من سيكون أنسولين حياتي؟

بدأت تجربتي مع سكري الأطفال، مذ كان عمري 10سنوات، حيث أصاب جهازي المناعي فايرس هاجم البنكرياس، مما أدى إلى تدمير المنطقة المسؤولة عن إفراز الأنسولين، ومن وقتها إلى أن يأذن الله بإيجاد علاج نهائي للسكري، سأظل أتلقى العلاج من خلال الأنسولين خارجيا، عن طريق (إبر الأنسولين) الصغيرة تحت الجلد.

كانت مرحلة بداية مرضي صعبه بالنسبة لي ولأهلي، ولكن مع الزمن بدأت بتفهم وضعي. وأنا مؤمنة بأن الله لا يقدر للإنسان أمرا إلا كان خيرا له. وأقول أن السكري نعمة علي وليست نقمة؛ بإيماني ومساندة  أهلي العظيمة، عدا عن تقبلهم للأمر ودعمي في كل شؤوني، دون الاكتراث بنظرة المجتمع للفتاة المصابة بهذا المرض، وسؤال إمكانية ارتباطها.

 نعم، حان وقت التفكير بهذه الخطوة، ككل شاب وشابة في عمري، فكرة الارتباط وتأسيس عائلة، وغريزة الأبوة والأمومة تدفعنا لنبحث عن الشريك المناسب، لنستمر معه. وهنا، بدأت تحديات كثيرة تواجهني كمريضة سكري.

السكري ليس مشروطا بجنس معين، بل يصاب به الذكر والأنثى، ولكن الفتيات المصابات بالسكري تحديدا يواجهن تحديات أصعب في مرحلة اختيار الشريك، وبالذات في مجتمعنا، الذي يدرج فيه القول: “الشب ما بعيبه إلا جيبته” أما الفتاة فيجب أن تكون كاملة المواصفات.

 أكبر تحد واجهته هو أنني يجب أن أرضى بمن يرضى بي! فكثيرا ما قالوا لي: “احمدي ربك إن حدا قبل يرتبط فيك!” ومقولة أخرى: “اعتذر، ما بقدر أزوج ابني ببنت مريضة”.

 ينصحني بعض المعارف: “ما تقولي أنه معك سكري وبكرا بس تحملي بتقولي صار سكري حمل !”… يااااه كم سمعت هذه العبارة، وكم وقفت عليها، فتاة أعرفها لم تخبر زوجها بأنها مريضة سكري وقام أهلها بتشجيعها على ذلك، وعندما علم زوجها بأنها لم تخبره، قام برفع دعوى طلاق عليها. فتاة أخرى أعرفها، حينما حملت أخبرت زوجها أنها أصيبت بالسكري خلال فترة الحمل. ولكن طوال فترة عدم بوحها، كانت تعيش بخوف ورعب وقلق، وكانت تخفي علبة الأنسولين في أغراض الخضرة في التلاجة لكي لا يراها أحد.

أنا شخصيا كفتاة مصابه بمرض السكري، أرغب بتأسيس حياة أسرية بطريقة صحيحة، أرغب بالزواج لأجل الاستقرار، لأجل أن أسند شريكي ويسندني في هذه الحياة. لذا أريد أن أختار شريكي الذي أراه مناسبا لي ومناسبا لعقلي لروحي ولشخصيتي.

وقبل ذلك، أن يكون أبا جيدا لأطفالي. ولا أشعر أنني مضطرة للموافقة على شخص يختلف عما أريد. فقط، لأنه وافق على الارتباط بي وأنا مريضة سكري، فسكري الأطفال سببه فيروسي وليس وراثي، كما أنه لا يؤثر نهائيا على الزواج والإنجاب، ولا أتوقع بأن هناك فتاة تريد أن يكون لديها طفل لديه مشاكل صحية بسببها.

 وهنا، تحضرني  قصة صديقتي التي ولدت مصابة بسكري، والآن يبلغ عمرها ستة وعشرون عاما، حققت صديقتي إنجازات كثيرة، درست وتخرجت وعملت. وعندما تقدم لها شاب للزواج، أخبره والدها بأن ابنته مصابة بالسكري، فلم يعترض الشاب، ولكن عندما علمت أمه اتصلت بالفتاة، وأخبرتها أنها لا تريد أن يتزوج ابنها من فتاة مريضة، وقالت: “شو رح يحكو الناس هو ابني ناقص ليتزوج وحدة معها سكري، أخبرتها أن ترفضه هي لانه ابنها يريد الزواج بها”.

 من تجربتي الشخصية؛ و منذ أن كان عمري ثمانية عشر عاما وحتى الآن، وأنا أواجه هذه الفئة من المجتمع، يقولون: علمنا الرسول  صلى الله عليه وسلم: ( تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك).

  ولكن عندما أكون صادقة معهم، وأخبرهم بالسكري، يذهب كلام الرسول سرابا أمام رأي المجتمع . فتيات كثيرات، يحققن إنجازات ضخمة، يدرسن ويتفوقن ويجتهدن، وعند مرحلة الارتباط يواجهن تحديات صعبه، وخصوصا في إيجاد الشريك الذي يقبلهن كما هنّ.

وأقول في نهاية حديثي، أننا وإن  كنا مصابين بالسكري، هذا لا يعني بتاتا أننا غير مقبلين على الحياة، وأننا لا نستيطع تحقيق الإنجازات، فمرض السكري ليس وباء معديا، إنما هو تغيير على نمط الحياة الذي نعيشه

 رسالتي الخاصة لكل فتاة مصابه بالسكري، الحياة جميلة جدا وفيها الكثير. اختاري الشريك المناسب فأنت بذلك تختارين من يقف معك في مرضك، وفي عافيتك.  ابنِ حياتك الأسرية على الصدق والصراحة، كوني صادقة مع شريكك، لا تصغ إلى من يدعوك للكذب. لا تسجني نفسك بسجن الزواج، لا تجعلي الحياة تقف عند محطة الزواج فقط.

 الزواج مرحلة مهمة في الحياة، ولكنه ليس غايتها، وإن لم تجدِ الشريك المناسب لك، استمري بحياتك، أنجزي، واتركي بصمة لك وأثر، كوني كالفراشة “لا تعيش سوى وقت قصير، ولكنا تترك أثرا جميلا في الطبيعة”، كوني أنت كذلك، فالمجتمع بحاجة لهذا الأثر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق