تاريخ و أدبفكر

قصر السيدة طنشق بالقدس: هندسة مخلّدة في وجه التاريخ

يبقى العمران شاهداً على الحضارات دالا على ثرائها وحافظا لإرثها الفكريّ والثقافي، فكما ورد على لسان  مالك بني نبي قائلاً: “الحضارة ليست كومة، ولكن بناء وهندسة معمارية”، فبها تُخلدُ الشعوب آمالها وتصنع فلسفتها، وتضفي وجودها عبر الزمن؛ مما يجعلها مصدراً مهماً لاستقراء التاريخ.كما ويمكن اعتبارها مؤشراً لأبرز الأحداث السياسية، والشخصيات التي شهدتها المنطقة؛ إذ دأب الملوك على تخليد ذكرهم عبر تشييد القصور التي حملت في العادة نقشاً يحمل اسم صاحب البناء وتاريخ التشييد وسبب البناء في بعض الأحيان.

يعد قصر السيدة طنشق المظفرية، والمعروف تاريخيا “بسرايا الست طنشق” أحد معالم مدينة القدس الإسلامية، وحول هذه السيدة، لم تذكر كتب التاريخ الكثير عنها سوى أنها عاشت في القرن الثامن وتوفيت في العام الأخير من ذات القرن، وتُعرف أيضاً ببنت عبدالله، دون أن يعني هذا أن اسم أبيها هو عبدالله بالضرورة؛ فقد دأبت عادة المماليك بأن يطلقوا اسم “ابن عبدالله ” أو “بنت عبدالله” عندما يكون الأب شخصاً لا شأن له. تعني كلمة ” طنشق ”  باللغة التركية الثمين أو الرائع ، ويبدو أن طنشق كانت زوج لأحد الأمراء من لقب بالمظفر، فنسبت إليه.

المقرنصات المملوكية في مدخل الباب الأمامي لسرايا ست طنشق

حكمت أسرة المظفرين المملوكية في فارس وكرمان وكردستان في الفترة الواقعة بين العام (1313-1393)، ويبدو أن طنشق لجأت إلى مدينة القدس إثر النكبة التي ألمت بالأسرة الحاكمة على يد تيمورلنك في العام 1387، وتفرغت للتعبد في مدينة القدس، فأنشأت العديد من المنشآت، من أهمها “دار الست” أو “الدار الكبرى”

قال عنها مجير الدين الحنبلي في الجزء الثاني من الأنس الجليل : ” كانت في عصر الشيخ إبراهيم القلندري الست طنشق بنت عبد الله المظفرية التي عمرت الدار الكبرى المعروفة بدار الست بالعقبة التي بالقرب من باب الناظر … توفيت بالقدس الشريف ودفنت بتربتها”.


تفاصيل القصر المعماريّة:آيات قرآنية وحجارة ملوّنة

 

قبة السرايا تتوسط سطح القصر، تظهر الصورة قرب القصر من المسجد الأقصى المبارك؛ إذ تظهر قبة الصخرة الشريفة.تصوير حسنة بسيط

تم إنشاء ووقف هذا المعلم في الفترة ( 783-781هـ /1382-1379م ) في القدس، في موقع يشرف على المسجد الأقصى، ويطل بشكل خاص على قبة الصخرة. يمكنكم الوصول إلى هذا المعلم عن طريق الواد بالانعطاف غرباً عند مفرق طريق باب الناظر المؤدي للمسجد الأقصى، أو عن طريق خان الزيت بالانعطاف شرقاً عند مفرق طريق عقبة التكية. بعد السير عشرات الأمتار تقريباً ستجدون واجهة القصر أمامكم.

يعد هذا القصر مجمعاً معمارياً ضخماً يتكون بناؤه من طابقين، يضم الأول صالة استقبال كبيرة تتكون من قاعة مركزية وإيوانين، ويحيط بهذه القاعة من الجنوب والشرق والغرب مجموعة من الغرف.يتصل الطابقان ببعضهما بمدخل كبير الحجم والتكوين، معقود مدبب يؤدي إلى ساحة مكشوفة يتم الوصول من خلالها إلى مختلف الغرف والقاعات في الطابقين.

في مدخل القصر يوجد أكبر وأضخم واجهات العمائر في بيت المقدس، ففيها ثلاث مداخل فخمة: غربي وأوسط وشرقي. استخدم في المدخل الغربيّ حجارة ملونة تعرف باسم “الأبلق” (الأحمر والرمادي)، ويدور شريط كتابي حول صدر حنية المدخل محاط بالإطار الزخرفي للنافذة، ومضمون هذا الشريط الذي حفر بخط النسخ المملوكي البارز البسملة، يليها اقتباس قرآني لآيات من سورة الحجر.

ثم المدخل الأوسط وهو أوسط المداخل الثلاثة، إلا أنه أكثرهم اتساعاً متوج بعقد خماسي. الباب موصول بالقاعة الرئيسة، ويؤدي المدخل الأوسط لقصر الست طنشق، إلى قاعة رئيسة، تستخدم اليوم ورشة للنجارة ويبدو أن وظيفتها الأصلية كانت إسطبلا.

صورة توضيحية للواجهات المختلفة للقصر

ويأتي الباب الشرقي في الواجهة الشمالية للقصر، وهو أضخم وأجمل الأبواب الثلاثة بني بالأبلق من حجارة حمراء وبيضاء مالت قليلاً للاصفرار، وفوق عتبت الباب الأحمر مدماك حجري من صنع معشقة بشرفات موضوعة بتبادل معكوس بأسلوب الأبلق. وأصل هذا التعشيق مكون من حجارة بيضاء جيرية لُبّست بحجارة سوداء تحولت بفضل العوامل الجوية إلى رمادية.


من قصر طنشق لدار الأيتام الإسلامية

 

باب السرايا الرئيسي يعلوه لوحة كتب عليها دار الأيتام الإسلامية الصناعية وهو مازال قائم لليوم. تصوير حسنة بسيط

بعد وفاة الست طنشق، استخدم القصر كمقر لمتصرفية القدس في العهد العثماني، وتم ضم تكية “خاصكي سلطان” له وتعني “خاصكي سلطان” محبوبة السلطان، وهو لقب أطلق على رسلانة زوجة سليمان القانوني وهي روسية الأصل. وكان سرايا طنشق يعرف وقتئذ باسم دار السرايا، أما في فترة  الاحتلال البريطاني لفلسطين فقد حولها المجلس الإسلامي الأعلى إلى “دارالأيتام الإسلامية الصناعية”، والتي ما تزال قائمة حتى يومنا هذا. تقوم المدرسة بتعليم وتشغيل الأيتام، وهي الآن تابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، فتتولى الأوقاف الإشراف عليها ورعايتها، وتسعى إلى وضع الخطط التنموية لتطويرها بالشكل الذي يجعلها قادرة على النهوض برسالتها التعليمية والمهنية؛ إذ تشتمل هذه الدار على أنواع متعددة من التعليم المهنيّ مثل مجالات الطباعة، والتجليد والدهان، والنجارة والخياطة والخيزران، والتنجيد والديكور والخراطة، والتسوية والحدادة واللحام، والرسم المعماري والكهرباء.

صور لطلاب دار الأيتام الصناعية خلال تدريبهم للمهمات المهنية والطباعة

كما وتتميز الدار بفرقتها الموسيقية الفريدة، التي تشتمل على مجموعتين أساسيتين: الأولى، تعزف بطرق الصنج النحاسية، والثانية تعزف بنفخ القرب. وقد وجدت هذه الفرقة رعاية وتشجيعاً كبيرين من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية. وتخرج منها العديد من الأكفاء الذين تولوا قيادة فرق موسيقية في دول عربية شقيقة. وتحفل الذاكرة الفلسطينية بطيب مشاركات هذه الفرقة في المناسبات الوطنية والأعياد الدينية، خاصة في شوارع القدس العتيقة وساحاتها العامة.

صور من جوانب سرايا تنشق بعد الترميم العثماني والمعاصر لها وتحويلها لمركز لدار الإيتام الصناعية

واليوم يحتاج هذا القصر إلى الكثير من الترميم والصيانة والاهتمام بحجارته وخاصة واجهته الرئيسية والداخلية المتآكلة، كما أن بعض العناصر الزخرفية حول الشباك مفقودة، ويتوجب إعادة ما فقد منها وإعادة ترميم الرقم التاريخي المنقوش عليها، إذ ترجع أهمية الاعتناء بالمبنى وترميمه لأهميته التاريخية، والحفاظ عليه باعتباره موروث معماري تاريخي أصيل.


قائمة المصادر والمراجع

– الحنبلي ، مجير الدين ، الإنس الجليل في تاريخ القدس والخليل ، ج2 ، عمان ، مكتبة دنديس ، 1999م .

– نجم ، رائف يوسف وآخرون، كنوز القدس، عمان ، المجمع الملكي لبحوث الحضارة الاسلامية ، 1983م .

– العسلي ، كامل ، من آثارنا في بيت المقدس ، عمان ، جمعية عمال المطابع التعاونية ، 1982.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق