المرأة في فكر مالك بن نبي: أصل المشكلة وتشخيص الواقع

شهد المفكر الجزائري مالك بن نبي التحولات العميقة سواء التي مرت بها الجزائر بعد الثورة والاستقلال، أو تلك التي عصفت بالأوضاع الإقليمية والدولية بعد الحربين العالميتين، وقد كان من نخبة من وعى (الظاهرة التاريخية) التي تدرس أحوال الأمم في حقبة زمنية محددة وتشتمل على كل ما يتصل بها من أبعاد حضارية شاملة.

استلهم بن نبي من تجربته الشخصية القاسية المتمثلة بحالة التهميش التي تعرض لها من قِبل أبناء بلده اليساريين والإسلامين على السواء[1]، فكانت سببا للتأمل في ما ورثه العالم العربي والإسلامي من انحطاط بسبب الاستعمار، واعتبر بدوره “أنّ حركات الإصلاح لم تلتفت إلى حل المشاكل التي مهدت للاستعمار وأسباب تغلغله فيه، ولم تفهم بالضّرورة العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها[2]، وبالتّالي قام بتشخيص هذا العجز على أنه “مشكلة حضارية”، كما اجتهد في بناء نظرية عبقرية تنظر إلى أزمة بناء الحضارة باعتبارها مشكلة فنية-تقنية- تستدعي الانتقال من الإطار النظري إلى العملي عبر الإصلاح الذي يشمل الإنسان بقطبيه(الرجل والمرأة)، التراب ويقصد به ثروات الأرض، والوقت وهو حركة التاريخ والفترة اللازمة للتحول نحو النهضة[3].

إنسان + وقت + تراب = نهضة 

تقوم نظرية بن نبي على توجيه الوعي الإصلاحي بضرورة التّركيز على الأهداف العملية لنهضة المجتمع بشكل بنيوي، وعدم الانحراف عنها بفعل تراكم التحديات خصوصا تلك التي رافقت دعوات بعض المصلحين عام 1936 إلى السير في قافلة السياسة، ونمو ظاهرة الأحزاب التي اعتبرها أول سبب لحدوث الانحراف، فالدولة بنظره ليست الوسيلة المناسبة للتغيير؛ لأنها نشأت في ظل  وسط اجتماعي وفكري قابل للاستعمار. ويرى بموجبه أن الحل العملي لسؤال النهضة يتوجب البدء الفوري بتربية الإنسان الأميّ بشقيه الرجل والمرأة، وإحياء الفكرة الإسلامية عن طريق الاستثمار في التعليم، ثم العناية بالتراب البائر عبر تنمية الموارد والاقتصاد وتطويع الكفاءات، إلى جانب عدم تضييع الوقت في انشغالات جانبية لا تخدم هدف النهضة، أو بالانحراف عن خطط البناء[4].


دور المرأة في صناعة النّهضة

ويؤكد في كتابه “شروط النهضة” أنّ الإنسانية لها قطبان رجل وامرأة، تماما كما تؤدي “إنما” نفس المراد في جملة الحديث النبوي الشريف “إنما النساء شقائق الرجال”[5]. وبذلك يقر أن مشكلة المرأة هي جزء من مشكلة المجتمع، وليست محصورة بجنسها.

مشكلة المرأة لا تبتعد كثيراً عن “مشكلات الحضارة” التي التفت إليها بن نبي، وهي ليست منفردة عن مشكلة الرجل خصوصا حين يربطهما بصفة “الإنسان” كعامل أساسي في تحقيق النهضة.

وحسب الوثائق التاريخية نجحت جهود الإصلاح إبان ثورة 1922 في رفع شأن المرأة الجزائرية باعتبارها شريك في النهضة. و”تشير سجلات المحاربين القدامى لما بعد الحرب أن عدد النساء المشاركات في حرب التحرير الجزائرية بلغ 11 ألف امرأة محاربة، شكل منهن النساء الريفيات 80%، بينما كانت نسبة نساء الحضر 20%، أوكلت إليهن أدوار غير قتالية، وأخرى قتالية خلال الحرب”[6].


المرأة وأزمة المفاهيم المستوردة

ينتقد بن نبي مفهوم “تحرير المرأة”[7] الذي دخل إلى قاموس المفاهيم المستوردة للوطن العربي في ستينيات القرن الماضي، باعتباره عاملا في إجهاض شروط النهضة، حيث يقوم المفهوم بحرف مسار الواجب الوطني والإنساني سواء للمرأة أو الرجل عن هدفه المرحلي، تحديدا حين  يقارن بينها وبين الرجل للخروج بتصورات تشير إلى قيمة المرأة في المجتمع على أساس أنها أكبر أو أصغر من قيمة الرجل أو مساواتها به، كما يطعن في نوايا أصحاب هذه النزعة لأن هذه المقارنة جاءت في ظل “الدورة التاريخية” التي لا مجال فيها للنظر في الحقوق الفردية على حساب المصلحة العامة للمجتمع[8].

♣التحرّر وعلاقته بالنّزعة الغرائزية

لا يريد بن نبي للمرأة المسلمة أن تكون بهذه الدرجة من البساطة، حين تلجأ إلى تقمص النسخة الغربية من المرأة المتحررة التي تستمدّ قناعاتها من ثقافة ذات سياق فكري مختلف عن ثقافتها، ويدعو إلى احترام الأنثى دون حصرها في “النزعة الغرائزية”[9]، سواء في تحريضها على السفور أو التكلف في ستر العورة.

كما يرى أن المجتمع حين يستورد السفور لن يحل مشكلتها، بل إنه ينقلها من حال إلى حال أكثر تعقيدا. وبالتالي لا يمكن عزل مشكلتها أو تصنيفها فرديا لأنها تسير منسجمة مع المشكلات الاجتماعية الأخرى. وهي ليست مشكلة زيّ فقط، رغم أهميته كهوية ذات وظيفة مجتمعية، وتتعداها أحيانا لتدخل في مفهوم الفاعلية الحضارية أو ركودها؛ فقد قرر أتاتورك تحطيم الفكر العثماني بالقبعة، لكنه كان انتقال منقوص ومبتور عن شروط النهضة الأخرى.

يبرز بن نبي مثالا يحتج به على أن المرأة الأوروبية في العقود التي سبقت التحول إلى النظام العالمي الجديد بمكوناته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كانت ترتدي زيا لطيفا تستر به أنوثتها وتتفاخر بحيائها وتعتبره هوية للرقي والأدب في المجتمع، وكان احتشامها يجعلها سيدة مبجلة محترمة كاملة الأنوثة. وعليه فإن الزيّ العاري لا يكشف عن معنى الأنوثة بل عن عورة الأنثى[10].

♣ المرأة: حضور بلا وجهة

كذلك لا يريد من المرأة أن توكل الرجل مهمة إيجاد الحلول، بل عليها المبادرة بوضع تصورها الخاص لطبيعة دورها الحضاري والاستعانة بفريق من علماء النفس والتربية والطب والاجتماع والشريعة، بحيث يخلصون جميعا إلى منهج حياتي إنساني. ثم إن عليها أن تجتهد في رفع مستوى وعيها بحقوقها وواجباتها الشرعية والعرفية والقانونية، حتى تفهم ما تريده فعلا إذا أرادت أن تكون عنصرا فاعلا في بناء النهضة.

يعتقد بن نبي أن التجرد من النزعة الغرائزية هو أول حلول إشكالية المرأة؛ سواء ممن يطالبها بإظهار عورتها، أومن يتعلل بالحفاظ على الأخلاق بالمطالبة بالتستر المتكلف أو حبسها في بيتها، ثم النظر فيما يمكنها فعله منسجما مع مصلحة المجتمع والأسرة.

وفي الختام يرى بن نبي أن دراسة الجانب الاجتماعي لمشكلة ما يوجب دراسة ما ستؤول إليه على المستوى البعيد[11]. ويعتقد أن وجهة المرأة المسلمة اليوم، وهذا – رأيه الذي سجله قبيل عدة عقود – لم تتحدد، وتسير وفق نهج عشوائي، فيه من التطور الجزئي غير المدروس، وغير المستدام، وهو واقع لا يبتعد بوصفه عن حال المرأة المسلمة اليوم حيث تتواجد في كل مكان، ربما يشير هذا إلى نمو، لكنه بلا تخطيط، أو بمعنى آخر”إنه حضور لكنه بلا وجهة”.


قائمة المصادر والمراجع

1]  أحمد،أميمة ” ندوة حول مالك بن نبي في المكتبة الوطنية بالجزائر: بن نبي ضحيّة الأيديولوجيا”.

[2] بن نبي، مالك، شروط النهضة، دار الفكر: دمشق، 1994

[3] المصدر السابق

[4] الهوّاري، إبراهيم “لماذا همّش فكر مالك بن نبي في الجزائر”

[5] حديث نبوي شريف ، رواه أحمد وأبو داود

[6] بن الشّريف، خالد، “أشياء لا تعرفها عن الثّورة الجزائرية”

[7] انتشر المفهوم في الوطن العربي، بعد قيام نشاطات هيئة الأمم المتّحدة ومؤتمراتها ومواثيقها الخّاصة بالمرأة وصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية “سيداو” المتعلقّة بإلغاء جميع أشكال التّميز ضد المرأة، بحيث أصبحت ملزمة للعمل بها من قبل  الدول الأعضاء دون مراعاة خصوصية ثقافتها أو ديانتها، وهذا شكل أزمة في المفاهيم الخاصة بالمرأة العربية والمسلمة بعد “الاستقلال”، بعد النّصف الأول من القرن الماضي. (عبد الكريم، فؤاد، العدوان على المرأة في المؤتمرات الدّولية)

[8]  الهواري، إبراهيم، مصدر سابق.

[9] “النّزعة الغرائزية” يقصد بها الدّافع الجنسي المتستر خلف نداء التحرر والسفور المتعلق بالمرأة ، ونداء التستر والتهميش المتخفي تحت عباءة الأخلاق

[10]   الهواري، إبراهيم، مصدر سابق.

[11]  المصدر السابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق