حضور امرأة

بنت الشاطئ: كيف كسرت المرأة احتكار الرجل لعلوم القرآن؟

لم تعتد النساء المسلمات في العصر الحديث تصدّر المقامات الأولى في مجالات العلم والفكر والكتابة، ومنافسة الرّجال في مجال العلوم القرآنيّة، ولا غروَ أنّ من تفعل ذلك تتّصف بالتفرّد غير المسبوق، فكيف  تفعل ذلك امرأة تقطن الرّيف المصري؟

ولدت عائشة عبدالرحمن -بنت الشاطئ- في مدينة دمياط شمال الدّلتا لأبٍ متعلّم يعمل مدرّساً بالمعهد الدّيني بدمياط، ولجدٍّ أزهري. تلقّت تعليمها الأول في كتّاب القرية، حفظت من خلاله القرآن، وفي سن السّابعة أرادت دخول المدرسة لكن لم يُقبل طلبها بسبب خوف والدها عليها من حركة التّغريب التي جرت في مصر منتصف القرن الماضي وغزت النّظم التعليمية آنذاك.[1]

لكن بشغفها للعلمِ وسموّ طموحها لتحقيق الذّات وبإسناد والدتها استكملت تعليمها المدرسي في المنزل، ومع كل التحدّيات التي لحقت بقرار المنع من الالتحاق بالمدرسة والجامعة على حد سواء استطاعت التفوّق على زميلاتها وبدأت تظهر عليها علامات النّبوغ .

التحقت في مرحلة لاحقة بجامعة القاهرة وتخرجّت من كليّة الآداب قسم اللغة العربية عام 1939، واستطاعت تأليف كتاب بعنوان ” الرّيف المصري ” أثناء عامها الثّاني بالجامعة وهو العام نفسه الذي التقت فيه أستاذها وزوجها أمين الخولي .

استمرّت رحلتها التّعليمية؛ فنالت درجة الماجستير بمرتبة الشّرف عام 1941، ثمّ حصلت على درجة الدكتوراة عام1950، وقد ناقش رسالتها طه حسين عميد الأدب العربي. ثمّ تنقّلت بعد ذلك بين المناصب العلمية والجامعات وحظيت بالعديد من الجوائز على مستوى مصر والوطن العربي.

ومن أبرز ما وصلت إليه من المراكز  تولّيها وظيفة أستاذ التّفسير والدّراسات العليا بكلية الشّريعة بجامعة القروييّن في المغرب، إذ قلّما نافست النّساء الرّجال في هذا المجال على وجه التحديد. وتميّزت عن غيرها بجمعها النّادر بين الدّراسات العميقة لعلوم الإسلام وعلوم العربية واجتهدت في بحوث الأدب والتّفسير وألّفت العديد من الكتب من أبرزها : ” التفسير البياني للقرآن الكريم ”  و” القرآن والتّفسير العصري ” إلى جانب مجموعة من التّراجم والتّحقيقات في النّصوص والوثائق الأدبية والتّاريخية أهمها : نص رسالة الغفران للمعرّي.[2]


بنت الشّاطئ : الاشتباك الفكري مع دعاة التّقليد والحداثة

 

اتّخذّت  عائشة عبدالرحمن من  ” بنت الشّاطئ ” لقباً لها، وذلك نسبة إلى مكان ولادتها على شاطئ النّيل، ووسيلةً للنّشرِ في المجلّات والصّحف المحلّية كمجلة النّهضة النّسائية وجريدة الأهرامِ؛ حيث كانت ثاني امرأة تكتب بها بعد مي زيادة.

 اختارت هذا اللّقب المستعار توريةً عن أبيها ولتوثيق علاقتها بالقرّاء، ليصبح ” بنت الشّاطئ ” اللّقب الأبرز لها بعد ذلك وحتى هذا اليوم.

دافعت بنت الشاطئ عن العروبة والإسلام وخاضت بقوّة سجالات فكريّة ذوداً عن اللّغة العربية والبيان القرآني، ودعمت تعليم المرأة بعيداً عن شعارات النّسوية الغربية، كما وقفت بوجه ثنائيّة التّعليم والمناهج التغريبية واعتبرتها جرثومة تنخر في المجتمع العربي والمسلم، وانتقدت الأفكار ذات العلاقة بالصهيونية العالمية وتجلّى ذلك من موقفها الشّهير من البهائيّة.

تنتقد بنت الشّاطئ انشغال جمهور الأدباء بدراسة الشّعر والنّثر والمعلّقات عن علوم القرآن الكريم، كما تنتقد حصر مستوى التّفسير القرآني في نطاق مادّة التّفسير دون انتقاله إلى مجال الدّرس البياني. وتشير إلى قلّة اهتمام الّباحثين في موضوع الإعجاز البياني للقرآن الكريم، وإن وجدوا فهم ليسوا أهلاً له.[3]

تقول : ” سواء أكان على الدّارس أن يستخرج من القرآن أحكامه الفقهية أو يستبين موقفه من القضايا الاجتماعية أو اللّغوية أو البلاغية، أم كان يريد أن يفسّر آياته على النّحو المألوف في كتب التّفسير، فهو مطالب أولا لما يريد ويعد مقصده عدّته من : فهم مفردات القرآن وأساليبه فهماً يقوم على الدّرس المنهجي الاستقرائي ولمح أسراره في التّعبير “.[4]

تنتقد تأثّر التّأويل القرآني بالشّائبات المذهبية والطّائفية التي حالت دون تذوّق النّص القرآني لغةً وبياناً. وتحذّر من أثر الإسرائيلياّت التي حُشيت بها كتب التّفسير المختلفة وأثرها على الفكر والثّقافة الإسلامية.

كما تعترض على الكيفية التي تؤثر فيها أذواق المفسّرين وعقليّاتهم وبيئاتهم وأنماط شخصّياتهم على ما ينتجون من نصوص تفسيرية، ممّا أدّى إلى ظهور تفاسير توجّه النّص توجيهاً خاصاً متأثراً بالظّروف التّاريخية والاجتماعية والسّياسيّة الخاصة، ممّا قد يحرفه عن وجهته؛ ضلال التّعصّب أو خطأ المنهج أو قصور التّناول.[5]

وفي هذا تقول: ” التّفسير القرآني ظلّ من علوم العربية التي لم تنضج ولم تحترق ” وهذا الكلام باعتراف المفسّرين السّابقين أنفسهم على حدّ تعبيرها. ولّدت هذه الحقيقة المرّة في نفسها الدّافع الأكبر لاقتحام مجال التّفسير والاعتراض على ما وجدته بعيداً عن روح العربية ومجافياً نصاً وروحاً لبيان القرآن المحكم.[6]

توجّه نداءها للعاملين في مجال التّفسير القرآني بعدم انتهاج الطّريقة التّقليدية المعروفة بتفسير القرآن سورة سورة، لأنّ اللّفظ القرآني سواء كان حرفاً، كلمةً أو آية كاملة ليس إلا جزءاً يجب أن يؤخذ من السّياق العام للقرآن كلّه؛ فيتمّ تناول الموضوع الواحد فيه تناولاً منهجياً استقرائياً بحيث يجمع كل ما في القرآن منه ويهتدي بمألوف استعماله للألفاظ والأساليب بعد تحديد الدّلالة اللّغوية لكل ذلك.

ويتم هذا من خلال تقدير الدّارس لحرمة كلماته بأدق ما عرفت مناهج النّصوص من ضوابط، ويلتزم فيها بأقوال السّلف الصّالح، حتى تفهم قاعدة  ” القرآن يفسّر بعضه بعضاً ” التي قالها المفسّرون ولم يبلغوا منها مبلغاً، فيحرّروا المفهوم من الشّوائب، ويعتمدوا أسلوب التدبّر المرهف للّفظ الذي لا يقوم مقامه سواه ، والحرف الذي لا يؤدّي معناه حرف آخر.[7]


بنت الشاطئ: مدرسة أصولية في التفسير

 

قد يعتقد الباحث وجود تشابه كبير بين التّفسير ” العلمي” و ” العصري” إلاً أنّ الفرق بينهما واسع؛ فالعصري أقرب إلى الموضة ويتميّز بالخفّة والبهرجة والمعاني العابرة وغياب الدّقة والتّوثيق والرّصانة العلمية.

أمّا ” العلمي”: فهو مستند إلى  العلم  من حيث مطابقته للعلوم التجريبية. وعلى الرّغم من ارتباط مفهوم التّفسير العلمي للقرآن تاريخياً إلى أصول تعود للحضارة العبّاسية والتي ظهرت فيها العديد من العلوم التجريبية ومحاولة جمهور من علماء هذه الحقبة المواءمة بين ما جاء في القرآن وبين العلوم المختلفة  أمثال أبو حامد الغزالي ( 505 )، وأبو بكر ابن العربي (543 )، والفخر الرّازي ( 606 )، ومجموعة أخرى من علماء  التّفسير في القرن التّاسع عشر وإبّان الحملة الفرنسية على مصر ( 1801 ) التي أدخلت العلوم الحديثة إلى العالم العربي أمثال الاسكندراني( 1889)م، والأفغاني( 1897)م، والكواكبي( 1902)م، ومحمد عبده ( 1905 )م، والرّافعي (1937)، وطنطاوي جوهري ( 1940) وغيرهم.

إلاً أنّ بنت الشّاطئ انحازت إلى مجموعة العلماء ممّن اعترضوا على التّفسير العلمي أمثال الشّاطبي (790)ه، وزوجها الخولي ومحمد رشيد رضا وشلتوت والذّهبي الذين لم يجدوا من أثر السّلف الصالح و التّابعين ومن تلاهم ممّن تكلّم في هذا اللّون من التّفسير مع تشديدهم على التأدّب مع النّص القرآني وعدم الزّج به في نظريّات علميّة لم تتحقّق أو غير قطعيّة.[8]

هاجمت بنت الشّاطئ وبعنف كتاب ( القرآن .. محاولة لفهم عصري ) للدكتور مصطفى محمود، واعتبرته من فئة المفسّرين المحدثين غير المؤّهلين والفاقدين للأهلية والرّصانة والموضوعيةّ والدّقة والتخصّص.

وترى محاولة مصطفى محمود غير استقصائية ومبتورة عن السّياق الخاص للآية والعام للمصحف كلّه، على الرّغم من أنّه كان أقل الخائضين أخطاءً فضلاً عن كونه من أبدعهم تناولاً له.

فلقد أقرّ الدّكتور محمود بموقفه من الالتزام بحرفية العبارة ومدلول الكلمات الظّاهرة ودفاعه عن محاولته الانتقال إلى تأويل باطني بحيث لا يتعارض أو يتنافى مع المدلول الظّاهري للكلمات.[9] فمن جاءوا بعد د. مصطفى محمود أكثروا من البدع وكانوا أحق وأولى بالزّجر منه خصوصاً أولئكَ الذين مارسوا قطيعة جذريّة في مناهج التّأويل مع التّراث أمثال حسن حنفي ومحمد شحرور ونصر حامد أبو زيد.[10]

لا تنكر بنت الشّاطئ ضرورة أن يقوم كل مسلم بقراءة كتاب اللّه، وأن يحاول فهمه على اختلاف الأفهام، لأن العقول لا تتشابه بالمعرفة والقدرة، لكنّها تعترض على أن يقوم إنسان بنشر تفسير للقرآن هو أشبه ب ” الخواطر ” منها بالتّفسير الحقيقي .

إذ قد يؤدّي هذا المسلك بأن تصبح ” الخواطر ” فتوى فقهية للقرّاء غير مبنيّة على معرفة حقيقية متخصصة، وترى أن على المفسر المجتهد أن يكون ملماً باللغة إلماماً تامًاً، وعلى معرفة واسعة بالبلاغة والقواعد، ومتعمقاً بالأحداث التاريخية وسياق الآيات وأسباب نزولها حتى يستبين معاني كل آية بالتّحديد. وأن يجتهد بالاختصاص العلمي قدر الأمكان.[11]


على جسر الحياة والموت 

 

إنّ النّاظر في سيرة بنت الشّاطئ يجد نموذجاً نسائيا رائدا يحتذى ويفتخر به، لقد كانت صاحبة أثر وبصمة حريّ بنا عدم إغفالها عند الوقوف أمام مختلف السّير والتراجم النّسائية في القرن العشرين.

إذ اجتهدت وبموضوعيّة علميّة في مجال العلوم القرآنية كان لها باع في الأدبً؛ لقد ساهمت في أدب السيرة الذاتية، مبرزة أسرار وخفايا وتجارب إنسانية عميقة من خلال تتبعها حياتها التي رأت أهمية الالتزم بالمكاشفة والمصارحة أثناء تدوينها.

لقد قدّمت لنا أدباً رفيعا متحرراً من القيود الأجتماعية التقليدية والسياسية. كما صورت رحلتها العلمية والأدبية كما لو أنها قدراً رأته بعينيها، ناسبة فضل علمها لزوجها الذي أحبّته وتتلمذت على يديه وصبرت بعد موته 30 عاماً تنتظر  ساعة الرّحيل من أجل لقائه.

تقول : ” إلى أن يحين الأجل سيبقى محكوماً عليّ بهذه الورقة الحائرة على المعبر، ضائعة بين حياة وموت، أنتظر دوري في اجتياز الشوط الباقي، وأردد في أثر الراحل المقيم : عليك سلام الله ، إن تكن عبرت إلى الأخرى فنحن على الجسر “.[12]

توفت بنت الشاطئ في الأول من ديسمبر 1998 عن عمر يناهز 86 عاما نتيجة سكتة قلبية تاركتا وراءها تراثا قيما مكونا مما يقرب من 40 مؤلفا والعديد من الكتب الأخرى، تخرج من تحت يديها أجيال من العلماء والمفكرين من تسع دول عربية درست بها.


قائمة المصادر والمراجع

[1]أبو الفضل ثروت، محمود: على الجسر بين الحياة والموت. شبكة الألوكة. 2014

[2] المكتبة الشاملة

[3] نفس المصدر.

[4] بنت الشّاطئ، ” التفسير البياني للقرآن الكريم ” ط7 ، دار المعارف ، القاهرة.

[5] نفس المصدر، ص15

[6] نفس المصدر، ص16

[7] نفس المصدر، ص17

[8] نفس المصدر، ص18

[9] الذّهبي. محمد حسين : التّفسير والمفسّرون ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1982

[10] كزابر. عزّ الدّين ، الفصل أ8 . بنت الشّاطئ – كتاب براءة التّفسير والإعجاز العلمي في القرآن . 2013

[11] الحاج. عبد الرحمن . ظاهرة القراءة المعاصرة للقرآن وأيدولوجيا الحداثة . الحوار اليوم . 2011

[12]مصدر سابق .أبو الفضل ، 2014

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق