حضور امرأةعام

مي زيادة: تحوّلات الفكر والاعتناق

أبدأ من النّهاية، عندما أسلمت مي الرّوح في مصر عام 1941، وطويت حياة كاتبة تفرّدت في الكتابة في فترة سياسية انتقالية بامتياز، أدركت عهود الإحلال والإبدال، وتصارع الشّرق والغرب، ومناكفات الحداثة والموروث، والسيّر مع التّيار وعكسه.

ظهرت بداية القرن العشرين، واعتلت أوج الأقلام والأعلام، وبرز نجمها في الصّحف الأوروبية والعربية الأكثر شهرة؛ كالأهرام والمقتطف والرّسالة والهلال، وازدادت ألقاً بجاذبية صالونها الثّقافي الذي وصله مثقّفو الأمّة الأعلام، وصولاً إلى فترة أفولها الغامضة، ودخولها كآبة ممعنة، وهي التي كانت عنواناً للأمل، والتحدّي، والتّغيير في عشرينيات القرن الماضي.

لقد كتبت في الأدب والسياسة، وانخرطت في هموم المجتمع المصري والعربي، كما كتبت في افتتاحية جريدة الأهرام لفترة من الزّمن، وتولت تحرير القسم النسوي الاجتماعي، في جريدة السياسة الأسبوعية التي كان محمد حسنين هيكل رئيس تحريرها آنذاك. ويذكر أنها رفضت تسلم صحيفة نسائية بحتة، ويدل ذلك على عدم رغبتها الاقتصار على مخاطبة شريحة النّساء فقط، بل كانت تؤمن بأهمية التواصل مع القرّاء من مختلف الشّرائح.

في فترة ما بعد الاستقلال الشكلي لمصر عام 1922، وظهور الخلافات السياسية بعد بروز ظاهرة الأحزاب، اضطرت مي زيادة للانخراط في الحديث السياسي بعد أن كانت ترفضه، ولا تتدخل فيه، وتقتصر في كتاباتها على الأدب، فحذت حذو زملائها من الكتاب والمثقفين في ضرورة الحديث والتأثير في الرأي العام.

قوّة الفكر والقلم

 

لقد عاشت زيادة أزمة التنافر الفكري والتي كانت تعرض على المنابر الثقافية اليومية، وشهدت صراعات الأحرار والمحافظين تحديداً، بعد تأزّم الخلافات بينهم، في أعقاب صدور كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرّازق عام 1925، كرد على  كتاب طه حسين الشّعر الجاهلي، وكانت قريبة جداً منها، ومن حيثياتها كونها كانت تعمل في السياسة الأسبوعية التي حاول رئيس تحريرها محمد حسنين هيكل، تخصيص جزء كبير من كتاباته الصحفية، للدّفاع عن زملائه الملحدين.

ونظراً لرفضها الوقوف إلى أي من الطرفين الإلحاد أو التشدد الديني الإسلامي، وهي بالأصل مسيحية الديانة، فإنّها عاشت فترة من القلق النفسي والفكري، الأمر الذي يعزى له تخليها عن التحرير في السياسة الأسبوعية، وتوجهها لجريدة الأهرام على اعتبار أنها حيادية.

اجتهدت مي في الكتابة بشكل مكثف في الأهرام، وعلى صفحاتها الرّئيسة، خاصة بعد موت والدها 1929 الذي كان يدير مجلة المحروسة. ويُقال أنها عقدت اتفاقاً مع إدارة الأهرام يُفضي إلى أن تستلم الأهرام مجلة المحروسة، في مقابل أن تكتب زيادة بشكل يومي في الأهرام. 

فقد لوحظ أن مقالات مي كانت تُنشر في كلتا الجريدتين في الوقت ذاته،ولقد أثارت هذه الفرضية الجدل حول قيمة مي زيادة ككاتبة متفردة تنشر كتاباتها في الصفحة الأولى للأهرام، عندما ترتبط هذه المهمة بصفقة مادية بحتة، توفر لها ولوالدتها سبل العيش بعد موت والدها، وتساعدها في الحفاظ  على مجلة المحروسة  التي تعود لعائلتها وما لهذا الأمر من قيمة نفسية ومعنوية كبيرة لدى زيادة.

لكن أحداً لا ينكر قوّة قلم مي زيادة، وتنوع مجالاته وحقوله، ووسع أفقها مقارنة مع نساء تلك الحقبة، ومنافستها للمفكرين الرجال، وتفوقّها على بعضهم أحياناً كثيرة. لقد كتبت مي في: السياسة والأدب والشعر والنقد والرسالة والنعي والخطاب والخواطر والتأملات. كما تميزت بالمساهمات الإذاعية إلى جانب المقال والتقرير والاستفتاء.

لقد كانت مي زيادة تكتب في عمق السياسة، حتى مع اختيارها عناوين مثل: [على هامش السياسة]  [أحاديث غير سياسية] أو [في معزل عن السياسة والتحزب]، إلا أنّ هذه المقالات كانت تعكس رسالة سياسة واضحة ومباشرة.

لقد كانت من بين المعترضين على انتهاك حقوق مصر الشرعية بنظام القضاء المختلط، وعلى إدخال نظام التعليم الإجباري لمصر، ومن المطالبين بإعمار المدن، والاهتمام بالصحة، ومنع الرقابة على الأقلام.

ولأنها حملت جزءاً من هذه الهموم الوطنية، تعرضت للنقد اللاذع من قبل شخصيات معروفة، مثل رئيس تحرير مجلة التربية الحديثة الصادرة عن كلية التربية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة الذي عيّرها بالرجعية، واتهمها البعض بأنّ أفكارها تبدلت، ولم تعد صالحة لدى الشباب الليبرالي، ومن تغنى بالحضارة الغربية، حتى أنها هوجمت من بعض رائدات الحركة النسائية.

لقد تحولت مي زيادة عن الأفكار التي تنادي بضرورة تتبع الحضارة الغربية، والتي تركز على مبادئ الحرية والمساواة، تماماً كما تأثر جزء كبير من روّاد صالونها الثّقافي، بعد استفحال الاستعمار البريطاني والفرنسي، في التدخل في شؤون مصر والدول العربية، وتحولوا إلى التمسك بأفكار الدين الإسلامي، وبروح الحضارة الشرقية، أمثال هيكل وعبد القادر المازني، ومنصور فهمي والعقاد.

المثقفة الحرة

 

إنّ التحولات في السياقات الأيديولوجية أواخر العشرينات والثلاثينيات، أصابت مي زيادة في صميم فكرها، وأدخلتها في حيرة شديدة، مع ذلك فأنها لم تتخلّ عن فكرة التعايش السلمي بين الأديان، وتقبل الآخر، وحرية الرأي، والحوار الحر بين الثقافات داخل المجتمع الواحد.

لقد كان الجدل حول مفهوم الوطن من بين أكثر ما اهتمت به مي زيادة، لقد كتبت  تساؤلاً في إحدى افتتاحيات الأهرام بعد تشكل الإخوان المسلمين، ونداء الحركة الجلي بضرورة ربط الدين بالوطن والعكس صحيح: “ما هو الوطن” ؟ ثمّ أجابت بعد ذلك بقولها : “الدين أيها السادة والسيدات، لا أختاره أنا ولا تختارونه أنتم. إننا نولد في دين من الأديان. كما يولد الواحد منا أسمر أو أشقر. طويل القامة أو قصيرها”.

وحذرت من الدخول في صراعات طائفية، وركزت على التسامح الديني، ونادت برفع قيمة التراث، ورفض تقليد الثقافة الغربية، لقد كان لها مساهمات ذات أهمية في تقريب الاتجاهات الاجتماعية الفكرية والثقافية.

بلا شك، أصيبت مي زيادة بخيبات متتالية تتعلق بأفكارها التي كما تقول أصبحت تقلق القراء كل صباح، وكانت تستخدم أسلوبها الساخر في الرد على المعترضين عليها. لقد شعرت مي بأنّها تحارب في مجتمعها،  وأنّ جزءا من جهدها الفكري، خاصة فيما يتعلق بالحريات والمبادئ، أصبح بلا قيمة!

امرأة لا يليق بها الصمت

 

لقد ولدت مي في الشام، لكنها أخدت الجنسية المصرية، وكانت تعتبر نفسها مصرية، وكانت دوماً تفتخر بعروبتها وانتمائها لثقافة المجتمع، ويبدو أنّ تغييرها لاسمها من ماري إلى مي، مرتبط بهذه الرّغبة.

في عام 1935، ظهرت عائشة عبد الرحمن، بنت الشاطئ وهي بنت 25 عاما كمنافس قوي لمي زيادة، تكتب وتنشر على الصفحة الرئيسة للأهرام مثلها تماماً، ولمع نجمها بشكل كبير، وبقيت تكتب فيها لأكثر من ستة عقود، وأصبحت من أبرز نساء مصر في مجال الأدب العربي، وقد اهتمت الأهرام على ما يبدو ببنت الشاطئ أكثر، وعلى حساب مي لاحقاً. وأثر هذا على قلمها، وتراجعت في فترة متأخرة من الثلاثينيات، إلى أن أطبق عليها الصمت فجأة!

لابد أن يقف كل أديب ومفكر بالضرورة عند مي زيادة، بعد مرور عقود على رحيلها، ليشيد بها، ويذكر بها الأجيال الجديدة، ويبحث في فكرها عميقا. ويظهر ما نُسي من كتاباتها أو يبحث عمّا فُقد منها ولم ينشر، ويفهم في غموض نهايتها المأساوية، حيث قيل أنها أصيبت بالجنون وفقدت عقلها الكبير، وسجلت بذلك انطفاء شمعة قبل أوانها، ودفنت معها أسرار كثيرة لا زالت تطرح التساؤلات التي يراها العقلاء غير كافية وغير منصفة، لامرأة قوية ومثقفة ومتميزة تماماً كما هي مي زيادة.

 

*قراءة في كتاب ” كتابات منسية ” حول مي زيادة ، تحقيق أنتيا زيغلر 2005

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق