تاريخ و أدبعام

أوغل خاتون: امتداد العراقة المملوكية في أزقة القدس

تعتبر المدرسة الخاتونية في القدس الشريف، من المعالم الرئيسة الشاهدة على عبق التاريخ المملوكي حين امتزج بعِتق المدينة المقدسة، إذ تميزت الفترة المملوكية بالتوسع الحضاري والرواج الفكري والثقافي، واعتبرت المرأة في هذا العصر أحد أعمدة الحركة العلمية والعمرانية في الدولة، وكان لبعضهن نفوذ ومكانة في العالم الإسلامي، كما وحرصن على في ترك بصمات عمرانية تحمل أسمائهن في مدينة القدس خاصة لأهميتها الدينية والمكانية عند المسلمين. 

تنتسب المدرسة إلى السيدة أوغل خاتون التي أمرت ببنائها ووقفها لتكون منارة للعلم والفقه، وتقع المدرسة في موقع حساس، فهي ملاصقة للجدار الغربي للمسجد الاقصى المبارك، حيث تشكل جزء من الرواق القائم بين باب سوق القطانين وباب الحديد.


 أوغل خاتون: البغدادية التي سكنت القدس

 

أوغل خاتون ابنة شمس الدين محمد بن سيف الدين. و” خاتون”  كلمة تركية تعني السيدة، ترجع أصولها إلى مدينة بغداد، كانت عائلتها ذات مكانة مرموقة ونسب عال، كما ولقبت “بالقازانية” ويقال أن هذا القب أُخذ لها من زوجها قازان شاه.

شابهت أصفهان شاه ابنة خاتون أمها باهتمامها في العمارة الإسلامية، فعدلت وأضافت على المدرسة  الخاتونية التي أمرت أمها ببنائها ووقفها في مدينة القدس. 

يحوي المتحف الإسلامي بالقدس ربعاً من القرآن الكريم أهدته السيدة البغدادية في عام 760 هجري لاستعماله في الزاوية الخاتونية التي بنتها في القدس، وتشير مذكرة الوقف إلى أنّ التي أهدت الربع قد بنت أيضاً مؤسسات خيرية ودينية ومربية للأمراء والسلاطين وحاجة وابنة الأمير محمد، وهذا يدلّ على أنّ أوغل خاتون عاشت في القدس لعدة سنوات.


 المدرسة الخاتونية: عبق مملوكي في أزقة القدس

 

خارطة جوية تبين مكان المدرسة الخاتونية في مدينة القدس الشريف.

تقع المدرسة الخاتونية عند باب الحديد غربي الحرم الشريف، إلى الشمال من باب القطانين وجنوبي المدرسة الأرغونية، تنسب إلى واقفتها (755هـ/ 1354م) أغل خاتون القازانية البغدادية، وجددت (782هـ/ 1380م) من قبل أصفهان بنت الأمير قزان شاه، في العصر المملوكي، وقد قامت المدرسة بدورها الفكري لقرون عدة.

تعتبر المدارس في القدس إحدى المعالم الدينية والحضارية المهمة؛ فكانت قبلة للعلم والمتعلمين من جميع أنحاء البلاد الإسلامية، كما وساهمت في رقي الحضارة وتطورها. عاشت هذه المدارس ما مر على المدينة من ويلات وحروب وفتوحات، لتبقى اليوم وقفاً شاهداً على تواتر الحضارات، ولتأكيد على مكانة مدينة القدس الدينية والعلمية على مر الزمان.

يدخل للمدرسة عبر زقاق من طريق باب الحديد  يقع  في الجهة الجنوبية من الطريق بين المدرسة المزهرية والمدرسة الأرغونية ومقابل الخانقاة الجوهرية.

 يتكون المبنى من طابقين: المدخل الذي بُنِي أساساً كجزءٍ من الأرغونية يؤدّي إلى غرفة معقودة ثم إلى ساحة سماوية تحيطها غرف في النواحي الجنوبية والغربية والشمالية، وهناك إيوانان يواجهان بعضهما بعضاً في الطرف الشرقي للساحة، وفي هذه البقعة قاعة مع محراب وغرفة قبر مع غرفة أمامية ملاصقة، وفيها صحن مكشوف، وفي الصحن إيوان شمالي، وإيوان جنوبي، ومجموعة من الخلاوي في جهتيه الشرقية والغربية.

وتضم الخلوة الشرقية منهما، وهي المطلة على المسجد الأقصى المبارك، ستة قبور لشخصيات مقدسية مشهورة هي: موسى كاظم الحسيني وابنه عبد القادر القائد الشهيد في معركة القسطل 1948، وابن  الأخير فيصل، عبد القاهر الحسيني، أحمد حلمي عبد الباقي رئيس حكومة عموم فلسطين، عبد الحميد شومان المصرفي المقدسي المعروف.

يتكون الطابق الثاني من عدد من الغرف، ويبدو أنها أضيفت في مرحلة لاحقة من بناء المدرسة، ومن قاعة كبيرة تطل على الرواق الغربي للمسجد الاقصى، وكانت تستخدم للتدريس والسكن.


المدرسة الخاتونية في سجلات المحكمة الشرعية في القدس

 

 

يحدّد نصّ مجير الدين بأنّ الوقفية الأصلية لأوغل خاتون كانت تتألف من مزرعة معروفة بظهر الجمل (باطن الجمل هي مزرعة قرب قرية دير جرير قضاء رام الله)، ولا يذكر مجير الدين إضافات أصفهان شاه ولكن دفتر الطابو 2، 6 في السجلات المحكمة الشرعية في القدس يذكرها، وهذه الإضافات كالتالي:

1) 5 قطع أراضي في قصر البكجوري في الشام معروفة بالمرعي وكانت تدرّ دخلاً قيمته 160 قطعة نقدية.

2) بيت في حي صهيون يدرّ 80 قطعة نقدية سنوياً.

3) بيت إلى يمين باب الحديد قرب رباط السلطان.

4) دكان قرب الطاحون يدرّ 10 قطع نقدية.

5) طبقة معروفة بحوض الفتوح.

6) دكان في سوق القطانين.


آل الخطيب: الرابط المقدسي في المدرسة الخاتونية

 

وكان جزء من الخاتونية يُستَعمل كسكنٍ للأمراء البارزين المرسلين إلى القدس، فعلى سبيل المثال الأمير جاني بيك الذي اعتُقِل في العقبة أرسل إلى القدس حيث توفّي في الخاتونية، وهناك حاكم دمشق قنسوة اليحيوي الذي هُزِم على يد كراكو يونلو أُرسِل إلى القدس وسكن في الخاتونية، وهناك الأمير يزبك الجمالي الذي توفّي فيها.

وفي الفترة العثمانية كانت إدارة الخاتونية وأوقافها في أيدي عائلة ابن جماعة، في عام(964هـ) فقد أصبح حافظ الدين بن عبد النبي بن جماعة –مفتي القدس– شيخاً للخاتونية براتبٍ يومي قدره قطعتان من العملة السائدة.

خُصصت المدرسة لقراءة القرآن الكريم وتعليمه، كما دُرس فيها الفقه وعلومه، وقد استمرت في أداء رسالتها التعليمية حتى القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي.

ذكرت سجلات محكمة القدس الشرعية في كثير من الإشارات إلى من تولى مشيختها والتدريس وغير ذلك من الوظائف ، حيث كان أكثرهم من عائلة العفيفي قبل أن يتنازلوا عن مشيختها إلى آل الفتياني الذين تنازلوا بدورهم إلى آل الخطيب في سنة (1159هـ/1746م)، كما عمل بها شيوخ من عائلتي الديري والعسيلي، وحولت المدرسة اليوم إلى دار للسكن، ويرابط فيها عائلة من آل الخطيب.


 

قائمة المصادر والمراجع

مجير الدين الحنبلي: الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، عمان 1973.

عارف العارف: المفصل في تاريخ القدس، القدس 1961.

مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، بيروت 1965-1974.

رائف يوسف نجم وآخرون، كنوز القدس، عمان، مؤسسة آل البيت، 1983.

سجلات المحكمة الشرعية دفتر الطابو 2و6.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق