حواراتعام

لأن الآباء لا يموتون..”سمر البع” تصاحب النحل والعسل

برداء أبيض، وقفازات مطاطية، وغطاء رأس محكم، وقناع شبكيّ، تقف شابة في أواخر العشرينيات وسط صناديق خشبية مليئة بخلايا النحل. تتفقدهم بدقة، وبجانبها مدخن يخرج دفقات دخان متوازية ليسهم في تهدئة النحل؛ فرائحة الدخان توحي للنحل بأن حريقًا قد حدث في الخلية؛ فيسرع إلى ملئ الحويصلة بالعسل.

برغم كل ردائها المحكم، تتعرض صديقتنا أحياناً إلى لسعات خفيفة من صديقها الدائم، النحل.

عسلٌ للشهيد

 

سمر البع، صاحبة أول منحلة في قطاع غزة، خريجة تعليم أساسي من جامعة القدس المفتوحة. لم تترك نفسها لتقف في طابور البطالة، فأوجدت لها فرصة عمل خاصة تهواها؛ صاحبة منحلة.

وبالرغم من رفض عائلتها للعمل في عالم النحل؛ نظرًا لأنّ المهنة غير مألوفة لفتاة، ترفضها التقاليد، إضافة إلى أن المنحلة الخاصة بها تقع في منطقة بعيدة عن منزلها وقريبة جدًا من الحدود مع الأراضي المحتلة؛ مما يشكل خطرًا عليها، إلا أنها مضت في طريقها غير آبهة.

والد سمر استشهد أثناء اجتياح “إسرائيليّ” بريّ لمدينة بيت حانون، ودُمرت منحلته بالكامل. وعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على الحادثة، إلا أنّ سمر لم تنس شغف والدها؛ فقررت أن لا تستسلم، وأن تحقق حلم الطفولة بافتتاح منحلة والدها؛ تخليدا لاسمه وذكراه.

حصلت سمر على دعم مؤسسة “التعاون” الألمانية؛ وبدأت مشروعها ب 24 خلية، ومع العمل الدؤوب وصلت عدد خلايا النحل إلى 60 خلية.

تقول سمر: “في البداية رفضت عائلتي الفكرة؛ خوفًا من تعرضي للخطر حيث قوات الاحتلال تطلق بين الحين والآخر النار على المتواجدين، ولكنّي نجحت في إقناعهم، وشرعت بالعمل برفقة شقيقيّ الاثنين، فغدوت مديرة المنحلة، أوزّع العمل فيما بيننا”.

إتقانٌ وأمانة

فتاة المنحلة التي تسير على خطى معلمها الأول؛ تعلمت من أبيها الصدق، والإتقان، وخبايا عالم النحل. تقول: “كنت أذهب مع والدي وأنا لم أتجاوز الخمسة عشر عامًا، أركض وألعب في المزرعة، وأراقب أبي كيف يتعامل مع خلايا النحل، وكيف يقوم على تدفئته، وجمع عسله”.

ترجع فتاة المنحلة سبب نجاح مشروعها وجودة عسل منحلتها الخاصة؛ إلى أنها تحرص على قطف العسل مرة واحدة في العام خلال فصل الربيع، ليعطيها عسلًا صافيًا. فنحلها يتغذى على الأزهار فقط، على عكس العديد من أصحاب المناحل الذين يقطفونه مرتين في العام، ويضيفون له السكر المصنّع، وبالتالي يكون عسلًا مغشوشًا.

تقوم سمر بزراعة نباتات طبية؛ ليتغذى عليهم النحل، مثل: المرمرية، والزعتر، والريحان، والمورينجا، والنعناع.

تذهب صديقتنا لمنحلتها يوميًا بصدر رحب وبهمة عالية، سيرًا على الأقدام حوالي 300 متر؛ حيث لا توجد وسيلة نقل على الشريط الحدودي، نظرًا لتعرجات الطريق، والرمال المتناثرة، وصعوبة سير العربات فيه بأمان. 

أمّا الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة فقد طال سمر ومزرعتها، حيث تحتاج إلى علاج خاص بالنحل يعمل على تنشيطه، وتقويته، لكنه ممنوع من الدخول للقطاع. كما تعرضت سمر في مرات عديدة إلى إطلاق نار مباشر من قبل قوات الجيش الإسرائيلي في المنطقة الحدودية.

سيدةُ النّحل

وعن مواقف سمر المضحكة مع النحل، تقول لبنفسج: “في أول يوم عمل لي، جاء طفل إلى المنحلة ورمى حجرًا نحوي؛ وإذا بالنحل يفرّ من الصناديق ويلاحقني، فأخذت أركض بأقصى سرعتي إلى الخارج، ثم داويت لسعات النحل بطريقتي الخاصة”.

صاحبة أول منحلة في غزة، تطمح لأن تطور من عملها أكثر، وتصبح أكبر سيدة أعمال في عالم النحل.

تقوم صديقتنا بتعبئة العسل في عبوات خاصة، وتضيف له المكسرات وتزينه بطريقة جذابة، ثم تسوّقه على مواقع التواصل الاجتماعي، كما تحرص على توزيعه على العديد من الصيدليات ومراكز البيع. ويبلغ ثمن الكيلوجرام الواحد من العسل الغزّاوي 70 شيكلا، أي نحو 19 دولارًا.

يُذكر وفقًا لوزارة الزراعة الفلسطينية، أن قطاع غزة يحوي ما يقارب 20 ألف خلية نحل، بإجمالي إنتاج سنوي يصل إلى 250 طنًا. كما يبلغ معدل إنتاج كل خلية في موسم الربيع ( 8 – 10 كلغم ) من العسل، وتنتج الخلية في موسم الصيف ما يقارب ( 5 كلغم). 

 

منى الأميطل

صحفية من غزة. مهتمة بالقضايا الاجتماعية والنسوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق