ماما.. صح الإسرائيلي ممنوع نشتريه؟!

تكرر الموقف أمامي مرات عدة، يشتري الأب احتياجات المنزل وكل ما يلزم أطفاله، فيدفع ثمنها وإن كان باهظا. كل ما يختاره في سلته الغذائية “بضاعة إسرائيلية” فقط، هو لا يحاول أن يبحث عن بديل، ولا يلتفت أصلا لكل المنتجات الفلسطينية؛ فلا تعنيه أن يبتاع منها شيئا، هو فقط يريد أن يشتري هذه البضاعة ظاناً منه أنها الأفضل والأجود، لذا تستحق أن يدفع عرق كدّه مقابل امتلاكها.

هذا الموقف، يستنفر بداخلي كل مكامن الغضب، وأشعر بغصّة كبيرة في هذه اللحظة التي تشكل لي إحراجا فأذوب في أحيان كثيرة خجلا أمام طفلتي “شام”، التي تهمس في أذني كلما رأت ذلك قائلة: “ماما.. صح الإسرائيلي ممنوع نشتريه؟!”

سلوك الأب، يجعلني أعود محمّلة بقناعة أكثر ترسيخا، هذه القناعة التي تحوّلت إلى قانون صارم ودارج في منزلنا، فقد كنا حريصين على أن لا نستعين بأي شيء له صلة ببضاعة الاحتلال، حتى لو كان دواءً، فنحول دون دخول أي منها إلى بطن أطفالنا.

الأمر لا علاقة له هنا –طبعا- بالجودة ولا بأي شيء من هذا القبيل، بقدر أنها بضاعة محتل، وهذه البضاعة محرمة على بيتنا. فلا مكان لأية ازدواجية “خبيثة ومشوهة” بوصفها منتجات مستوطنات أو غير ذلك، وهو ما يبرره البعض ويسوّقه لاستخدام هذه المنتجات.

الشامبو، اللبن، الأرز، الشيبس، العصير، “المايونيز”، وغيرها من المنتجات التي نستخدمها في منازلنا هناك بديل لها، بديل حقيقي ومميز، وأقول ذلك من واقع تجربة شخصية. فالعديد من المنتجات التي تغمر السوق الفلسطيني حاليا تفوق “الإسرائيلي” بأضعاف، من حيث الجودة والتميّز والذائقة.

لا أقصد الترويج للمنتجات الفلسطينية من خلال هذا المقال، ولكن فعلا سأشير إلى منتج مميز مثلا لبن “المشروع” الفلسطيني وكل ما يصدر عن سلته الغذائية، والذي تفوّق في سنواته الأخيرة على منتجات الاحتلال، وإليك أيضاً خبز “النور” الصحي الذي يناسب أصحاب الحميات الغذائية وله أطعام مختلفة وذو معايير ومواصفات صحية عالية؛ بالإضافة إلى الشطة الفلسطينية التي ينتجها قطاع غزة وتتميز بحرّها ومواصفاتها التي تطابق رغبة المستهلكين. وبعض العصائر مثل “كابي” و” درينكو” الذي تنتجه شركة زلوم الفلسطينية هذه نماذج فقط، وهناك منتوجات كثيرة لم استحضرها، لكنها تثبت كل يوم أنها قادرة أن تأخذ حيزا على رفوق المحالّ الفلسطينية.

بعض العائلات الفلسطينية –للأسف- تجد في استخدامها لمنتجات الاحتلال شكلا من البرستيج، الذي يستدعي أن تحافظ عليه سواء بين أفرادها أو حتى أمام الضيوف، كالمفاخرة بأن هذا العصير “إسرائيلي” لذلك يتمتع بمذاق جيد، وينطبق الحال عندما يدخل أحدهم إلى المتجر طارحا سؤاله على التاجر:”لو سمحت عندك حليب إسرائيلي” وكأن الرفوف التي حوت المنتوجات العربية والفلسطينية لا توازي ولا تضاهي “برستيجه” ونمط حياته.

استخدام المنتجات الفلسطينية “ليس خيارا بل إجبارا” فهي ضرب من الوطنية التي لا تقل في التخلي عن استخدام منتجات الاحتلال. إن كانت الحملات الشعبية لم تنجح بتقويض استخدام هذه المنتجات، فليكن السير نحو منحى آخر من التسويق الجدي والضخم، عبر حملات إعلانية وإعلامية ممتازة لمنتوجات فلسطينية جديرة بأن يكون لها مكان في منزلنا.

في آخر مرة توجهت فيها للمتجر، كنت أبحث عن شيء ما، وتفاجأت أن 90% من البضاعة؛ ” إسرائيلية”، لم أتوانى في توجيه سؤال للتاجر الذي بدت عليه علامات الارتياب عندما طرحت عليه سؤالا “بطّل في بضائع فلسطينية بالبلد عشان هيك كل المحل عندك إسرائيلي”؟

كانت الإجابة كالعادة بالعكس فيه فلسطيني. هؤلاء التجار الذين لا يعنيهم أن يحرقوا كل منتجات الاحتلال أو أن يقاطعوها دهرا، بقدر أن تحظى جيوبهم بشواقل إضافية. لا أدري في واقع الأمر لماذا عُلّمنا أن الخيانة هي ببيع العقارات في القدس، أو التخابر مع الاحتلال، أليس استخدام منتجاته شكلا من أشكال الخيانة الوطنية التي لا يمكن تسويغها أو تبريرها؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق