هكذا كُنّ يتقاسمن الحجر

لم تكن تتأخر “أم العبد” أبدًا، فجميع شبان الحارة يعرفونها، خاصة في أوقات اقتحامات قوات الاحتلال للمنطقة، تربط منديلها على رأسها كـ”قمطة”، تشدّ قميصها، وتحمل بيديها الناعمتين الحجر الذي أوصت عليه أحد الأطفال لتخبئته، “هات لي أكبر صخرة بتشوفها بطريقك مشان أحبك”.

الحقيقة أن “أم العبد” ليست الوحيدة، فلقد كانت “رِفقة” معها أيضًا وبقية النسوة اللاتي فرغن من أنشطة المنزل مبكرًا، وحتى وإن لم ينتهين “فالعمر بيخلص والشغل ما بيخلص”، وهناك نداءٌ يرغبن في تلبيته، فلا أجمل من مشهد تتجمع فيه النساء وهن يتوعدن الجنود، “اليهود متشاطرين عالولاد، والله ما بيطولوا منهم ولا واحد”.


الحجر العنيد بيكسر راس الجندي

 

إن مشهد الفتيات في صفوف المواجهات خلال الانتفاضة الأخيرة، لم يكن غريبًا على أنظار الفلسطينيين الذين شَهِدوا غزارة تواجدها خلال الانتفاضة الأولى “انتفاضة الحجارة”، إذ كانت تمثل النساء وحدة كاملة في خطوط الدفاع المقاوِمة، لقد كنّ يشكلنّ “خطوط الإمداد بالذخيرة”، تبدأ العملية بكسر الحجر الكبير حتى يصبح أجزاءً أصغر، ثم عملية إعادة كسر الحجر الكبير إلى قطع أخرى، ويتم جلب “جرادل أو أوعية كبيرة” يتم تجميع الحجارة الصغيرة فيها.

يستلزم الأمر أن تتشارك امرأتان في نقل حجر كبير ورطمه في الأرض لتكسيره، الحِمل ثقيل، لكن 4 أيادٍ أفضل من اثنتين عمومًا، والمهام الفدائية المشتركة، تعزيز للفعل الثوري المقاوم، يتطلب الأمر إعادة العملية أكثر من مرّة إن كان الحجر “عنيدًا”، لكنّهن يكنّ فرِحات بذلك “فالحجر العنيد بيكسر راس الجندي “.

بعد نجاحهن في تقاسم الحجر، تبدأ مرحلة تقسيم أجزائه وتوزيعها، في مرحلة تشبه الطواف. تبدأ أخريات بتوزيع الحجارة على الشبان في مناطق متفرقة في منطقة المواجهة، عن اليمين 4 شبان نصيبهم 20 حجرًا، والشمال كذلك والخطوط الأمامية أكثر قليلًا، وحبذا لو كان الإمطار دفعة واحدة، في عملية أشبه بـ”الكمين” خاصة لو استهدفوا في الوقت ذاته جيبًا عسكريًا يقتحم المنطقة وينال نصيبه.


“ادعسوني والله ما بتاخدوه “

 

هذه المهام المعروفة لم تستطع أن تقنع النساء بأنهن يصلحن لوحدة الإمداد فقط، فلقد بادرنّ أيضًا بأنّ يكنّ في الصفوف الأولى الرامية وذلك في وجود الشباب أو عدمه، يحملن حجارتهن وينطلقن “حافيات القدمين”، أو “بحذائها المنزلي” حتى تستطيع الركض أكثر، تحتضن بكفةٍ واحدة عددًا من الحجارة وتتحين اللحظة الجيدة كي ترجم جيش الاحتلال، ليس فقط بحجارتها، إنما قهرًا وحقدًا وثورة.

وبالرغم من رمزية الحجارة عبر التاريخ، ففي الانتفاضة الفلسطينية ساهمت الحجارة إلى جانب الجسد في التصدي لجرائم الاحتلال، وكانت تجسيدًا واقعيًا لمقولة “الكف تواجه المخرز”، ارتبطت بمراحل طويلة من حياة الفلسطيني، بالرغم من ذلك كله، لم تستطع الحجارة أن تكون المأوى الأخير لكل من حدّثه قلبه بالتصدي لمحتله، فحملت المرأة كما الرجل “سلاحًا وسكينًا وأعدت عبوات المولوتوف”.

التاريخ حافل بالعمليات التي شاركت المرأة فيها وقادتها وأنجحتها، فالمقاومة كانت ديدن الناس جميعهم ودينهم وإيمانهم، فمن البيت وساحة المواجهات إلى مواقع التدريب والتنفيذ في الجو والبر والبحر، كانت “دلال وليلى وريم” وغيرهن الكثير على طول الصفحات المسطرة بالدم والبطولات.

إضافة إلى كل المهام المباشرة، لقد قادت مجموعة من نساء البلدات والقرى والمدن الفلسطينية مشروع “الحماية” للفتية والشبان، فتارة يتسترن عليهم، ومرة يأوونهم في بيوتهن، ومرات كثيرة يقفون حاجزًا أمام محاولة الاحتلال اعتقالهم، تصرخ المرأة في وجه الجندي، تنهر، تدافع بشراسة، تقف بجسدها الأعزل أمام جيب عسكري أو دبابة، “ادعسوني والله ما بتاخدوه”.

كثيرة هي المرات التي نجحت فيها النسوة في منع قوات الاحتلال من اقتحام مناطقهم، يتجمعن على المداخل، لا يهمهن إن أشهر الجندي سلاحه في وجههن، لقد اعتدن رؤيته؛ وهن في الحقيقة لا يهبنه، إنهن يرين في كل دقيقة مثالًا على القوة والشجاعة في أنفسهن وأبنائهن وأزواجهن، وينظرن إلى عدوهن بأنه ضعيف وهمجي ومسخ، ولذلك لا يخشينه.


“خذوه، بدفعش ولا شيكل” !

 

حتى أمام التهديدات، كانت النسوة غير آبهات، يحدثني “أحمد” عن طفولته في قرى رام الله، وعن أمّه، لم يكن يترك جيبًا لدورية دون أن “يعلّم عليه” يشارك أقرانه من الفتية والشبان في “التطبيش” حتى تمكن أحد جنود الاحتلال من الإمساك به، ومعرفته.

كان يود اعتقاله لكنه أدرك أنه دون الرابعة عشر، فاختار أن يمارس التهديد، نادى الجندي على أم أحمد، “خلي ابنك يبطل يطبش ويطلع مع الشباب، المرة الجاية رح نعتقله ورح تدفعي آلاف غرامة”، أم أحمد ترد وكأنها لم تأخذ الموضوع على محمل الجد أصلًا “خذوه بدفعش ولا شيكل!”. انفجر أحمد ضاحكًا وممازحًا “شفتوا كيف إمي بتحبني؟”، هو يعرفها جيدًا، فهي لا تتأثر بالتهديدات وتعرف أنه سيكررها لا محالة.

آوت النسوة عددًا من الفدائيين والمطاردين الذين تلاحقهم أعين العدو وعملائه، أسكنهم بيتوهم وألبسنهم خاصة لبسهم، وأطعمنهم فأكرمنهم، كأنهم أولادهن، في ذلك قالت إحداهن لي “لا والله كانوا أعز من ولادي، أنا ابني هو اللي بيقاوم”.

لقد سمحت الانتفاضة الأولى للنساء، بتأكيد وجودهن على الصعيد الاجتماعي والسياسي، وساهمت في تبديد الصورة النمطية السائدة، والتي تحصر مشاركة المرأة في شريحة ضيقة من النساء الناشطات والمنتميات للأحزاب السياسية، إذ أدت الانتفاضة لمشاركة عوام النساء من مختلف الأعمار والفئات المجتمعية في المقاومة الشعبية عن طريق  “رمي الحجارة أو تنظيم المظاهرات وتخليص الشبان من أيدي الجنود” 

ومع تزايد العقوبات الإسرائيلية لعبت النساء دورًا مهما للوصول إلى الاكتفاء الذاتي، لسد العجز الاقتصادي الذي أحدثته العقوبات، فقمن بإنشاء تعاونيات من أجل توفير كل المواد التي شح وجودها بسبب العقوبات، وساهمن بدور فاعل في تشكيل اللجان الشعبية على مستوى الأحياء التي كانت تقدم للجمهور الخدمات المختلفة في مجال الصحة والتعليم، والرعاية الاجتماعية، وكذلك في أشكال النضال المختلفة المباشرة وغير المباشرة لمواجهة الاحتلال، وهو ما عزز دورها الاجتماعي والسياسي داخل الإطار المقاوم.


“الطابون الفرن الطبيعي”!

 

في حالات الحصار أيضًا، حملت المرأة الفلسطينية كميات كبيرة من الحليب وتسللت مخترقة الحصار لمساعدة أهالي القرية أو المخيم المحاصر، كما عملت المرأة على توفير كميات كبيرة من الخبز عندما كانت وعلى مدار العشرين ساعة جالسة خلف الفرن، فحينما لجأ الاحتلال إلى قطع الكهرباء ومنع الغاز لجأت إلى استخدام الطابون الفرن الطبيعي، في خطوة تفشل جهود الاحتلال وترفع من معنويات الناس وتمكنهم من الصمود واستمرار نضالهم.

“غولدا مائير” سيئة الصيت، قالت حينما سألت عن السبب الذي يمنع عنها النوم بأنه “ولادة طفل عربي”، وهو ما يجعلنا أمام حقيقة أن النساء الفلسطينيات كن يواجهن حربًا ديمغرافية في الخفاء، ويشكلن حتى لو بشكلٍ غير مباشر في إثارة القلق للذهنية الصهيونية، ولأجل ذلك كنّ مستهدفات بشكل قوي خاصة خلال فترات الحمل.

وفي إحصائية رسمية حتى 9 أكتوبر 1988، تسبب حقد جيش الاحتلال باستشهاد أجنة لم يروا النور بعد، وذلك جراء حالات الإجهاض، التي بلغت “1700” حالة إثر استنشاق الغازات السامة والضرب المبرح.

لا يمكن أن تغطى الشمس “بغربال” وكذلك هي تضحيات المرأة الفلسطينية وثوريتها وبطولتها، إذ مثلت “النساء” ثلث ضحايا الانتفاضة الأولى، وصاحب دخول المرأة الفلسطينية السياسة إلى ارتفاع عدد المعتقلات السياسيات الذي لم يكن يتعد بضع مئات خلال السبعينات، ليرتفع لبضعة آلاف خلال الثمانينات، وكما هو معروف فان أكبر حملة اعتقالات جرّت خلال الانتفاضة الأولى عام 1987، ووصل خلالها عدد المعتقلات إلى 3000 امرأة فلسطينية”.

هدى العف

صحفية فلسطينية من غزة.

‫2 تعليقات

  1. ..”ألجميلات هُنَّ القويّاتُ
    [يأسٌ يضيء ولا يحترقْ]..”..محمود درويش..
    هكذا تضيئُ المرأة الفلسطيمية درب المقاومة لمن يأتينَ بعدها…تخطّ لهم الطريقَ بكفّها الدامية منْ أثرِ “الحجر”….كفُّ امرأةٍ وحجر كافٍ لصنعِ وعي شعبٍ كامل..
    ..سعدتُ جدّا بقراءة مقالك ..أتمنى لك مزيدا من الضياء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق