الرافعي وأمين: كيف افترقا واجتمعا حول المرأة؟

شكلت قضايا المرأة مبحثاً محورياً من مباحث الفكر العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر، إذ أدت صدمة الحداثة إلى لفت الأنظار إلى وضع المرأة المتردي في المجتمعات العربية[1]، ومن ثَمّ إلى إثارة التساؤلات حول الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع، ومدى ارتباطه بالإشكالية الرئيسة محط الاهتمام، والمتمثلة في الوقوف على دواعي تراجع العرب وتقدم الأمم الأخرى.

وفي هذا الصدد تباينت الرؤى حول أسباب الأزمة وطرق العلاج، وظهرت ثلاث اتجاهات فكرية تنظّر لقضايا المرأة، تختلف في مرجعياتها، وإن التقت في بعض الفروع والجزئيات.

عبّر الحداثيون العرب عن الاتجاه الفكري الأول، الذي كان يدعو إلى تحرير المرأة على النمط الحداثي الغربي، ضارباً بعرض الحائط كل الموروثات الشرقية والدينية. بينما عبّر الإصلاحيون الإسلاميون عن الاتجاه الفكري الثاني، ممن دعوا إلى إصلاح وضع المرأة بما يتناسب والتشريع الإسلامي وهم في هذا مدارس متكثرة، أما الاتجاه الثالث فهم ممن حاولوا المزج بين الاتجاهين الأول والثاني، ملبسين كثيراً من المفاهيم الغربية ثوباً إسلامياً.

يسلط هذا التقرير الضوء على اثنين من أبرز مفكري القرن العشرين، ويحاول الوقوف عند الكيفية التي التقيا واختلفا فيها حول المرأة. أولهما  قاسم أمين الذي اقترن اسمه بتحرير المرأة، وثانيهما معجزة القلم الأدبي مصطفى الرافعي.


في إنسانية المرأة وتركيبها الفطري

 

يلتقي قاسم أمين بالرفاعي في النظرة الإنسانوية للمرأة؛ أي بكونها لا تختلف عن الرجل في كل ما تقتضيه حقيقة الإنسان من حيث هو إنسان كما يقول أمين، في كتابه تحرير المرأة: “المرأة وما أدراك ما المرأة؛ إنسان مثل الرجل، لا تختلف عنه في الأعضاء والوظائف، ولا في الإحساس، ولا في الفكر، ولا في كل ما تقتضيه حقيقة الإنسان من حيث هو إنسان، اللهم إلاَّ بقدر ما يستدعيه اختلافهُما في الصنف” [2]

غير أن هذا الاختلاف في الصنف الذي لا يتعدى التركيب الجسدي والبيولوجي عند أمين، يأخذ أبعادا نفسية أكثر شمولية عند الرفاعي.وحول هذا يقول الرافعي في كتابه الإسلام انطلاق بلا جمود: ” لدى المرأة من الإمكانيات الطبيعية ما يندر توفره عند الرجل؛ فإذا اختص هو بخصلةِ العنف فقد اختصت هي بخصلةِ العطف، وإذا كان واجبه الكسب فَطبيعتها الإرضاع، وإذا اعتز وتباهى بأنه والد فإنها هي الوالدة، وإذا صعّر خده وشمخ بأنفه بأنه أب، فيكفيها فخرا أنها أم، وإذا امتاز بالقوة العضلية فقد امتازت بالقوة النفسية” [3]

يرجع قاسم أمين تفوق الرجل عن المرأة في القوة الفكرية والبدنية إلى الممارسة والتجربة، لا إلى الفوارق الفطرية والبيولوجية،  ” فلما كان الرجل قد اشتغل بالعمل والفكر أجيالًا طويلة؛ كانت المرأة فيها محرومة من استعمال القوتين”، ويضيف: ” أن المرأة لم تكن محرومةً فقط بل كانت مقهورة على لزوم حالة من الانحطاط ،تختلف في الشدة والضعف على حسب الأوقات والأماكن”. [4]

أما الرافعي فقد حرص على دفع الشبهات عن الإسلام باعتباره سبب لتدهور وضع المرأة، مسترشداً في ذلك بعهد الرسالة الأول، مبرهنا أنه ما قيّد المرأة يومًا، ولكن كان منقذا لها. فكتب  عن علاقة المرأة بالوحي والرسالة ” فإذا بمحمد بن عبد الله ترسله القدرة إلى هذا العالم المضطرب لِيَحُدَ من طغيانه و يخفف من غليانهِ وهيجانه، فقرر للمرأة على الفور كامل إنسانيتها وحريتها وسَاواها بالرجل في النفس والجاه والكرامة” [5]


بين تحرير المرأة وحريتها 

يختلف كل من قاسم أمين الداعي إلى تحرير المرأة عن الرافعي الذي نادى بحريتها أيضاً في المرجعية التي تؤسس للنموذج الإدراكي لكل منهما، والتي تنتمي إلى وجهتين تلتقيين أحياناً وتختلفين أحياناً أخرى.

فالأول العائد من فرنسا كان يحمل نموذجاً إدراكياً يمازج فيه بين القيم الإسلامية وقيم الحداثة الغربية، غير أن هذا التمازج لم يدم طويلا؛ فما لبث أن اصطدم ببعض القيم الإسلامية في تحيّز واضح لما تمليه القيّم الحداثية. أما الرافعي فقد كان يحمل رؤية إصلاحية إسلامية، مهّد من خلالها لنسوية إسلامية معتدلة تراعي الفطرة والواقع.

يظهر هذا الاختلاف جلياً في حديث كل منهما عن إشكاليات ذات صلة مباشرة بالمرأة كالاختلاط والحجاب، فيرى أمين أن الحجاب يفقد المرأة إنسانيتها ويحط من مكانتها إلى منزلة الرِق والعبيد؛ فيقول: ” أن المرأة التي تُلزَم بستر أطرافها والأعضاء الظاهرة من بدنها، بحيث لا تتمكن من المشي ولا الركوب، بل لا تتنفس ولا تنظر ولا تتكلم إلا بمشقة، تعد أَمَة؛ لأن تكليفها بالاندراج في قطعة من قماش إنما يقصد منه أن تمسخ هيئتها وتفقد الشكل الإنساني الطبيعي في نظر كل رجل ما عدا سيدها ومولاها” [6]

وفي مسألة تعدد الزوجات للزوج الواحد، فرأى أمين أنه من العادات القديمة المألوفة عند ظهور الإسلام يوم أن كانت المرأة والحيوان في مكانة متشابهة- على حد قوله- ويضيف: “بديهي أن في تعدد الزوجات احتقارا شديدا للمرأة؛ لأنك لا تجد امرأة ترضى أن تشاركها في زوجها امرأة أخرى، كما أنك لا تجد رجلاً يقبل أن يشاركه غيره في محبَّة امرأته، وهذا النوع من حب الاختصاص طبيعي للمرأة كما أنه طبيعي للرجل”. [8]

أما قضيتي الحجاب والاختلاط عند الرافعي، فقد تناولهما من رؤية إسلامية خالصة، مقارناً بين حال المرأة قبل الإسلام وبعده، معتبراً أن فيهما إكراماً للمرأة، وحداً لتقاليد جاهلية جعلت منها سلعة تباع وتشترى؛ فكان يتزوجها عدة رجال في آن واحد، بما كان يعرف بزواج “الرهط”،  أو زواج “الاستبضاع” وهو أن يدفع الرجل بزوجته إلى أميرٍ أو عظيمٍ لتلد له ولداً بصفات هذا الأمير، أو يستبدل الرجل حليلته بحليلة الآخر، فضلاً عن نكاح السفاح والزنا الذين حرمهما الإسلام .ليمنح المرأة حق الكرامة والاختيار  لشريك حياتها، فإن سعدت في حياتها أكملت زواجها وإلا طلبت طلاقها من الرجل وهذا حقها الذي كفله لها الإسلام بشكل نصي صريح. [9]

وفي تحيّز لإنسانية المرأة وسمو روحها، ومحاربة للنظرة الاستهلاكية المادية التي تُسلِع المرأة وتنظر إليها كجسد،  هجا الرافعي في كتابه ” سحاب أحمر” من سُمِيت بــ “الربيطة” وهي  فتاة الليل التي يعشقها الرجال ويشتروا حبها بأموالهم.

فحدثها وحدثته عن المادة والروح والحب:

فقالت له: فحدثني لما كان الحب إذا؟ وهل خلق إلا للاستمتاع به من حيث نتفق وعلى أحسن ما يتفق! فقال: إنما خُلق الحب قوة ليقيد بقيوده كسائر القوى الطبيعية، فأنت تصدعين عنه كل قيوده وتتخذيهِ تجارة في النفوس، فلا تردين يد لامس، ولا تمتنعين على دعوى فيها ثمنها، وبذلك تَجرين مجرى القوة المدمرة، ومن هنا كان لك في الاجتماع الإنساني شأن ليس كشأن إمرأة، بل كشأن المادة. [10]

اتفق مع الرافعي بعد عدة عقود الأستاذ والمفكر الراحل الناقد للحداثة “عبد الوهاب المسيري” عندما وصف تحول الإنسان إلى شيء أي بمفهومه كمصطلح ” التشيؤ” أي لا يتجاوز الإنسان السطح المادي وعالم الأشياء ووصف تحول الإنسان والفن والضمير والفكر إلى سلعة تنتزع الوجود والكينونة الإنسانية[11]


المرأة وتقدم الأمم 

 

وحول علاقة المرأة بتقدم الأمم، وهو السؤال الأهم الذي شغل الفكر العربي المعاصر، فقد رأى الأمين أن تقدم العرب مرهون بتحرير المرأة، واقتفائها لأثر المرأة الفرنسية والألمانية والهولندية،ويؤكد بأنّ أول خطوة في سبيل حرية المرأة ومن ثم تقدم الأمة هو تمزيق الحجاب ومحو آثاره، وأن الإبقاء عليه هو العائق أمام المرأة في سبيلهَا لِلرقي العقلي والأدبي فَبه يلزم أن تعيش جاهلة.[12]

أما الرافعي فرأى أن الحل للمشاكل المرأة، ولتأخر العرب والمسلمين هو في استرجاع الحضارة الإسلامية وليس محاكاة الحضارة الغربية كما يقول دارس الحقوقِ- قاسم أمين-.ويذهب إلى أنّ المكانة الاجتماعية والسياسية للمرأة في الإسلام مرموقة.

ويدلل على هذا بذكر نماذج فريدة لنساء برزن في الحضارة الإسلامية، منهن امرأة  بغداد “شغب” التي عرفت بأم المقتدر، والتي وصفها قائلا : “بإشارة من بنانها المخضب أو رنوة من طرفها الكحيل ينعزل وال من الولاة، وينصب قاض من القضاة ويقوم قائم بغداد ويقعد قاعدها إذا رغبت السيدة” [13]

ويذكر أن “شغب” كانت رئيسة محكمة بغداد وكانت أم المقتدر الخليفة الرضيع حينذاك التي وصلت الدولة في أشد حالات ضعفها في ملكه. ولكن أمه كانت امرأة قوية تقود وتحكم.


قائمة المصادر والمراجع 

[1] صدمة الحداثة: هو مصطلح يدرج استخدامه للتدليل على الصدمة التي أصابت العرب والمسلمين حين التقت الحداثة الغربية التي أنتجها عصر النهضة الأوروبي بالمجتمع العربي، والذي كانت بداياته مع الحملة الفرنسية على مصر 1798. 

[2]أمين، قاسم. المرأة الجديدة.نسخة إلكترونية.http://cutt.us/Vrj9d

[3]الرافعي، مصطفى صادق. الإسلام انطلاق لا جمود.القاهرة: مكتبة دار الحياة، 1966.

[4]مصدر سابق.

[5] مصدر سابق.

[6]مصدر سابق.

[7]مصدر سابق.

[8]مصدر سابق. 

[9]مصدر سابق.

[10] الرافعي، مصطفى صادق. السحاب الأحمر.القاهرة: دار الكتب العلمية،2002

[11] المسيري، عبدالوهاب. العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.

[12]أمين، قاسم.تحرير المرأة. نسخة إلكترونية http://cutt.us/2EwK2

[13] مصدر سابق.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق