تاريخ و أدبعام

عن الفلسطينية الحاضرة في “أم سعد”… أنا “هون يما”

“إنها سيدة في الأربعين، كما يبدو لي، قوية كما لا يستطيع الصخر، صبورة كما لا يطيق الصبر، تقطع أيام الأسبوع جيئة وذهاباً، تعيش عمرها عشر مرات في التعب والعمل كي تنزع لقمتها النظيفة، ولقم أولادها”.

رواية أم سعد – غسان كنفاني

لن أحمّل النص أكثر مما يحتمل، فمحمولات أم سعد كثيرة بالأصل، تقف بكثافة كبيرة عند عتبتها الأولى، ولكنني أحاول سبر أغوار اللامرئي فيها، إذ أن ما يتوارى في سطور أم سعد يحتاج اشتغالا تأمليا فلسفيا، حيث أن الظاهر ليس فقط الواضح والمكشوف أمامنا؛ بل هو إدراك الشيء في حقيقته وذاته، وشعورنا القصدي نحوه هو الذي يشكل ذلك الإدراك.

أمّ سعد: الشعب والمدرسة

 

إهداء رواية غسان كنفاني من أم سعد ولها، فأم سعد بطلة الرواية وراويتها؛ وهي كذلك معادل موضوعي لكل الأمهات المكافحات المنافحات اللواتي يقمن بدور البطولة من الخيمة وحتى السلاح، “فهذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، هي تخلف وفلسطين تأخذ!”

ولم يختر كنفاني لبطلة روايته وراويتها اسما معينا لفرد علم، بل اختار أن تكون “أما”. وفي ذلك تلاحم متناغم بين الذات والموضوع؛ فلا مقاومة ولا مقاوم دون زاد وذخيرة. أم سعد المدرسة وهي الشعب متلاحمان، متحايثان، لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

أم سعد هي الشعب وهي المدرسة، هكذا يصفها كنفاني كما في إهدائه، أم سعد ليست حضور المرأة فقط، وليست اشتغالا لها في منحى معين، وهي لا توضع كذلك في قالب ما، ولا يمكن تنميطها بنمط معين، ولا يصح كذلك أن تشغل حيزا محددا في تقسيمات العمل الاجتماعي، بل هي المدرسة والشعب معا في كلانية واحدة.

وبالطبع فإن انتماء كنفاني إلى الواقعية الاشتراكية يساعدنا على سبر أغوار سطوره، لا سيّما إذا ذكرنا أن رواية أم سعد بالذات، تتماهى مع شخصية كنفاني وطبيعة توجهاته ومرئياته، وكأنها مرآة تعكس رؤية غسان في الفلسطينية أو ما يريد منها أن تكون عليه.

فأم سعد: المدرسة والشعب هي كل فلسطين، بثقافتها، بطبقاتها الاجتماعية، بلاجئيها ومخيماتها. أم سعد الأم الكادحة التي تقطع الأيام مجيئا وذهابا، وتطيق ما لا يطيقه الصبر، تنتمي للطبقة المسحوقة، وتعبر عنها:

“أم سعد امرأة حقيقية، أعرفها جيداً، وما زلت أراها دائماً، و أحادثها و أتعلم منها، وتربطني بها قرابة ما، ومع ذلك لم يكن هذا بالضبط، ما جعلها مدرسة يومية، فالقرابة التي تربطني بها واهية إذا ما قيست بالقرابة التي تربطها إلى تلك الطبقة الباسلة، المسحوقة والفقيرة”.

أجل أم سعد امرأة حقيقية، تستند حقيقتها إلى النساء الفلسطينيات، العاملات، والمرابطات، وكذلك في أمهات الشهداء والأسرى، وما أكثر ما ينطبق على الفلسطينية من صفات وسمات ومسميات: ” لقد علمتني أم سعد كثيراً ، وأكاد أقول أن كل حرف جاء في السطور التالية إنما هو مقتنص من بين شفتيها اللتين ظلتا فلسطينيتين رغم كل شيء، ومن كفيها الصلبتين اللتين ظلتا، رغم كل شيء، تنتظران السلاح عشرين سنة”.

أم سعد: البطل والراوي والأحداث 

لم يكن كنفاني ليختار هذا الاسم جزافا ..”سعد” يقابل الشقاء والتعاسة، أما سعد وأمه فهما ليسا كذلك أبدا، إنهما حياة وولادة ينبتان كعرق دالية، يخضّر برعمه وإن كان جافا: “سأزرعه، وسترى كيف يعطي عنباً، هل قلت لك أنه لا يحتاج إلى الماء، وأنه يعتصر حبات التراب في عمق الأرض ويشربها”. يذكر كنفاني أن أم سعد تلتقط عرق دالية جافا. والرمزية هنا تتنامى مع أحداث الرواية، فهل نما عرق الدالية الجاف في النهاية؟

أم سعد غير منقطعة أبدا: “هذه المرأة تجيء دائماً، تصعد من قلب الأرض وكأنها ترتقي سلماً لا نهاية له”، هذا وصف أم سعد اللامتناهية، كالماء يسري في عمق الأرض، وينشر حوله خضراء الضفاف. ربما أستطيع قراءة أم سعد من خلال علم الظواهر الذي يرى بأنه لا توجد معرفة غير الظواهر المتبدية لنا، ولا توجد ظواهر باطنة خفية، وهي كشف الشيء على نحو ما يكون عليه.

وأم سعد: البطل والراوي والأحداث، يتطوران معا في وتائر مختلفة تشير إليها المشاهد التي حاول كنفاني إظهارها في مشاهد متعددة داخل المخيم، وحدود العيش والمقاومة. فأم سعد التي تقطع عمرها جدا وكدا، لديها عقل مع سعد ورفاقه، ولديها قلب مع طفليها في المخيم، ويدين في لقمة عيشها، ولسان يفلسف حالة الفلسطيني المقاوم متجليا في سعد ورفاقه، وفي ابن العم الذي يرقب الأحداث ويصفها، والسلطة متجلية في المختار.

تقول أم سعد في الرواية: “الحبوس أنواع يا ابن العم أنواع! المخيم حبس، وبيتك حبس، والجريدة حبس، والراديو حبس، والباص والشارع وعيون الناس..أعمارنا حبس، والعشرون سنة الماضية حبس، والمختار حبس..تتكلم أنت على الحبوس؟ طول عمرك محبوس.. أما سعد فسيخرج من الحبس ..الحبس كله!”

الصورة الفنية: تكشف جمال الوعي “المتخفي”

إن المذهب الذي يدرس الظواهر/ “الفينمومينولوجيا” أو الظاهراتية ماهي إلا محاولة لوصف الأشياء والظواهر والوعي، أي أنها جهد موجه لوصف الظاهرة كما تتبدى لنا من خلال وعينا بها.

كما أن دراسة الظاهراتية لماهية الشيء لا تتوقف عند مرحلة الكشف عن مكونات الظاهرة من خلال تحليلها، وإنما تمتد إلى إدراك العلاقات والارتباطات الماهوية، أي داخل ماهية أو بنية مفردة أو عدة ماهيات، وهذا يتطلب معرفة تحليلية تأليفية. وهنا يمكن أن نشاهد ماهية الفن في العمل الفني، فإذا ما تعالت الذات كما عند “مارتن هايدجر” فإنها تذهب إلى الموضع مكتسبة قيمتها الجمالية من خلال دخولها فيه.

إن الإدراك الحسي وهو فعل وعي، يتميز بأنه يقصد موضوعات حاضرة بذاتها أمام الوعي، وهي تظهر له على التتابع من خلال منظورات جانبية، وغاية الإدراك الجمالي، هي رؤية القصد أو الدلالة التي يطرحها العمل الفني ذاته.

وإذا كان الفن يهب الأشياء معناها من خلال الصورة الفنية التي يمنحها لمعطيات الأشياء، فإن ذلك يكشف لنا الأشياء في بداهتها الأولى مفسحا بعد ذلك وجودنا في المتخفي في الحياة. أما القصدية في الفن والظاهراتية هي قصدية الذات العارفة والتي تحدد فعل الوعي وبنيته وطبيعته، كما يعزز مفهومه الجمالي.

عند “هوسرل” فيلسوف الظاهراتية هناك ثلاثة عناصر لوحدة الخبرة القصدية: الهيولي، وهي معطى مادي قبلي، وفعل القصد الذي يهب المعنى، والموضوع القصدي الناتج عن القصد والهيولي. وهذا الموضوع القصدي هو أهم عناصر الخبرة الجمالية. أنظروا إلى مشهد الذروة في الرواية، لنتعرف على ظاهرة أم سعد وماهيتها الداخلية في ارتباطاتها وعلاقتها بالأحداث والأشخاص، ومدلولات الزمان والمكان:

“إن الخيار صعب، قال سعد، وقرروا الانتظار حتى المساء قبل أن يعقدوا العزم على قرار.
وعند الظهر قال سعد لرفاقه: ها قد جاءت أمي!

ونظر الرجال إلى رأس الطريق المنحدر كالثعبان من التلة، وهناك رأوا امرأة في ثوبها الريفي الطويل الأسود تنزل قادمة صوبهم. تحمل على رأسها بقجة، وفي يدها رزمة من العروق الخضراء. وبدت لهم عجوزاً، في عمر أم سعد وفي قامتها العالية الصلبة، ومن خلال الصمت المخيم كصمت الموت، كان صليل الحصى تحت قدميها العاريتين يسمع كأنه الهمس. وقال أحد الأربعة:-أمك؟ أمك في المخيم يا أخوت.. ضربك الجوع بالعمى!

وقال سعد:

-انتم لا تعرفون أمي..إنها تلحق بي دائماً، وهذه أمي. وصارت المرأة في محاذاة مكمنهم، وباتوا يسمعون حفيف ثوبها الطويل المطرز بالخيوط الحمراء، ونظر إليها سعد، من خلال أشجار العليق التي تسد مكمنه، وفجأة ناداها:
” -يما يما.” -وتوقفت المرأة لحظة، وأدارت بصرها في الحقول الصامتة حولها، وظلوا يراقبونها صامتين فيما أمسك أحدهم بذراع سعد وضغط عليها محذراً، لحظة، لحظة أخرى، احتارت المرأة، ثم عادت تسير. خطوتان، ثلاث خطوات، وأعاد سعد نداءه:” -يا يما ، ردي علي” !

مرة أخرى وقفت المرأة، ونظرت حولها محتارة، وحين لم تر شيئاً أنزلت الصرة عن رأسها ووضعتها على الأرض وأراحت فوقها رزمة العروق الخضراء، وحطت كفيها على خاصرتيها وأنشأت، بعينيها، تنقب في دغول العليق حولها. وقال سعد: ” -أنا هون يما!” والتقطت العجوز مصدر الصوت، فتأملته برهة إلا أنها لم تر شيئاً، وأخيراً انحنت فلمت قضيباً مشقت عنه أوراقه وخطت نحوهم خطوتين،

ثم وقفت ونادت:

” -لماذا لا تخرج وتريني نفسك؟” ونظر الرجال نحو سعد الذي تردد برهة، ثم علق رشاشة على كتفه، وسار بهدوء نحو المرأة: ” -أنا سعد ، يا يما ، جوعان!” وسقط القضيب من يد الفلاحة العجوز وهي تحدق إلى الشاب الذي ولده الدغل الشائك ينحدر نحوها بالكاكي وبالرشاش على كتفه، أما رفاقه فقد هيأوا بنادقهم، فيما أخذ سعد يقترب من العجوز. وقالت المرأة: ” -يجوّع عدوينك يا ابني.. تعال لعند أمك”

واقترب سعد أكثر، كانت خطواته مطمئنة وكان رشاشة ما زال يتأرجح على كتفه من غير اكتراث، وحين صار على بعد خطوة منها فتحت ذراعين واحتضنته: ” يا حبيبي..يا ابني..الله يحميك.” وقال سعد:” -يا يما، بدنا أكل” وانحنت المرأة فناولته الصرة، وحين أخذها رأى عينيها تدمعان، فقال لها:” -حلفتك بالنبي لا تبكي يا يما”! قالت العجوز:” -معك بقية الأولاد؟ أطعمهم. في المغرب سأمرق من هنا وأضع الزوادة على الطريق..الله يحميكم يا أولادي”. وعاد سعد بالزوادة، ولم يلحظ رفاقه أية دهشة في ملامحه.

أكلوا، وقال أحد رفاقه: ” -لنغير مكاننا، فقد تعود بالعسكر” إلا أن سعد لم يرد، وبعد قليل قال لهم: -إنها أمي، وقد رأيتم ذلك بأنفسكم، فكيف تعود بالعسكر؟” وفي المساء جاءت العجوز فوضعت الزوادة، ووضعتها هناك فجر اليوم التالي، وفي كل مرة كان سعد يناديها من وراء الدغل: ” -يسلموا ايديكي يما”، ويسمعونها تقول: ” -الله يحميك يا ابني”.

هذه أم سعد التي تلحق دائما يقينا من سعد بها، هذه المرأة التي تستقي العزم من فطرتها، وسجيتها، وفعلها التلقائي تجاه سعد ورفاقه. هي لا تفكر كثيرا، بل تفعل!

‫2 تعليقات

  1. ام سعد غادرت البيادر للوظائف ، حولت فيه تلك الفلاحة بعيونها الفصيحة الى ماكينة انتاج تكاد لا تذكر ماانجزته في اخر النهار ، سعد صار شادي وامومتها غدت عبئا ثقيلا
    ام شادي تتفاخر اليوم بانها متحضرة ولا تفكر بانجاب اكثر من ثلاثة اطفال
    وثلاثة عدد قليل لامنحك فلسطين احدهم .عذرا

  2. ما هذا الجمال؟ وما هذا العمق؟ جمال كتابات غسان كنفاني ام جمال التحليل.. شكرا جزيلا على هذا المعرفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق