الأمومة: فن ركوب الأمواج

غالبا ما كنت أظن أن مهمتي كأم؛ هو أن أستطيع خلق بيئة مستقرة منسجمة متناغمة تسير في مركب بديع، في مجرى نهر هادئ لطيف. كنت أتخيل الروتين المنتظم والترتيب الدائم والأطفال السعداء والعائلة المنسجمة، تماما مثل الصور التي تغرق وسائل الإعلام، والكتب والمحاضرات التربوية الشهيرة.

لكن تجربتي كأم “لأكثر من 20 سنة” كشفت لي أن الحياة مع أسرة فيها أطفال أبدا لن تكون كنهر جار، بل هي بحر متقلب بين مد وجزر، بين عاصفة وسكون، وأمواج هادرة وهادئة. وأن مهمتي تكمن فن ركوب الأمواج وإن استطعت، أن أعلم أولادي ذلك أيضا.

فن ركوب الأمواج هو أن أدرك أن حياتي وحياة أبنائي هي سلسلة من التقلبات، لا يشبه يوم يوما آخر، فهناك أيام سيكون فيها أمواج لتركب، وأيام أخرى ينحسر فيها الموج ويملأها السكون.


علاقات متغيرة

 

ركوب الموج يعني أن يتغير شكل علاقة الأم مع أبنائها كما تتغير مراحل نموهم. -من تجربتي ومن قراءاتي في هذا المجال- وجدت أن مرحلة الطفولة المبكرة يحتاج الصغار خلالها العناية الفائقة والحنان واللعب والضحك والأحضان. وفي سنوات الدراسة الابتدائية يحتاج الأطفال الأم المعلمة المشرفة المتابعة والمديرة إن صح القول. وبعد البلوغ يحتاجون الأم الصديقة الرفيقة الناصحة، مصدر الدعم المادي والعاطفي.

طبعا هذه مجرد خطوط عريضة، ولكن عند الدخول إلى التفاصيل فإن هذه الأدوار موجودة في كل المراحل ولكنها تأخذ تركيزا معينا في كل مرحلة. فمن الأكيد أنك ستلعبين وتحتضنين ابنك في الصف الثالث، ولكن شخصية المربية والمعلمة ستكون الأبرز والاهم.

وقد يكون أصعب تحد واجهته شخصيا اختلاف المراحل العمرية لأبنائي في البيت، إذ كان أبنائي الصغار مثلا يتساءلون لماذا لا ينام أخوتنا الأكبر مبكرا مثلنا؟ أو أن يعلق أبنائي الكبار على معاملة “متساهلة” لأخوانهم الصغار أحيانا. لكن من الميزات أيضا أن علاقتي مع أبنائي الصغار هي نسخة معدلة ومنقحة عن تلك التي كانت مع أبنائي الكبار. فالكثير من الأخطاء التي ارتكبتها مع أبنائي الكبار استطعت تجنبها لاحقا، ولكن بالتأكيد ليس دائما.

وبالتالي فإن الأم التي تتعامل مع ابنها في عمر التاسعة كما كانت تعامله وهو في الروضة لن تحصل إلا على طفل مدلل يرهقها ويرهق من حولها. ومن تعامل طفلا في الروضة بذات الصرامة التي تعامل بها ابن العاشرة ستحصل على طفل كئيب معقد خائف.

والأخطر من ذلك، حين تعامل أم ابنها في الثانوية كما تعامل ابنها في الصف الأول وترسم له خطة الصباح والمساء وتلزمه بها حرفيا. هنا تقتل الأم شخصية ابنها تماما. فهذه أم لم تنضج بعد، ولم تساعد ابنها على النضوج، وهي تعاند سنن الحياة المتغيرة التي تقول “تكيف وتغير” وإلا لن تنجح.


الروتين(ات) المقدسة

 

ركوب الموج يعني أنه لا يوجد روتين مقدس (مهما حاولت). من تجربتي فإن أي روتين تضعينه له “مدة صلاحية وتاريخ انتهاء”. وعدم تقبلك أنت أولا لهذا المبدأ؛ يعني دخولك في صراعات لا طائل منها مع أولادك، وجعل حياتك أشبه بحلبة مصارعة أو عراك الديوك، واستنزاف عصبي ونفسي لكل أفراد الاسرة.

فمثلا طفلك حديث الولادة يجب أن يرضع كل ساعتين، ولكن قبل أن يمر 4 أشهر على هذا الروتين يتوقع أن تكوني غيرت هذا الروتين لينام طفلك 4-6 ساعات متواصلة في الليل (وطبعا هذا أيضا خاضع للتغيير). من المفيد تعويد طفلك على نوم القيلولة قبل دخول المدرسة (إن نجحت) على أن يتخلى عن هذا الروتين ما إن يبدأ الدوام المدرسي الطويل.

قد تستطيعين الجلوس وإجبار طفلك على الدراسة معك في الصف الثالث والرابع، ولكن يا ترى كم عدد الأمهات من حولك القادرات على إجبار أبنائهن في الثانوية على الخضوع لتلك الجلسات “العائلية العلمية”. لا يعقل أن تتوقع الأم من ابنها في الجامعة أو ابنتها في الثانوية النوم في تمام الساعة التاسعة، بعد شرب كأس الحليب كما كانا قبل 5 سنوات (هذا السيناريو لم يحدث معي اطلاقا بالمناسبة).

علمتني الحياة أنه من السذاجة لأم أن تتصور أن اجتماع أبنائها الثلاثة مثلا على مائدة الإفطار والغداء والعشاء، وهم في المرحلة الابتدائية سيستمر حتى حين دخولهم في مرحلة المراهقة والثانوية والجامعة. لا ينبغي للأم أن تشعر بانهيار مملكتها، لأن جميع أفراد العائلة لم يعودوا يجتمعون على طاولة الغداء كما كان الحال وهو صغار. سيتأخر ابنك في المحاضرة، وتأكل ابنتك مع صديقاتها.

وقد يكون شهر رمضان هو الشهر الوحيد في السنة الذي تجتمع فيه العائلة على المائدة مرتين في اليوم (طبعا لا يوجد ضمانات للاجتماع على السحور). وبالتالي فالوضع لا يلزم فقط تقبل الأمر وإنما أيضا تغيير “ستايلك” في الطبخ.

عدد ليس بقليل من الأمهات اللواتي أعرفهن وأعلم بمشاكلهن وعلاقتهن المضطربة مع أبنائهن اليافعين، سببها الأساسي تشبثهن بروتين الطفولة البريء. طبعا أنا لا أقول ألا يكون للعائلة قيمها وقوانينها الخاصة مثل “ممنوع التأخر عن البيت بعد الثامنة مساء”، أو أن “زيارة الجدة يوم في الأسبوع امر مفروغ منه”.

أنا لا أقول أن تكون العائلة دون طقوس خاصة التي تكسبها هويتها الفريدة. ولكن هذه القوانين والطقوس والروتين الخاص يجب أن يكون قابلا للتغير وأن تلائم حالات المد والجزر وتقلبات الرياح وتغير الفصول.


الأمومة الانتهازية التي تعرف مواعيد المد والجزر

 

ركوب الأمواج يعني أن تمتلكي طبيعة انتهازية. لست أعرف حقيقة لماذا ترتبط كلمة انتهازية بمعنى سلبي، الانتهازية بمعنى انتهاز الفرص وهي مهارة أساسية في ركوب الأمواج. في كل مرحلة عليك أن تنتهزي الفرصة المتوفرة فيها.  لأن الموجة التي تأتي لن تعود ثانية أبدا. أبناؤك مثلا في مرحلة الدراسة الابتدائية “يحبون” الجلوس معك والاستماع لقصص قبل النوم.

في تلك المرحلة يحب الصغار بناء قيم مثالية وتكوين قدوات، والاستماع لوعظ الكبار وقصصهم. لكن لا تتوقعي أن يستمر الحال حين دخول أولادك مرحلة البلوغ. حينها “يستمتع” الأبناء بالجدل والمخالفة والنقاش والمعارضة وتحدي قيمك ومفاهيمك وبناء قيمهم ومفاهيمهم الخاصة.

فكل كلمة ستقولينها سيردون عليها ويناقشوها. وسيكون من المضحك جدا أن تتخيلي جلسة وعظية كتلك التي كنت تقومين بها معهم وهم صغار. إن معظم القيم والرسائل التي يمكنك تقديمها لأبنائك لن تمرر بلغة الوعظ، وإنما بلغة الحوار والنقاش والأفكار. ومن الخطورة أن تظن الأم وقتئذ أن تربيتها “ضاعت هباء” والأولاد “لا يسمعون الكلام”.

الأمر ببساطة أن عليك أن تسعدي بتربيتك نالاجحة وأن أبنائك قادرون على بناء شخصيات مستقلة. قد يكون من المفيد لك تهيئة نفسك لتقبل هذا النوع من العلاقة الغنية بالجدل و”المناكفات”، والتدرب “بقدر استطاعتك” على تحويل هذا الجدال لمتعة فكرية ونقاش مثمر يساعدك أكثر على فهم دواخل أبنائك العميقة. قد يساعدك أن تتذكري كم أن أبنائك يشبهونك حين كنت في مثل عمرهم عندما كنت تعتقدين أن والديك “لا يعرفون شيئا”. وقد يكون مبعث الخوف والقلق الحقيقي هو أن يكون حوارك مع ابنك في التاسعة عشر مثل حوارك معه وهو في العاشرة أو السابعة!

ركوب الموج يعني أنك تراقبين جيدا مواعيد المد والجزر وارتفاع الموج.

علمتني الحياة أن من أخطر الأمور هو البدء قبل الأوان، وأكثرها إضاعة للوقت ومدعاة للندم البدء بعد فوات الأوان. حاولي أن تنتهزي طفولة صغارك ليناموا بجانبك وتستمعي بدفء أحضانهم الصغيرة، فهذه الأحضان لن تعود حين يكبرون ويصبحون أطول منك.

استغلي كونهم صغارا للقيام بكل المشاريع المجنونة، من تلوين وأعمال يدوية وطبخات (مهما كانت نتيجتها سيأكلونها بسرور) فأبناؤك حين يكبرون لن تجديهم إلا في غرفهم المغلقة، منشغلين بمشاريع التخرج وبرامج الكمبيوتر وأبحاث الجامعة والتعليق على الطعام.

ابدئي مبكرا بتعويدهم على الأعمال المنزلية لأنهم إن لم يعتادوا وهم صغار فستتحول حياتك إلى معادلة (واحد يخدم عشرة). لا تبدئي بتعليمهمن الإعراب قبل أن يتعلموا القراءة وتذوق اللغة، ولا تبدئي معهم بالسنن قبل الفروض.


في الختام

الأمومة مهمة سهلة جدا في الصور والكتب وبرامج التلفاز والدعايات وصفحات السوشال ميديا وحين الاستماع لقصص الآخرين. أما الأمومة الحقيقية التي تخوضينها أنت فلن تكون أبدا سهلة أو معبدة، إنها أمواج تتلاطم فيعا التغيرات والظنون، مليئة بمحاولات النجاة والتكيف والحفاظ على العائلة.

وتحتاج قبل كل شيء إلى تهيئة نفسية وتقبل لهذه المشاق وتقبل التغيير وعدم التشبث بموجة مصيرها الزوال، ودعوة صادقة وأمل بالله وعمل دؤوب. يساعدك كثيرا في هذه الرحلة زيادة معرفتك بأهم سمات المراحل العمرية المختلفة لأبنائك، والتغيرات المتوقعة لسلوكهم وقدراتهم، وسيساعدك التعلم من تجارب الآخرين وقراءة الكتب ومدونات الأمهات والتأمل في نفسك واستعادة ذكريات طفولتك.

والأهم أنك ستخوضين تجربة دون الخوف من الفشل أو الإغراق في جلد الذات؛ فمهما فعلنا لا بد أن نخطئ، وكل ما علينا فعله لحظتها انتظار الموجة القادمة لننتهزها، فأكثر ما يطمئن في هذا البحر أن أمواجه ستستمر بالقدوم والارتفاع مهما طال الجزر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق