عاممدونات

للأم العاملة: لا تموتي قبل أوانك

لا أحد يتكلم كثيرا عن معاناة الأم العاملة ولا يمكن لشخص أن يتحسس إرهاقها وتعبها، وسهوتها على مكتبها أثناء عملها، لا أحد يفكر كم تنال نصيبا من ساعات النوم، وهل تفوّت شيئا من وجبات طعامها، أو تلتزم بدوائها الذي كتب لها الطبيب.

دراسات وأبحاث تروجها منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الطبية – تحديدا-حول عدد الساعات التي يحتاجها جسم الإنسان يوميا من النوم كي يتشبّع بالنشاط والحيوية الكافيتين، وذات المصادر توصي بأهمية تناول أفراد العائلة للطعام الصحي، ويكون الخطاب عادة موجها للأم التي عليها أن توفّر حياة صحية لعائلتها، ونصائح أخرى حول أهمية العلاقة العاطفية بين الأم وطفلها والتي عادة تُبنى من خلال “استثمار الوقت” لتعويض غياب الطفل عن أمه فيما يقضي يومه في دور الرعاية، وعن عدد الضمات والحَضنات وغيرها.

في المقابل؛ تُمطر المرأة ذاتها بإعلانات ترويجية عن مناطق خلابة وساحرة يمكن زيارتها بتذكرة زهيدة، وعروض ضخمة لملابس حلمت باقتنائها أو لأدوات تجميلية وعطور. وغيرها من إغراءات شرائية تحفّز كل الشعور الاستهلاكي عندها، فتبقى تجلد عجزها المتفشي لعدم قدرتها على التمتع بكل ذلك.

في حقيقة الأمر؛ موضوع المرأة العاملة لا يُدرج على أجندة السوق بصورة إيجابية –طبعا-، فيما حديث المنصات العلمية يحمل وجه الندرة في طرح الإشكاليات الاجتماعية والنفسية المحيطة بهذه المرأة فلا تفكر بالتعهد بحمايتها ورعايتها “علميا” لتحاول النهوض بها.

لتوضيح ذلك، لا يعقل أن يبقى الحديث يدور حول الضرورة الملحّة للأكل الصحي وتجاهل مئات الأسر التي قد تُضطر للوجبات السريعة حين لا يتسع وقت الأم للطهو.

هل يمكن مثلا تقديم حلول صحيّة لوجبات سريعة لكنها مفيدة؟ أو أفكار لأطعمة صحيّة لا تستغرق وقتا وجهدا في الإعداد؟ أو تطلق هذه الجهات دراسات حول الأثر الإيجابي الذي يعكسه خروج المرأة للعمل على صحتها النفسية وأسرتها من خلال عينات حقيقية تكون نتائجها منفصلة عن الخطاب المكرر الذي يدفع النساء لجعلهنّ أكثر “هشاشة”؟ هل يعقل أن يبقى الخطاب الموجه للمرأة العاملة وكأنها لازالت تجلس في البيت؟ ويتم التعامل مع حاجاتها النفسية كما لو أنها لا تواجه أية مشكلات أو معيقات أو منغصات يومية؟

ينطبق الحال على المجتمع الاستهلاكي الذي يمارس شكلا من الاستعباد المادي، والذي يمرر للمرأة العاملة رسائل ضمنية بأنها تحتاج المزيد لتكون الأجمل والأكثر أناقة، فعليها أن تمتلك جسما رشيقا وشفتين ورديتيْن ووجها خاليا من الشحوب والبقع الداكنة أسفل العينين.

هذا الخطاب مغاير لسيكولوجية المرأة بكونها إنسانا قبل أن تكون أنثى، فهو يشكّل صورة  للأم “الخارقة” بأدائها مهمات لا تنضب داخل البيت وخارجه، فيما عليها أن تبقى قوية متماسكة وصلبة.

وأمام ما طرح سابقا؛ هل على الأم العاملة –فعليا- أن تبقى في حالة من “التفسخ التام” بين بيتها ووظيفتها، بين السوق والدراسات العلمية. كل هذا يشكل بمثابة ضغط يُمارس على هذه المرأة التي تشعر فجأة أنها تشيخ قبل أوانها. لا بد أن تكون وجبة الطعام مجهّزة، البيت مرتب، الأطفال متفوقون في مدارسهم، الزوج سعيد بمثالية زوجته ولكن ماذا عنها هي، هل هي فعلا سعيدة؟

في دراسة اطلعت عليها مؤخرا صادرة عن مجلة أمريكية، تشير أن “الأمومة” تعادل وظيفتين ونصف الوظيفة، فما بال إن كانت هذه الأم امرأة عاملة، إذن هي تمارس ثلاث وظائف ونصف الوظيفة، ولا زالت تتنفس، وتقف على رجليها، وتحاول أن تعيش في هذه الحياة التي تنهش من عمرها ووقتها وصحتها دون أن تعي.

الأمومة لم تعد التحدي الوحيد والحقيقي في هذا الوقت، التحدي أصبح في أن تكون هذه المرأة قادرة على الصمود، التحدي في أن لا تستسلم وتتعب فتسقط في لحظة ما، التحدي في عدم نفاذ طاقتها واستنزافها، التحدي ببقائها ثابتة محافظة على سجيتها وخفة روحها ونقاء عاطفتها.

فالأم العاملة لا تحتاج في حقيقة الأمر إلى وظيفة جيدة وراتب ممتاز فحسب، بل هي أحوج إلى الاحتواء النفسي سواء أكان ذلك مجتمعيا أو من أفراد عائلتها.

وهنا يقع على الرجل أو الزوج دور كبير في أن يكون المعالج الأول لكل التحديات التي تقف ذات سد منيع أمام هذه المرأة، وأن يشاركها مسؤولياتها وأحلامها هذا ليس ترفا بل واجبا بعينه، كما يقع دور على المؤسسات المجتمعية في إقامة جلسات تفريغ نفسي لهؤلاء الأمهات يبحن فيها عن مشاعرهنّ المختلجة، يتعلمن فيها إدارة حياتهنّ، جلسات يستطعن من خلالها أن يُبقين في ذواتهن ما شئنَ من الحياة، على الأٌقل أن لا يمتن قبل أوانهنّ!

 

تعليق واحد

  1. رائعة جدا أباء …عبرتي عن كل ما يختلج بداخلي ببراعة تامة
    الداعم في حياة المرأة له دور كبير في استمرار المرأة بالعطاء بكل حب
    ولكن على المرأة ان تكون الداعم الأول لنفسها بأن لا تنسى بأن الحياة نعيشها لمرة واحدة فقط… لذا يجب علينا الإمساك بكل فرصة متاحة للإستمتاع والإنطلاق وان لا ننسى انفسنا في زخم الحياة… ضغوط الحياة قد تنسينا أن هدفنا في الحياة هو الاستمتاع مع من نحب… يجب أن نكون على وعي دائم بذلك
    لك كل التقدير على قلمك الرائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق