عامفكرمراجعات فكرية

المثقف العضوي: كيف يؤثر صراع الثقافات على واقع المرأة؟

شهدت الساحة العربية منذ مطلع القرن العشرين حراكاً ثقافياً جاداً يسعى لخلق واقع جديد في المجتمع العربي تنال فيه المرأة حقوقها وتُصان كرامتها بعيداً عن هيمنة الصورة النمطية التقليدية، وقد تمثل هذا الحراك بظهور بعض الشخصيات العربية المثقفة من النساء والرجال الذين ارتبطوا بقضايا النساء ارتباطاً عضوياً، وحملوا على عاتقهم مهمة إنصاف النساء وتحريرهن من القيود التي فرضتها الهيمنة الثقافية للصورة النمطية للمرأة.

فحاول هؤلاء المثقفون العضويون إحداث تغيير اجتماعي عن طريق خلق خطاب ثقافي بديل يهدف إلى خلق وعي ذاتي عند المرأة العربية يُمكنها من تصحيح رؤيتها الذاتية لنفسها، وإدراك ما تتميّز به من قدرات وطاقات فريدة. كما يهدف إلى نقد وتفكيك الصورة النمطية التقليدية السائدة، وبيان قصورها ومواطن تشوهها، مما يؤدي إلى إحداث هيمنة ثقافية مضادة لتلك السائدة بتأثير الصورة النمطية التقليدية تكون حجر الأساس لبداية عملية التغيير الاجتماعي.


تغيير الواقع يبدأ بتغيير الثقافة السائدة

 

الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي

يعد قاسم أمين من أوائل من ساهموا بخلق الثقافة البديلة، حيث دعى إلى إصلاح أوضاع النساء، فكان كتابه “تحرير المرأة” في عام 1889 الذي هاجم فيه الكثير من التقاليد السائدة، وبيّن أنها ليست من أصل الشريعة الإسلامية، وكان الصوت الأول الداعي لخروج المرأة خارج جدران المنزل والمشاركة في بناء المجتمع.

كما كان لبعض علماء الدين الإسلامي دور فعّال في إثراء هذه الثقافة البديلة الناشئة، وتركزت جهودهم في الدعوة إلى تنقية منابع التشريع الإسلامي من كل ما نبت حولها من آراء فقهية أو معتقدات لا تمثل حقيقة الرؤية الإسلامية للمرأة.

ولهذه الغاية كتب الغزالي كتاب:” قضايا المرأة بين التقاليد الرافدة والوافدة”، وكتب عبدالحميد أبوشقة كتاب:”تحرير المرأة في زمن الرسالة”، وكتب حسن الترابي: “المرأة بين الأصول والتقاليد”، وكتب الغنوشي:”المرأة بين القرآن وواقع المسلمين”.

وفي هذا المضمار أيضاً أسست د.منى أبو الفضل كرسي”زهيرة عابدين للدراسات النسوية” في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1998 بهدف تطوير حقل دراسات المرأة من منظور حضاري، كما قامت بتأسيس جمعية”دراسات المرأة والحضارة” في القاهرة في العام 2001 بهدف دفع الادعاءات التي تُرّوج حول عدم فعالية المرأة في التاريخ الإسلامي، في حين تناولت د.دلال باجس في كتابها “تاء التأريخ الساكنة” أشهر الشخصيات التي ساهمت في بناء الحضارة الإسلامية.

لقد ساهمت هذه الحراكات الثقافية التي قدمها المثقفون العضويون العرب بخلفياتهم العلمانية والإسلامية في زعزعة الصورة النمطية التقليدية عن المرأة إلى حد ما، وقد أحدثت تأثيراً حقيقاً في واقع شريحة لا يستهان بها من النساء في المجتمع العربي.

ولكنها ماتزال ثقافة نخبوية محصورة في الفئة المتعلمة والمثقفة، فإذا كان الصراع الحقيقي عند غرامشي هو صراع ثقافات لاكتساب مكانة”الهيمنة”، فإن هذه الهيمنة لا تتأتى إلا بالانتشار الواسع لهذه الثقافة عبر كل المنافذ الممكنة كالمدرسة والإعلام والمساجد، لتتحول من ثقافة نخبوية إلى ثقافة شعبية جماهيرية، وهذا يحتاج مزيداً من الجهود والطاقات.


قاسم أمين: امرأة جديدة لواقع جديد

 

 “المرأة الجديدة: هي ثمرة من ثمرات التمدن الحديث، بدأ ظهورها في الغرب على إثر الاكتشافات العلمية التي خلصت العقل الإنساني من سلطة الأوهام والظنون والخرافات، وسلمته قيادة نفسه، ورسمت له الطريق التي يجب أن يسلكها”. 

                                                                                                                                             قاسم أمين

وفقا لأمين فقد أخذ العلم يبحث في كل شيء، وينتقد كل رأي، ولا يسلم إلا إذا قام الدليل على ما فيه من المنفعة العامة. وانتهى به السعي إلى أن أبطل سلطة رجال الكنيسة، وألغى امتيازات الأشراف، ووضع دستورا للملوك والحكام، وأعتق الجنس الأسود من الرق، ثم أكمل عمله بأن نسخ معظم ما كان الرجال يرونه من مزاياهم التي يفضلون بها النساء، ولا يسمحون لهن بأن يساوينهم في كل شيء”.

قديما كان فلاسفة الغرب وعلماؤهم يرون أن من العبث تعليم المرأة وتربيتها، بل يسخرون من القول بأن المرأة قد تجيد أمرا غير إعداد الطعام وإنجاب الأطفال وتربيتهم. أفلا يكون للمثقف هنا حقا دور في تنميط صورة ما حول المرأة؟ وتحطيم لنظرة المرأة لنفسها ولملكتها وقدراتها؟

ووفقا له أيضا؛ فلم يمض على ذلك زمن طويل حتى اختفت من عالم الوجود تلك — الأنثى — الذات التي كانت مغمورة بالزينة، متسربلة بالأزياء، منغمسة في اللهو، وظهر مكانها امرأة جديدة، هي امرأة شقيقة الرجل، وشريكة الزوج، ومربية الأولاد، والعالمة والمفكرة والفيلسوفة. ومن ذلك تمنح المرأة نصيبها من الرقي في العقل والأدب، ومن سعادة الحال في المعيشة، كما وتحسن استعمال مالها من النفوذ في البيت.


أمين: بالتعليم والعمل تقوم المرأة بواجبها اتجاه نفسها

 

إذا أردنا أن نرتب أعمال الإنسان رجلا كان أو امرأة، بحسب أهميتها نجد أنها تنقسم إلى ثلاثة أنواع: أولها: الأعمال التي يحفظ المرء بها حياته. وثانيها: الأعمال التي تفيد عائلته. وثالثها: الأعمال التي تفيد الوجود الاجتماعي.

ومن البدهي أن كل تربية صحيحة يجب أن تمكن الإنسان من القيام بهذه الأعمال، وأن تراعي هذا الترتيب الطبيعي. فالمعارف التي تضمن سلامة الحياة والقيام بالضروريات والحاجات اللازمة لها هي أهم من غيرها، فيلزم أن تفضل على المعارف التي تختص بالواجبات العائلية؛ لأنه لا يمكن القيام بأي واجب عائلي إلا بعد قضاء الواجبات الأولى.

كذلك المعارف التي ترشد الإنسان على المعارف التي تختص بالواجبات الاجتماعية؛ لأن قوة الهيئة الاجتماعية متوقفة على حسن نظام البيوت. إذن تقرر ذلك نقول: إن التربية التي تشمل هذه الأنواع الثلاثة على الترتيب الذي وضعناه، هي لازمة للرجال والنساء على حد سواء.

ومهما اختلف الدارسون وعلماء الاجتماع أو حتى الناس العاديين في فهم طبيعة المرأة، لا يجوز أن يدعي أحد أنها يمكنها أن تستغني عن الأعمال التي تحافظ بها على قواها الحيوية وتعدها للقيام بحاجات وضرورات الحياة الإنسانية. كذلك مهما اختلفنا في تحديد وظيفة المرأةفي العالم، لا بد أن نعترف أنها لا يمكنها أن تتخلى عن الأعمال والمعارف التي تتعلق بواجباتها العائلية.

إذن فكل تعليم يتعلق بهذين النوعين من الأعمال يكون نافعا، وكل تربية تؤهل المرأة للدفاع عن نفسها وتحسين حال بيتها وأسرتها. يظن الكثير منا أن المرأة في غنى عن أن تتعلم وتعمل، ويزعمون أن رقة مزاج النساء ونعومة بشرتهن، وضعف بنيتهن يصعب معه أن يتحملن متاعب الكد وشقاء العمل. ولكن هذا الكلام هو في الحقيقة تدليس على النساء، وإن كان ظاهره الرأفة عليهن.

والواقع أن المرأة بحاجة إلى أن تصل إلى قناعة تنبع من داخلها بضرورة التعليم والعمل، في الحقيقة لن تكون نافعة لنفسها ولغيرها دون ذلك. حيث أن حوادث الفقر، والطلاق، وموت الزوج، والعزوبة كلها حوادث جارية، وتقع في كل آن، وللمرأة والمجتمع الذي تعيش فيه توقع كل الحوادث.

يقول أمين: “أن من أهم ما يجب على الآباء أن يعدوا بناتهم لاستقبال هذه الحوادث بما يدفع شرها ويقي من ضررها، ويمهد لهن سبيل الوصول إلى حظ من السعادة في هذه الحياة.  يجب على كل أب أن يعلم ابنته بقدر ما يستطيع ونهاية ما يمكن، وأن يعتني بتربيتها كما يعتني بتربية أولاده الذكور، فإذا تزوجت بعد ذلك فلا يضرها عملها بل تستفيد منه كثيرا، وتفيد عائلتها، وإن انفصلت عن زوجها لسبب من الأسباب الكثيرة الوقوع، أمكنها أن تستخدم معارفها في تحصيل معاشها بطريقة ترضيها، وتكفل راحتها واستقلالها وكرامتها”.


أمين: التطبيب والتعليم أكثر الحرف المناسبة للمرأة

 

 الأولى: صناعة تربية الأطفال وتعليمهم. وهذه الصنعة هي أحسن ما يمكن أن تتخذها امرأة تريد أن تكسب عيشها بحسب أمين؛ لأنها محترمة شريفة، والمرأة أشد استعدادا لها من الرجال وأدرى منه بطرق استمالتهم، واكتساب محبتهم، وبلادنا أشد البلاد حاجة إلى نساء يعرفن هذه الصناعة المهمة والحساسة.

والحرفة الثانية: هي صناعة الطب، إن فن الطب هو مهن الفنون التي تلائم استعداد النساء الطبيعي، وما نشاهده الآن في المستشفيات العمومية وفي العائلات من الخدمات الجليلة التي تقوم بها النساء هي أعظم برهان على أن المرأة بما جبلت عليه من الرأفة والجلد والاعتناء الشديد صالحة لمثل ما يصلح له الرجال من معالجة الأمراض، إن لم تكن أشد صلاحية لذلك منهم.

كذلك يمكن للمرأة أن تشتغل بجميع الأعمال التي قوامها الترتيب والتنظيم ولا تحتاج إلى قوة العضلات والأعصاب كالتجارة فكم من بيوت تجارية ارتفعت بأيدي النساء بعد أن كانت سقطت من أيدي الرجال، وكذلك يمكن للنساء مزاولة جميع الحرف الأدبية.

وأخيرأ؛ فإن قاسم أمين يخلص إلا أن المرأة يجب أن تعي نفسها أولا حتى تكون ذات فائدة لعائلتها ومجتمعها، وحتى تقوم بمهامها في التربية وما أوكل إليها من مهمات إلى جانب الرجل. على أنه يحق لها أن تتربى التربية السليمة التي تمكنها من تطوير قدراتها وملكاتها كأم وعاملة ومربية حتى لو لم تكن بحاجة للعمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق