جمان النتشه: حضور فلسطيني في علوم الدماغ والأعصاب

جمان يوسف النتشة، فلسطينية الأصل والمنشأ. طبيبة؛ تخرجت من كلية الطب البشري في جامعة القدس. وباحثة؛ حصلت على درجة الدكتوراه في علوم الدماغ والأعصاب من جامعة رتجرز في الولايات المتحدة الأمريكية. وتعمل حالياً كزميل باحث في الأمراض النفسية والعصبية عند الأطفال في أمريكا، وكعضو هيئة بحثية في المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب.

كانت جمان من المساهمين الأساسيين في إنشاء المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب عام ٢٠٠٩ في جامعة القدس – أبو ديس بهدف بناء نواة بحثية لعلوم الأعصاب في فلسطين. حيث تسعى المبادرة إلى تدريب نخبة من الشباب الفلسطينيّ لريادة جيل جديد من أطباء الأعصاب، والأطباء النفسيين، والباحثين في المجالين العصبي والنفسي على مستوى منافس عالمياً.

إذ درّبت المبادرة حتى الآن أكثر من مائة باحثٍ وباحثة، ونشرت اثني عشر بحثاً علمياً في مجلات عالمية، وبنت تعاونات بحثية مع جامعات عريقة في أمريكا وأوروبا كجامعة هارفارد، وتي يو برلين في ألمانيا، وسيسا في إيطاليا، وغيرها.

تشير جمان إلى أنّ: “رسالة المبادرة لا تنحصر بالارتقاء بالمستوى البحثي في فلسطين، بل تمتدّ كذلك إلى رسالة مجتمعية تسعى إلى رفع مستوى الثقافة المجتمعية بالأمراض النفسية والعصبية وإلى إثراء المحتوى العلمي باللغة العربية الذي نفتقر إليه.”

تتوزع المبادرة في ست وحدات تدرس الأمراض العصبية والنفسية كما يلي: وحدة دراسة الوظائف الإدراكية، وحدة الدراسات الوراثية والجينات، وحدة دراسات جهاز المناعة والدم، وحدة دراسة تطور الدماغ والسلوك عند الأطفال، وحدة دراسات الصحة النفسية للمرأة، وحدة دراسات النماذج الدماغية المحوسبة.


حضور فلسطيني في علوم الدماع والأعصاب

 

صورة تظهر فيها النتشه وهي تشرح جزء من أبحاثها حول مرض زيادة الحركة ونقص التركيز للعالم إفارد موزر الحاصل على جائزة نوبل عام 2014. الصورة من المؤتمر الفلسطيني الأول في علوم الأعصاب 2017.

كانت بداية أبحاث جمان متركزة على موضوع الاكتئاب السريريّ، ثم انتقلت إلى دراسة أمراض تطور الدماغ والسلوك عند الأطفال وكذلك الأمراض النفسية لدى النساء. وتشير جمان إلى أن نتائج أبحاث المبادرة الخاصة بالاكتئاب تشير إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الأشخاص المصابين بالاكتئاب السريري -وليس العرضي- في الضفة الغربية، مما يتوافق بشكل واضح مع معدلات انتشار الاكتئاب المسجلة في الوطن العربي عامة.

أما بالنسبة للمرض ذاته، فتركز في أبحاثها على دراسة الوظائف الإدراكية لدى مرضى الاكتئاب وعلى التأثير السلبي لأدوية مضادات الاكتئاب على هذه الوظائف. حالياً تتركز أبحاثها في المبادرة وفي عملها في أمريكا على دراسة مشكلة زيادة الحركة ونقص التركيز عن الأطفال، وعلى كيفية اختيارهم لسلوك معين بناءً على تجارب سابقة تعرضوا لها. وبالطبع فإن جمان تحاول من خلال هذه الدراسات فهم آلية حدوث المرض وتطوير وسائل دوائية وسلوكية لعلاجه.


خلق جيل من الطبيبات الباحثات

 

صورة تجمع عدداً من الفتيات الأعضاء في المبادرة الفلسطينية لطب الأعصاب.

تعيش جمان في الولايات المتحدة الأمريكية وتدرس في جامعاتها، وهي بذلك تختبر تجربة مختلفة لمرأة فلسطينية مسلمة ومحجبة في الغربة، فكان لها أن تُكسب الأخريات وعيا بذاتها ولمن حولها، وعليها أن تكون حاضرة كذلك في كل مناحي الحياة التي تعيش فيها.

ترى جمان أنّ “مشكلة وعي المرأة بحقوقها وإدراك المجتمع لدورها مشكلة متأصلة ولها جذور على أصعدة مختلفة. صورة المرأة المسلمة والمرأة العربية لدى الناس في الغرب هي صورة -في أغلب الأحيان- لامرأة مقهورة، ضعيفة، مهزومة؛ لا صوت لها، ولا حق لها”.

وتقول: “أجتهد في عرض صورة مغايرة للمرأة العربية المسلمة في الوسط العلمي وعلى منصات ثقافية في أمريكا وأوروبا. لكنها تبقى محاولات بسيطة؛ إذ إنّ التغيير برأيي يبدأ من المرأة أولاً ومن احتضان مجتمعها لها ثانياً. لذلك، قمنا في المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب بإنشاء وحدة للمرأة؛ محورها الأول يهدف لتوفير فرص خاصة بشابات المبادرة تتناسب مع ظروف كل منهنّ.

تسعى هذه الوحدة لدعم جيل جديد من الباحثات والطبيبات للمضي قدماً في أحلامهنّ دون الحاجة للتضحية من أجل الوصول إلى القمة مهنياً أو أسرياً. أما المحور الثاني؛ فنسعى من خلاله إلى خلق وعي جديد بالأمراض النفسية والذهنية التي تصيب النساء والفتيات، وإلى تخفيف الهالة السلبية التي تحيط بالمرضى كأنها وصمة عارٍ على جبينهم. نحاول أن نعرف المرأة بأعراض الأمراض النفسية التي قد تصيبها كالقلق والاضطراب واكتئاب ما بعد الولادة، وتشجيعها لاستشارة طبيب أو اختصاصي نفسيّ للعلاج، تماماً كما تتعامل مع أي مرض آخر”.

  وتضيف جمان: “المرأة في العالم بأسره تتعرض لضغوطات شديدة، وتحاول جاهدة الموازنة بين أسرتها ومهنتها، وكثيراً ما تفتقد الدعم فتفشل. في فلسطين تحديداً، تزداد الصعوبات والتحديات أمام المرأة؛ فالثقافة المجتمعية ترسم للحياة -عادة- طريقاً زمنيا يجب اتباعه، هذا الطريق يبدأ بالتخرج من الثانوية أو الجامعة، ثم إيجاد الزوج، وإنجاب الأطفال والقيام على رعاية الأسرة، وليس في هذا شيء، لكن المصيبة أن المرأة -غالباً- يجب أن تلعب دور الزوجة والأم والمربية جميعاً وحدها، ويجب أن تلعب الأدوار نفسها سواء كانت ربة بيت أو كان لها عمل تستيقظ إليه كل صباح وتنشغل به ساعات النهار وتعود متعبة منه، وبانتظارها الوظيفة الأخرى، الفرق فقط أنّها في هذه الحالة يجب أن تنجز ما عليها في وقت قياسي.”

“أما تحديداً في مجال العلم، ففرص الأبحاث العلمية والوظائف الطبية في مجتمعنا شحيحة جداً، ولتأمين فرصة جيدة تحتاج المرأة غالبا أن تسافر إلى الخارج أو أن تتنقل بين المدن داخل البلاد، وعلى جميع الأحوال التنقل صعب جداً على المرأة، فهو إما مذموم أن تتنقل وحدها، أو غير آمن؛ تترصدها فيه حواجز لا حصر لها”.


الغربة: النظر بعين الإنسانية

 

الحديث عن الغربة حديث له شجون -كما وصفته طبيبتنا-؛ خوف وشوق وتأهب! لكنها تجربة أتخذت منها جمان مدرسة تختبر فيها الصبر والتعلم أينما حلّت وارتحلت.

 “أعتقد أنّ الغربة تعلّم الإنسان النظر بعين الإنسانية، والإدراك برؤية متسعة، والإيمان المتجرد. في الغربة تحاول أولاً أن تتشبث بكلّ شيء، بكل ذكرى، وكلّ لحظة جميلة، وكل فكرة مغروسة في الصميم. ثم مع الاعتياد على الحياة الجديدة تبدأ بالغربلة”.

وأظنّ أنّ أنجح تجارب الغربة تلك التي يتجرد فيها الإنسان أمام نفسه، فيرى أفكاره بعيداً عن الذي يألفْ، ويغربل مبادئه بمعزل عن بعض المسميات والثقافات المجتمعية التي التصقت به وربما لم يفكر فيها يوماً، ويفهم بعمق هويته التي لا تتغيّر في أيّ بلاد الله كان”.

تعرضت جمان في الغربة لعدد لا بأس به من المواقف الظالمة لأنها امرأة محجبة، بالطبع هي ليست تجربة وردية بالنسبة لها: “صرخ في وجهي رجل يلعنني فقط لأني أقود سيارتي في الشارع، وأعرضت امرأة بوجهها عني مرّة لما سألتها عن اتجاه الطريق الصحيح، وتلقيت كثيراً من نظراتِ اشمئزاز وتعجّب من قطعة القماش التي ألف بها رأسي.

وفوق هذا، يتم إفرادي بتفتيش خاص في كل رحلة تقريباً أسافر بها في الطائرة. لكنّ المواقف هذه كلها عابرة؛ ولا تحدد الحياة اليومية لي أو للمحجبات غيري في أمريكا. والأهم أني لا أواجهها في بيئة عملي، على العكس تماماً، مرتادو المؤسسات الأكاديمية والطبية أشخاص -في الغالب- منصفون، وتعامُلهم مبنيّ في معظم الأحيان على الاحترام الشديد بين الزملاء، وتقدير الآخر وتقبّله”.

تقول جمان “لي الكثير من الأصدقاء في عملي؛ من روسيا، وهنجاريا، وإيطاليا ولبنان وتركيا وكوريا وإيران وباكستان والهند وغيرها. هذا التنوع يخلق بيئة من الاختلاف المتجانس الذي يجعل الاندماج في بيئة العمل أكثر سهولة وسلاسة”.


أقرب أصدقائي: محمد

 

صورة تجمع النتشه مع زوجها الدكتور محمد في يوم تخرجها بدرجة الدكتوراه في علوم الدماغ والأعصاب.

تتشارك جمان وزوجها في مجال أبحاث علوم الأعصاب، وحياتهما الاجتماعية محددة نوعاً ما بطبيعة عملهما بالرغم أن جمان شخص يحب رفقة الأصدقاء ومجابلة الأصحاب، لكنها كذلك تحب العزلة، ويومها يتخلل ساعات تقضيها مع كتبها وأوراقها.

التقت جمان بزوجها، محمد، خلال دراستهما في كلية الطب؛ جمعهما المجال الطبي، والتطلع للبحث العلمي، والنشاطات الطلابية في أروقة الكلية. محمد هو مؤسس المعهد الفلسطيني لعلوم الأعصاب، والتي كانت جمان من أوائل الملتحقين بها. اجتمعا معاً وبدأت مسيرتهما لبناء حياة واحدة مشتركة.

 “هو أقرب أصدقائي وأكثر الناس دعماً لي. ترتكز حياتنا على التشارك والتكامل، مع محاولة توفير مساحة خاصة لكلّ منا. حياة البيت بالنسبة لنا ليست من المهام؛ بل هي مساحة نكمل فيها عملنا، ونسترجع أنفسنا التي كثيراً ما تضيع في زحام الحياة”.

لم يكن لجمان حضوراً على مستوى الطبيبة والباحثة وحسب، وإنما استنهضت وعي المرأة الفلسطينية بذاتها، ودعتها لمواجهة كل التحديات والصعاب. كما اتخذت جمان دوراً قياديا وطليعياً، فأمسكت زمام المبادرة ودعت النساء لتحقيق طموحهن كعاملات في المجال البحثي والعلمي والمجتمعي بشكل عام، وهي مستمرة بهذا الدور حتى الآن، وسيكون لبنفسج وقفات أخرى مع جمان إن شاء الله.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق