهام غيث

قارئة وكاتبة مهتمة بقضايا أسرية ومجتمعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق