في عصر الحداثة: ثمن التقدم من يدفعه؟

من منا لا يعجبه التطور الحاصل ومن منا يتصور حياتنا بدونه؟ من السيارات إلى الطائرات إلى الهواتف الذكية، والآتي أكثر إبهاراً؛ فلربما منازل ذكية ومدن ذكية وربما كون ذكي!

هذا التطور الرهيب والسريع كما لم يكن في أي حقبة بشرية سابقة، تطور لا يعطيك فرصة لتتوقف قليلاً وترى خلفك ما تركت أو ما وقع منك حتى لو كان المفقود “إنسانيتك”. ففي الحداثة التي نعيشها هناك آلاف العمال الأفريقيين الذين طحنتهم وتطحنهم الرأسمالية المتوحشة كل يوم، هل يستوون مع أناس يستمتعون بالآلات التي سهّلت العالم؟

هناك من يعجبه أن يري الناس كل تحركاته وأن يكون في يديه جهاز يستطيع أن يخزّن فيه كل ما يريد، لكن ماذا عن استباحة هذه المعلومات لجهات لا تعمل لصالحه؟ “جوجل وفيسبوك نموذجا”.

ما رأيك بزراعة قطعة صغيرة للغاية في جسدك وإعطائك رقم لتسجيل حالتك المزاجية وتغيرات جسدك لمساعدتك على اختيار الطعام المناسب والموسيقى والأصدقاء المجاورون لك؟ هل ترى في هذا إهانة لك قليلاً بأن تصبح مثل السجناء “رقم”؟

أم تجده استباحة لجسدك الخاص؟ أم هو شيء عادي؟ في العالم الحالي يتم تطوير هذه القطعة الصغيرة وتجربتها على الإنسان لتكون سجلاً كاملاً من الميلاد إلى الوفاة تحتوي على كل تفاصيل حياته، يبدو هذا مرعباً قليلا؟ الأكثر رعبا لم يأتِ بعد.

ما المشكلة في هذا التقدم؟ ألا يسهل حياتنا ويمنحنا خيارات أفضل في كثير من الأحيان؟ في الحقيقة نعم ولا؛ صحيح أنه يمنحنا خيارات متعددة أحياناً لكنّه يقتل الإنسان داخلنا أحيانا أخرى. المشكلة في أن هذا التقدم له ثمن باهظ للغاية وهذا الثمن يجب أن يُدفع لكن الذي يدفعه ليس هو الذي يستمتع به!

الثمن الغالي الذي كان أرواح ملايين الناس لتجربة قنبلة نووية لفرض السيطرة، ليسوا هم الذين تمتعوا بالأمن بعد فرض السيطرة، ومئات البشر الذين استُخدموا لإجراء تجارب طبية بالإجبار لم يكونوا هم الذين استفادوا من الأدوية، والعمال الإفريقيين والصينيين الحاضرين دوماً كثمن رخيص مقابل تقدم أوروبا، والتجارب الجارية الآن خصوصاً مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي سيكون لها ثمن لا إنساني كبير ومن يدفعه غالبا لا يرون كم هو جميل هذا التطور!

إن الحداثة التي صنعتها أوروبا أفقدت الإنسان إنسانيته في كثير من الأحيان بالإضافة إلى أنها أثّرت على المجتمعات النامية، فبعضها لم يتطور ولكن أصابته سيئات الحداثة من تفكك المجتمع وربما انحلاله؛ حتى أصبح المفكرون يتحدثون عن محاولة “أنسنة الإنسان” بعد كل هذا الجنوح والتوحش المادي.

حين تصبح أنت رقماً لا أكثر، وحين تصبح شيئاً في عالم الأشياء، فتتمركز حول ذاتك واحتياجاتك فقط متناسياً من حولك بكثير من الأنانية ودون أن تفكر بأي أمر سوى من وجهة نظرك الشخصية “مصلحتك فقط”، لن تتنازل عن أهوائك وشهواتك أبداً؛ إذن كيف يكون شكل العالم حين يمتلأ بأشخاص أنانيين جداً؟

في الرواية الشهيرة “الساعة الخامسة والعشرون” يتحدث المؤلف عن سيطرة الآلة على الإنسان بشكل فج حتى ينسى الإنسان نفسه، وبين أول الرواية وآخرها تحولات الأشخاص من بشر بأحلام بسيطة عادية إلى أشخاص مثقلين بكثير من الآلام والمآسي بسبب ما مروا به.

تحدثت الرواية عن اليهود وما عانوه من هتلر، في آخر الرواية وبعد الحرب العالمية الثانية كان هناك مشهد تجلى فيه أحد أهم الفروق بين ضحايا التقدم وبين المستفيد من التقدم، المشهد بين فتاة يهودية ما زالت في العشرينات أو الثلاثينيات من عمرها ولكنها رأت آلام جعلت عمرها ألف عام أو يزيد، وشاب وسيم يعيش حالة ما بعد الحرب وما بعد القضاء على هتلر فيبدو أنيقا في مكتب مرفه يلبس بدلة ماركة ويعرض عليها الزواج ويقول لها لماذا لا تتزوجين؟ مستغربا!

أخبرته أنه لا يناسبها ولا تناسبه؛ أخبرته أنها عاشت ألف عام من العذاب والحرمان واليأس وهو رجل أناني لا يعرف الحب العاطفي الحقيقي فما حبه إلا مجرد شهوة! وأخبرتهُ أن التجارب التي عاشتها جعلتها كبيرة في العمر لا تتناسب مع شخص غضّ مرفّه مثله! وهو أعرب عن أسفه لعدم قبولها الزواج، فقط هكذا يبدو الأمر له سطحي وآني.

إن الحداثة التي نعيشها الآن كانت قد وعدت بالأمن والسلام، احترام الإنسان والدفاع عن حقوقه ورغم ذلك؛ هذه الحداثة نفسها هي التي نتج عنها حربين عالميتين مات فيها ملايين الناس ودول بأكملها تم تدميرها والقضاء على كل البنى التحتية فيها.

وهذه الحداثة هي التي أفرزت النازي هتلر رغم إنكارهم له؛ لكنّه في الحقيقة تجلّي للمادية التي اجتاحت الغرب، فأصبح كل ما لا نفع له لا قيمة له وإن كان الإنسان، في الحقيقة هناك الكثير من المفكرين يصرخون بضرورة نجدة العالم قبل أن يتآكل أكثر فأكثر اجتماعياً وإنسانياً.

وفي قول للدكتور عبد الوهاب المسيري: “إن المطلوب هو حداثة جديدة تتبنى العلم والتقنية ولا تضرب بالقيم أو بالغائية الإنسانية عرض الحائط.. حداثة تحيي العقل ولا تميت القلب، تنمي وجودنا المادي ولا تنكر الأبعاد الروحية لهذا الوجود، تعيش الحاضر دون أن تنكر التراث.. حداثة تحترم التعاقد ولا تنسى التراحم”.

تعليق واحد

  1. مقال رائع وجميل وامضي للأمام قدوما فالحداثة والتكنولوجيا الحديثة اصبحت معول هدم للأجيال الصاعدة وبخاصة فئة الأطفال حيث اننا بمجتمع اصبح تطوره سريعا واصبحت الام العاملة لا تجد وقتاً لاطفالها فتتركهم للأجهزة المحمولة فتؤثر عليهم بالسلب وهذا الشيء سينتج جيلا مهزوم وغير قادر علي ادارة نفسه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق