نساء غزة: يرسمن العودة في ستة “مشاهد”

منذ عامٍ إلّا قليل، لم يعد قليلًا أبدًا دورها، وهي تحارب وتقاوم وتصبر وتكبّر، تخلق من قلبها ثورة، ومن لحمها ترسانة عصيّة على الانكسار، فهي على الحدود، وأمام الرصاص والقنابل والحصار وكلّ ما يفعله الاحتلال للنيل من غزة وصمودها، كانت امرأة من غزة تقول لكلّ ذلك: “لا”.

الفلسطينية وعلى مدار السنوات والأحداث سطرت أروع الصور في صون الأرض والحق في العودة إليها، فهي أمّ اللاجئين الذين هُجِروا من أرضهم، والشاهدة على نكبة فلسطين عام 1948 ونكستها عام 1967. وهي الحاضرة في مسيرة العودة إلى فلسطين التي نظمها فلسطينيو لبنان في قرية مارون الراس، النقطة الحدودية بين لبنان وفلسطين بتاريخ الخامس عشر من شهر أيار عام 2011، وهي التي لفتت الأنظار في تعدد أدوارها في “مسيرة العودة الكبرى” التي شهدتها غزة في الثلاثين من شهر آذار عام 2018.

أرض أولادي وأحفادي.. لا تفريط

صبيحة الجمعة، 30 نيسان الماضي، الباصات تتمركز بالقرب من المساجد والحارات والأحياء والمدن، مشكّلة نقاط تجمعٍ للسير نحو الحدود إلى 5 مخيمات على طول الجهة الشرقية للقطاع، لكنّ اللافت هنا، أن النساء احتللن نسبة كبيرة من ركاب الحافلات هذه، برفقة “أعلام فلسطين” وقلوب مليئة بالحماسة.

على طول الطريق، “والحافلات هنا تجمع العائدين رجالًا ونساءً”، كانت النسوة لا يكففن عن الحديث بالأمر المجهول حتى الآن، وكيف تركن بيوتهن يوم الجمعة “وهو يوم عائلي بامتياز في فلسطين”، ودون أن يفكرن ماذا سيجهزن لوجبة الغداء لهذه الجمعة، لقد سارت قلوبهن قبلهن، إلى حيث يتمكننّ من رؤية المشهد، أو ربما ليلمحن من بعيد طيف بلداتهن المهجرة.

على اختلاف أعمارهن، وتوجهاتهن، كانت النساء هناك، بعلمٍ واحد، وعلى قلب “وطن” موحد، يهتفن باسم العودة، ويرسمن بداية الطريق المعبد بالدم والصبر والثورة، فمنهن أمهات شهداء وأسرى، ومنهن من أصيبن بالفعل، ومنهن من جرّحت أكفها الناعمة قسوة السلك الفاصل وهي تقتلعه كمن يقتلع آخر مستوطن من أرض طال احتلالها، ومنهن الشهيدات، ولا كلام هنا إذا ما ذُكرن، فبطولاتهن تكفي!.

“بنفسج” تعرض هنا 6 مشاهد، باختزالٍ لا يوفي المرأة الفلسطينية حقّها، في النضال والسير نحو العودة بخطى واثقة، فمن الكوفية والعلم إلى المشاركة في رجم الجنود بالمقلاع، إلى العمل المنظم المسلح، ثم تدويل قضيتها، كانت حاضرة دومًا، وهنا المزيد.

المشهد الأول: كتفٌ بكتف

المرأة شريكة الرجل في البيت، وفي مقاومة الترسانة الصهيونية على السواء، خلال تاريخ القضية الفلسطينية بمختلف محطاتها، لكن الصورة تجلت بوضوحٍ أكبر في غزة، وعلى حدودها خصوصًا، هناك حيث لا مكان للعمر، دم لا يعرف الجندر، وهوية أزيلت من خانتها النوع، جاءت الجنسية “فلسطينية” لكليهما.

في الحافلات، وعلى طول الطرق المؤدية للحدود، “وهي ترابية غير مأهولة بالسكان”، كانا يسيران معًا، أمام السلك يقفان معًا، وبوجه عدو واحد يوجه أمامهما سلاحه، أما قنابل الغاز  والرصاص فكانت تصيبهما أيضًا على السواء، وبدون تفريق.

المشهد الثاني: لجنة للمرأة

تشكيل لجنة فرعية للمرأة، تابعة للجنة العليا المعروفة باسم “الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار”، التي شكلتها لجنة القوى الوطنية والإسلامية بعد خروجها بفكرة مسيرة العودة الكبرى في ذكرى يوم الأرض.

وتضمنت مجموعة من اللجان منها لجنة المرأة؛ انطلاقاً من الإيمان بدور المرأة الفلسطينية البارز في كل مرحلة من مراحل النضال؛ فغالباً ما تقدمت المرأة الفلسطينية الصفوف باعتبارها نصف المجتمع، وراعية نصفه الآخر.

واختيرت السيدة اكتمال حمد عضو اللجنة المركزية في الجبهة الشعبية، مسؤولةَ لجنة فرعية ضمن الهيئة، وتشكلت لجنة المرأة من جميع فصائل منظمة التحرير، إضافة لحركتي الجهاد الإسلامي وحماس.

المشهد الثالث: فعاليات العودة

تمثل بتحديد اجتماعٍ شهري للجنة المرأة في مسيرة العودة؛ يناقش آليات عملهن ويحدد الأنشطة المقامة في المخيمات. كان نشاطهن الأول ” إطلاق بالونات بعنوان راجع لبلادي” بحيث يحمل كل بالون منها اسم قرية من القرى المهجرة عام 1948.

وفعالية “العرس الفلسطيني“، وآخر فعالية كانت بتاريخ 11/09/2018 وهي “حدوتة فلسطينية” بعنوان (راجعين لبلادي أنا وأحفادي) عبارة عن مسرحية تتناول القرى المهجرة، مصحوبة بنشاطات نفذتها لجنة المرأة.

وتتولّى لجنة العمل الجماهيري المتواجدة في كل مخيم توفير اللوجستيات اللازمة لإنجاح الفعاليات. فمثلاً أشرف على تنفيذ فعالية “الحدوتة الفلسطينية” السيدتان أريج الأشقر وسهير خضر من اللجنة الشعبية؛ دربن المشاركات على المسرحية، ورتبن كل ما يلزم لإنجاحها بالتشارك مع لجنة العمل الجماهيري واللجنة الإعلامية.

على الحدود أيضًا، فعاليات للدبكة والزيّ الفلسطيني، ونساء يتلقين دروسهن ومحاضراتهن هناك، وصنع الطعام كالسماقية الشهيرة بغزة، والمفتول أيضًا، وإعداد الخبز “الصاج” على الفرن، حتى يطعمن الشبان بإطلالة على بلادهم المحتلة، ونسائم ريحها.

الصورة الرابعة: حضور راسخ

تحضر النساء وعوائلهنّ بشكلٍ دائمٍ في مخيمات العودة، حتى حصل في مخيم أبو صفية شمال القطاع، أنّ امرأة أنجبت داخل المخيم، فشاركها الرضيع فعاليات المسيرة قبل إتمامه الأسبوع الأول.

وأخريات وعدن أبناءهن بأن يذهبن بسيارة “7 راكب” وبصحبة “طنجرة المقلوبة” لتناولها على الحدود كي يغيطوا محتلهم، شيء يشبه ربما أن تأكل لتشبع حرية.

بهذا تثبت المرأة الفلسطينية للاحتلال عكس المقولة التي يؤمن بها “أن الكبار يموتون والصغار ينسون”؛ فإن مات الكبار فالصغار لا ينسون، الأطفال الذين حضروا بصحبة أمهاتهم هناك، لم يكن من هدفٍ سوى إخبارهم: “الأرض طلبت أهلها، نحن أهلها”.

الصورة الخامسة: استهداف ممنهج

لا تواجه المرأة الفلسطينية أي إشكاليات في الحشد لفعاليات مسيرات العودة؛ بل تكمن إشكاليتها في استهداف الاحتلال للنساء والأطفال بشكلٍ متعمد سعياً منه لردعهم عن المشاركة.

إثر ذلك، ارتقت ثلاث شهيدات، هنّ: وصال الشيخ خليل، ليلي الغندور، والمسعفة رزان النجار، إضافةً لأكثر من 200 مصابة، منهن المسعفة شروق أبو مسامح.

جميعهن مستهدفات، المسعفة والصحفية وربات البيوت فتيات أو سيدات، الاحتلال لا يعرف عمرًا ولا مهنة ولا قانون، كل خطوة باتجاه السلك، كانت تكلّف إحداهن طلقًا ناريًا، وربما خطوة نحو الجنّة.

الصورة السادسة: امتدادات دولية

التنسيق مع المرأة الفلسطينية في كل أماكن تواجدها، فهناك أعمال مشتركة تمثلت بخروج المرأة في الضفة الغربية والأردن للمطالبة بحق العودة؛ في جهودٍ لتوسيع امتداد المسيرات لتشمل الضفة والداخل المحتل والشتات.

كذلك التواصل مع نساء يؤمننّ بحق العودة في دول عربية وأجنبية. حيث خرجت أمريكيات في واشنطن ونيويورك يطالبن بمحاسبة الاحتلال على الجرائم التي يرتكبها بحق الشعب الفلسطيني، ويدافعن عن حقه في الدفاع عن أرضه وحقه بالعودة وفقاً لما نصت عليه المادة 11 من قرار الأمم المتحدة رقم 194. وتشجيع حملة المقاطعة العالمية للمنتجات الإسرائيلية (BDS) وتوسيع نطاقها.

I

الصور لا تنتهي هنا، طالما بقي عطاء المرأة الفلسطينية ممتدًا إلى أبعد مما يرى الاحتلال نفسه، إلى مشاهد لم تلتقطها الكاميرات بعد، وأحلام ببيت هانئ في يافا حيث كانت جدّات اللاجئات يجلسن، ويستمر الحلم بعودة لا هجرة بعدها أبدًا…

حرّية حامد

باحثة فلسطينية مواليد مدينة القدس، حاصلة على شهادة الدبلوم في دراسات اللاجئين والدراسات الفلسطينية من أكاديمية داراسات اللاجئين، وشهادة البكالوريوس في التربية التكنولوجية من جامعة فلسطين التقنية – رام الله، وشهادة الماجستير في الدراسات الدولية من جامعة بيرزيت- رام الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق