عاممجتمعمنوعات

المرأة في الموروث الشعبي: ماذا عن الحماة والكنّة؟

رأينا في الجزء الأول من حديثنا حول الأمثال الشعبية الفلسطينية كيف تصوّر هذه الأمثال المرأة كأم وزوجة وابنة في سياقات متعددة اجتماعية واقتصادية وثقافية، تعكس في مجملها مكانة المرأة في المجتمع الفلسطيني، والدور الذي تؤديه، وتظهر الكيفية التي ينحت فيها الشعب صورة نمطية للمرأة، لتكون هذه الصورة مرجعا لمحاكمة سلوكها وأفكارها وأدوارها، فيُحرم عليها في كثير من الأحيان اختراق هذه الصورة. أمّا في هذا الجزء الثاني سنركز على الصورة الاجتماعية للمرأة بدءاً من إنجابها وحتى اختيارها كزوجة، وصولاً إلى تفاصيل حول العلائق الاجتماعية التي تربطها بنساء أخريات في بيت عائلة الزوج.

الذكر مفضّل على الأنثى: “هم البنات للممات”

تتخذ الصورة الاجتماعية للمرأة منحى سلبيّا وتقدم تصويرًا مكفهرا قاسيّا، تبدأ من ولادة البنت؛ حيث يرون فيها عبئا وهما: (اللي بتموت وليته من صفاة نيته)، (هم البنات للممات)، (اللي بخلف بنت عمره ما برتاح). بينما تكون مكانة المرأة التي تنجب ذكرًا أعلى، وهي ذات حظ أفضل: (ولد وبشارته ولو بموت بساعته)، (لما قالولي غلام انسند ظهري وقام، ولما قالولي بنية وقعت الحيطة عليّ)، (حيّة جابت حيّة).

والمرأة التي تنجب ذكرًا لها سند متين: (أم البنت مسنودة بخيط وأم الولد مسنودة بحيط)، وتظل مكانة المرأة التي أنجبت بنتًا أفضل من التي لم تنجب إطلاقًا: (بخت المليحة فضيحة)، وبالنسبة للرّجل: (جياب البنات ولا قعاد البطالات).

لكن البنت بطبيعتها الحانية ستكون عونًا لوالديها في المستقبل؛ سترعى شؤونهم في أرذل العمر، لذلك سُيحسد من لديه ابنة حنونة بارّة: (البنات أولهن شماتة وآخرهن حسد)، ويُقال: (أم البنين تمشي وتنين وين السجن يا ظالمين، وأم البنات تمشي بثبات، وين الصايغ يا مسعدات).

عادات الزواج: “خذ الأصايل ولا تهاب الفصايل”

ويسعى الأهل إلى تزويج البنت بحثا عن الستر: (البنت يا تزوجها يا تقبرها)، (البنت يا تسترها يا تقبرها)، ( دوّر لبنتك قبل ما ادوّر لابنك) ،وغالبا لا يتخذ رأي أو مشورة البنت في الزّواج: (إن دشروا البنت على خاطرها يا بتوخد طبّال أو زمار)، وقد تُجبر على الزواج من ابن عمّها: (ابن العم بطيح عن الفرس). وهذا معيار يتخذه أهل العريس، فهم يفضلون الأقارب: (عليك بالدرب لو دارت وبنت العم لو بارت)، والمرأة القريبة تصبر على جفاء زوجها، بينما الغريبة لا تصبر: (بنت العم تصبر ع الجفا، أما الغريبة بدها تدليل).

ويفضلون المرأة الجميلة: (خذ الحلو واقعد قباله لو جعت شاهد جماله)، ويهتمون بالمكانة الاجتماعيّة لأهل الفتاة، وكذلك الغنى والفقر: (خذ الأصايل ولا تهاب الفصايل)، (بنت الغني غنية وبنت الفقير فقيرة). ويقيم المجتمع وزنًا للأخلاق الحميدة والأصل الطّيب: (البنت بلا أخلاق دالية بلا أوراق )، ( اللي ما بحليها خدودها بحليها جدودها)، وتؤخذ طباع والدتها في عين الاعتبار، فهي التي توّجه ابنتها: (خذ المجنونة بنت العاقلة، ولا توخذ العاقلة بنت المجنونة).

كما أن مكانة المرأة الاجتماعية، واحترام النّاس لها، تتحدد باحترام زوجها لها أمام النّاس: (اللي يقلها جوزها يا عورة يلعبوا الناس فيها الكورة، واللي يقلها جوزها يا هانم يحطوها الناس ع السلالم)، والمرأة هي المسؤولة عن سعادة زوجها أو شقائه ( في نسوان هي وجوزها ع الزمن، وفي نسوان هي والزمن ع جوزها )، (في مرة وفي مرمرة وفي داهية مصبرة).

للكنّة: “لو كانت فلة بتظل على القلب علّة”

وفي العلاقات الاجتماعية تقدم الأمثال صورة: للحماة والكنة والسّلفة، وفي ماهية العلاقة بينهن، والتي تقوم على المناقرة والغيرة: (مكتوب على ورقة الحنة عمر حماة ما حبت كنّة ) ( ربي يا ناعس للرقد التاعس)، (بعد القفة والفقر صار لك طبق وحصير)، وهذا الكلام توجهه الحماة إلى كنتها، لتذكرها بما كانت عليه في بيت والدها: (جبناهم فيران صاروا ثيران)، وهي إشارة إلى تبدل شخصية الكنّة، أو بمعنى أدق: (تمسكنت لتمكنت). وتصوّر الأمثال، تسلط الحماة على الكنة، وجبروتها عليها: ( صحيح لا تكسري ومكسور ما توكلي وكلي لتشبعي ).

وتُذكّر الأمثال الحماة بأنّها كانت كنّة: (يا حماة ما كنتيش كنّة ؟ فترد: كنت ونسيت)، فالصّورة الراكدة في ذهن الحماة، أن الكنّة مهما كانت صالحة فتظل علّة: (لو كانت فلة بتظل على القلب علّة)، ولم يسلم أيضًا زوج البنت من حماته فيقول: (حماتي مناقرة، قال طلق بنتها)، (حماتي مثل السّاحرة لا منولتني دنيا ولا آخرة)، وثمّة جانب إيجابي للعلاقة بين الحماة وزوج الابنة: (جوز البنية أغلى من نور عنية). والمرأة مصدر الاتصال والتواصل بين العائلات ومع المجتمع: (كون نسيب ولا تكون قريب)، (النسب حسب وإن صح يكون أهلية).

للحماة: “أنا زي عود القرفة بسد عن الحماة والسّلفة”

أما الكنّة، فتقوم بالرّد على جفاء حماتها وتعاملها بذات الفتور، فتزداد المشاكل بين الزّوجين والحماة، خاصّة إذا كانت تسكن في بيت العائلة: (الكيّ بالنار ولا حماتي بالدّار)، وتصل العداوة إلى بنات الحماة وبناتهن: (الحماة حمة وبنتها عقربة مسممة وبنت بنتها اللي ما تتسمى). وفي تحريض الزّوجة لزوجها ضد أهله: ( أمك زلومة كمك، وأختك الحبيبة كل الكلام والخيبة فيها، ومرتك خاتم سليمان، تقولك شبيك لبيك طلباتك بين ايديك)، (أهلك لا تقربهم بقرصك عقربهم )، وعن الحماة القريبة تقول الكنّة: ( أردا الحموات العمات والخالات).

وعن زوجات الأخوة (السلفات) والعلاقة بينهن، والتي تقوم على المشاحنة، والغيرة، وقد يصل الأمر إلى الحسد، وخاصّة إذا كانت إحداهن في أحسن حال، أو مفضلة لدى حماتها: (كيد السلف مثل طرق الزلف)، (حب السلفة للسلفة مثل الطبيخ من غير كلفة)، (دق القرفة ولا تتصبح بالسّلفة)، (فلانة بورت سلفتها)، ( مركب الضراير سار ومركب السّلف احتار)، (أنا زي عود القرفة بسد عن الحماة والسّلفة)، يُقال هذا المثل، إذا سُئلت المرأة في مناسبة ما عن حماتها أو سلفتها.

تعدد الزوجات: “كيد النسا بالنسا”

وفي تعدد الزّوجات يقدم المثل صورةً بملامح نفسية للمرأة؛ فهي تغار على زوجها وقد تصبح الغيرة بغيضة: (الغيرة مرّة بتجيبلك ضرّة) فيتزوّج عليها ، و إذا أراد أن يثير غضبها وكيدها: (كيد النسا بالنسا) ،وحتّى لو أراد خداعها بزواجه من امرأة ثانية، كما ورد في المأثور الشّعبي عن رجلٍ خدع زوجته، وأخبرها أنه تزوج غيرها، وأرغمها على زيارة ضرتها التي كانت نائمة في سريرها ، فكشفت عنها الغطاء وإذا بها جرّة فكسرتها قائلة: (الضرّة مرّة لو كانت جرّة).

وينشأ صراع بين الزّوجات: (وين رايحة يا جديدة ؟ رايحة أجيب للعتيقة بخت)، والرجل يحنُّ لزوجته الأولى، فتقول الزّوجة الأولى: (الأولى تحلى لو كانت وحلة)، لترد عليها الثّانية ساخرة: (لو بحبك يا بخره ما بتجوز عليك أخرى)، و في أمثالٍ أخرى: (أول مرة سكرة ثاني مرة عنبرة ثالث مرة مرمرة ورابع مرة بتودي ع المقبرة). وعلى الوجه الآخر الذي يبين مساوئ التعدد بالنسبة للزوج: (أول بختك كرسي تحتك وثاني بختك داري وقتك وثالث بختك لا فوقك ولا تحتك)، وعندما يكتشف الزّوج أن الثانية غير ملائمة له، تقول الزّوجة الأولى شامتة: (ما بتعرف خيري غير لما تجرب غيري)، وفي حيرة الزّوج بين زوجاته: (بين حانا ومانا ضاعت لحانا)، وللمجتمع نظرته حول زوجة الأب حيث يرسخها المثل: (مرت الأب غضب من الرب لا بتحب ولا بتنحب) .

الصّورة الاقتصاديّة: “الرجل جنّى والمرة بنّى”

برزت ملامح اقتصاديّة للمرأة من خلال الأمثال، فلديها حسن التّدبير والادّخار وعدم الإسراف: (مين رقعت ما عريت ومين دبرت ما جاعت)، (العريانة ما بتدور على الكحلة). فهي تنفق حسب أولوياتها ولا تضع الشيء في غير موضعه، وتشيد الأمثال بالمرأة التي تقدم المساعدة لزوجها فتحفظ ماله: (الرّجل جنى والمرة بنى) أي؛ أنّها لا تبذر مال زوجها دون جدوى، فهي المسؤولة عن غنى زوجها أو فقره: ( المرة عمارة )، (غناه من مرته وفقره من مرته).
كما تمدح الأمثال المرأة النشيطة (المعدلة )، فتقول عنها: (زي الحبة في المقلى)، (ريت المعدل ما يموت ولا يحطوه في التابوت)، كما أشارت الأمثال إلى المرأة التي تعتمد على نفسِها في قضاء حاجتها: (المرة الشاطرة بتقضي حاجتها والمرة الهاملة بتنادي جارتها)، وكذلك في الإنجاز :(الشاطرة بتخبز من غير وقود والهاملة بتنجز بكارة الحطب). وفي ذلك مقارنة بين السيدات اللواتي يفلحن في تدبير بيوتهن، واللواتي لا ينجزن شيئًا: (خيط المعدلة ذراع وخيط المايلة باع). والمرأة المايلة: هي التي لا تستطيع إدارة شؤون بيتها، ويقال في التي تهمل بيتها: (البيت معمور وصاحبته في الدّور)، وفي غير المتفرغة لبيتها: (في النهار بتسكر بيتها وفي الليل بتحرق زيتها).

وكما بينّا، فإن للمرأة صورة مشرقة تارة؛ فهي الأم الحنونة المربية، والمرأة المدبرة الملهمة، هي حلقة الوصل بين العائلة والمجتمع، من خلال علاقة النسب والمصاهرة، والجوهرة المصونة التي يُقدرها ويُكرمها الأجاويد، وثمّة صور معتمة لها تارة أخرى؛ فهي عورة وتابعة للرّجل، ويُنظر إليها نظرة دونية، ولا يتم الأخذ برأيها، أو مشورتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق