حضور امرأةعام

عن حكايا الرياديات.. المثابرة تنسج إبداعا

كرات الصوف وشعر الدمى والقماش والصنارة رفاقها الدائمون في حجرتها، إذ لا تصنع الشابة رواء حجازي الدمى بأناملها فقط بل بقلبها الذي يبدع في حياكة البراءة. أدخلت رواء هذا الفن إلى قطاع غزة من خلال صنع دمى الأطفال. وكم من المدهش والمبهج أن ترى دمية صغيرة تأخذ شكل شعرك ووجهك ولون عينيك، حتى أنها ترتدي ملابسك ذاتها، وكأنها نسخة مصغرة عنك.

رواء هي خريجة الفنون الجميلة، تعلمت النسج بالصنارة منذ الثانية عشرة من عمرها، فأتقنت العمل بها وأنتجت أشكالًا تفتح شهية الصغار، تقول “أحببت العمل بكرات الصوف والصنارة منذ طفولتي، وطورت موهبتي بالممارسة ومتابعة كل ما هو جديد”.

وتضيف بابتسامة: “ألا يقال أن “ابن الوز عوام” فقد ورثت روح الإبداع من والدتي التي علمتني “شغل الصنارة” وشجعتني حتى حققت حلمي”.

انطلق “سكر” قبل عامين حين حاكت صاحبته أول دمية لطفلة من أقاربها، فنالت إعجاب الجميع وتوالت الطلبات على “صديقة الصنارة” فبدأ مشروعها يكبر رويدًا رويدًا. وعن الصعوبات التي واجهتها، تضيف رواء: “العائق الأكبر هو انقطاع الكهرباء وعدم وجود مشغل خاص بي لا سيّما أن الطلبات في الآونة الأخيرة تزداد بفضل الله، علماً أن حياكة الدمية تستغرق من ثلاثة أيام إلى أسبوع”.

ولم تقتصر دمى “سكر” على الأطفال فقط بل صار يقتنيها الكبار أيضًا، وتلفت رواء إلى أنها تتلقى الطلبات عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” الذي عبره تروّج منتجاتها. حيث أن دمى رواء لم تظل حبيسة أسوار غزة بل قفزت للنور خارج الحدود، لتتلقى الطلبات من الضفة والأردن وفرنسا وقد تم بالفعل إرسالها إلى الزبائن.

“ماذا يعني لكِ النجاح؟” تفكر قليلاً ثم تقول: “فرحة الأطفال عند اقتناء الدمى تنسيني كل التعب وتؤكد لي أن هذا هو النجاح الذي أرغب به. لا أنسى فرحة الطفل قاسم عند استلام دميته التي تشبهه؛ ضمّها وأخذ يناديها ب “قسّوم”، جاعلاً منها أخاه الصغير”.

وتحلم رواء في تحويل مشروعها إلى شركة عالمية تُصدر لكل الأنحاء. داعية كل من لديه حلما أن يتمسك به بشدة ولا يستسلم تحت أي ظرف، وأياً كانت المعيقات.

“المصغرات” عشق الفتيات

حين تتأمل أعمالها تشعر وكأنك أمام شيف محترف يطهو ما لذ وطاب من الطعام، تغريك قطعة البيتزا فتمتد يدك لاختطافها؛ ولكنك تدرك فجأة أن ذلك ما كان إلا مصغرات طعام صُنعت للزينة. تهدهد العجينة بيدها بلطف وتشكلها بطريقة متناغمة للمجسم الذي تريده ومن ثم تدخلها إلى الفرن بدرجة حرارة معينة حتى تتماسك وتخرج بشكلها النهائي.

تخرجت الفنانة الشابة منار شولي التي تبدع في تشكيل ما يعرف بــ”المنمنمات” من كلية الفنون الجميلة من جامعة النجاح الوطنية بنابلس، وبزغت موهبتها منذ الطفولة وسخرّت طاقتها لتعلّم كافة الفنون، إلا أن الرسم بقي صديقها المفضل.

تقول منار التي اتجهت للعمل في مجال المصغرات منذ عام: “كان الفن هو أنسب تخصص جامعي، ففيه أثمرت موهبتي عن العديد من اللوحات. ومنذ فترة أثار اهتمامي فنّ المصغرات فأردت خوض التجربة”.

قطعة “هامبرجر” كانت بداية الطريق، استغرق إعدادها أربعين دقيقة، ومن ثم توالت المجسمات المختلفة بالظهور بشكل احترافيّ ومبهر. وتضيف الفنانة التشكيلية بصوتٍ يبدو فيه المزاج الرائق واضحا: “تابعت بشكل جيد هذا النوع من الفن عبر فيديوهات على الانترنت فتعلمت وطورت أدائي بنفسي”.

وتتحدث عن المعيقات التي واجهت مشروعها: “ثمة ندرة في المواد الخام التي احتاجها في السوق المحلي كمادة “البوليمر كلاي” وهذا يضطرني لاستيرادها من الخارج”. وتتابع : “فن المصغرات يعد حديثا وغير مألوف؛ ما دعاني إلى الترويج له عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتعريف الجمهور به، ولاحظت أنه جذب اهتمام الفتيات، وازداد طلبهن على الحليّ والإكسسوارات”.

ومن المنتجات التي تصنعها منار، إلى جانب الأصناف المتنوعة من الطعام؛ الميداليات والسيارات، لتصل مهارتها إلى صنع أيّ مجسم يطلبه الزبون.

وتتقدم بنصيحة لأصحاب المواهب: “اصنع فرصتك بنفسك حتى وإن بدا الواقع صعباً، ولتهتم بجودة المنتج الذي تقدمه ولا تركز على الشكل فقط”.

أحلام منار في عالم الفن لا تنتهي، وشغفها لتعلم أشياء جديدة يسير معها كظلها، ولها زوج داعم يربّت على كتفها مشجعاً: “امضِ قدماً سأكون إلى جانبك”؛ فهو يحثها على تطوير مهاراتها إلى أن يتحقق هدفها بإنشاء محل خاص تعرض فيه أعمالها الفنية.

للرياديات: طوّري مهاراتك

 


تُرى ماذا يقول المسؤولون عن عالم ريادة الأعمال في فتيات من هذا النوع؟ نادر عبد النبي؛ مطور الأعمال في حاضنة الأعمال والتكنولوجيا بالجامعة الإسلامية بغزة، يقول لــ”بنفسج”: 
“لقد تمكنت المرأة من تحقيق نجاحات باهرة وملفتة في مجال المشاريع الريادية في السنوات الأخيرة، إذ ارتفع الوعي بأهمية العمل الريادي، وبالتالي ساهمن في إيجاد حلول لمشكلات قائمة إضافة إلى إيجاد مصدر دخل خاص بهن”.

ويذكر أن نسبة النساء المشاركات في المشاريع التي تشرف عليها حاضنة الأعمال والتكنولوجيا بالجامعة الإسلامية بلغت 35% ؛ أما نسبة نجاح المشاريع الريادية بشكل عام في قطاع غزة بلغت 39%. وهي نسبة فاقت متوسط نجاح المشاريع الريادية التي تم حساب نجاحها على المستوى العالمي، مما يدل حسب تقييمه أن بيئة القطاع خصبة – رغماً عن كل الصعوبات- لنجاح المشاريع الريادية.

ويلفت الانتباه إلى جملةٍ من الصعوبات في عالم الريادة؛ أبرزها النظرة المجتمعية التي ما زالت لا تتقبل وجود فتاة ريادية مسؤولة عن مشروع لها. ويطالب عبد النبي بتغيير الصورة النمطية التي تعيق عمل المرأة في المشاريع الريادية، موضحاً: “العمل الريادي يتطلب ساعات طويلة مما يشكل عائقاً أمام الفتاة، خاصة لمن تضطر للتأخر مساء”. 

ولا يمكن إغفال تأثير الحصار المفروض على مناحي الحياة كافة، وما ينجم عنه من نقص في المواد الخام؛ ليتسبب بفشل الكثير من المشاريع الريادية أو إعاقتها”.

وفي سؤاله عن المقومات الواجب توفّرها في الفتاة الراغبة في خوض غمار تجربة الريادة؛ يقول: “عليها أن تتحلى بمهارات قيادية عالية وشخصية قوية، وقدرة على التفكير الإبداعي والإقناع. كما أن فكرتها لا بد وأن تنبع من شغفها، وأن تكون متوائمة مع احتياجات السوق المحلي، إضافة إلى عرض المنتج بشكل جذاب للفئة المستهدفة والتركيز على مهارات التسويق والترويج”. وخاطب كل من اختارت هذا الدرب: “لا تلتفتي لكلام المحبطين، واعملي بإصرار على إنجاح فكرتك”.


 الفكرة ” الخلاّقة” عنصر مهم لنجاح المشروع 

 

من جانبه يقول طارق ثابت مدير البرامج في حاضنة “يوكاس” التكنولوجية في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، أن الريادي بصفة عامة يجب أن يتمتع بسمات شخصية تجعله مؤهلاً، كالمثابرة والتفكير الإبداعي والقدرة على التخطيط الناجح. ويضيف: “نجاح أي مشروع يكمن في أن تكون فكرته غير تقليدية وتسهم في دفع عجلة التنمية وتقديم خدمة للمجتمع”.

ولفت ثابت إلى أنه يتعين الأخذ في الاعتبار قبل مرحلة تنفيذ المشروع؛ تجهيز خطة تسويقية واضحة وفريق متكامل، وإعداد دراسة جدوى. مشيرًا إلى أن المشاريع الريادية شهدت طفرة نوعية في الآونة الأخيرة بعد ازدياد الوعي بأهمية العمل الريادي. ويعزي السبب بالقول: “فئة كبيرة من الخريجين اتجهوا إلى عالم الريادة بسبب عدم توافر فرص عمل، وحقق العديد منهم نجاحا باهرا في مشاريعهم”.

وتطرق إلى دور “الحاضنات” في توفبر بيئة عمل مناسبة، وتقدبم الدعم المادي المطلوب للرياديين، والمساعدة على إعداد خطة عمل متكاملة، وتقديم خدمات استشارية، ودعم تقني وفني.

ويرى ثابت أن تعثّر بعض المشاريع يعود إلى غياب الرؤية، والتنفيذ العشوائي، وضعف فريق العمل، إضافة إلى المنافسة القوية من الشركات الكبرى. ودعا كل من يهم بدخول عالم الريادة بالإستفادة من تجارب الناجحين، وإعداد خطط واضحة، وتطوير المهارات الشخصية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق