يوم دراسي بلا حصص.. يبدأ بـ”شاي” الصباح

في زيارة لأحد الصفوف المخصصة لتهيئة الطلبة الصغار لدخول الصف الأول، وجدتُ المعلمة في بداية اليوم توزع على الأطفال الجالسين على الأرض أمامها ورقة مقسمة إلى مربعات. في كل مربع، مهمة على الطفل القيام بها في المدرسة، خلال اليوم الدراسي، مثلا: الذهاب للمكتبة للقراءة، تعلم كتابة بعض الكلمات، حل بعض الحساب، الاجتماع في ساعة معينة مع بقية زملائه للاستماع إلى المعلمة، وأنشطة أخرى.

سألت المعلمة: وكيف سيقوم الأطفال بتلك الأنشطة؟ قالت: كل طفل عليه أن ينظم الأنشطة وفق رغبته، إنه تدريب على تنظيم الوقت والمهمات، المهم أن ينجز جميع هذه الأنشطة خلال اليوم ويحصل على توقيع المعلمة المسؤولة عن النشاط والتي تؤكد قيامه بها! الإحساس الوحيد الذي انتابني وسيطر عليّ لحظتها، هو الرغبة العميقة بأن أعود طفلة على مقاعد الدراسة مرة أخرى.

التصور المألوف: عالمنا الثالث

ماذا تتخيل عندما أقول كلمة “يوم دراسي”؟ انه حالة متكررة من ال “ON-OFF ” لمدة ست ساعات متواصلة. حالة ON لأربعين دقيقة تسمى حصة، ثم حالة OFF لخمس دقائق، تستعد فيها للحصة التالية. يتخللها حالة واحدة ووحيدة من التعاطف مع كوننا بشرا بإعطاء 30-40 دقيقة استراحة.  وكطفل في مدارسنا –في الدول النامية- عليك أن تبرمج منذ نعومة أظافرك على منطق الحصص الآلية: حصة عربي، رياضيات، علوم، اجتماعيات، فن، وكلما كانت المدرسة “خاصة” أكثر، كلما زادت هذه الحصص ليدخل على الخط الإنجليزي، وScience، وSocial studies، وغيرها.

اليوم الدراسي الكامل بهذه البرامج من الحصص المكثفة بالنسبة لطفل عمره سبع سنوات، هو مأساة يومية حقيقة كاملة. فما إن يدخل المدرسة وتبدأ طقوس ON-OFF حتى يطالب هذا الصغير بالالتصاق بمقعد خشبي. يظل يكافح هو، وتكافح معلمته لإبقائه جالسا لا يتجاوز حد ذلك الكرسي إلا في مناسبات محدودة، مثل أن يجيب على سؤال على اللوح، أو يذهب لإحضار دفتر العلامات من غرفة المعلمات، وهي اللحظة الأجمل التي يتنافس عليها الجميع. ولست أجد تفسيرا علميا أو سيكولوجيا أو سوسيولوجيا، يقسم اليوم الدراسي على هذا النحو الروتيني، واعتباره صالحا ومناسبا للأطفال؟ وعلى أي أساس تم اعتبارنا آلات قادرة على التعبئة كل 40 دقيقة، بمحتوى علمي مختلف وجديد؟

تحدي النموذج المألوف

 تحدي التصور المألوف، يحتاج أن نعرف أولا؛ العام الدراسي، والمعلمين، والمواد الدراسية التي يدرسها الطلبة، حتى نفهم طريقة تنظيم اليوم الدراسي في نيوزيلاند. وكما ذكرت سابقاً، سأتناول المرحلة الأساسية فقط.

أولاً: العام الدراسي

 

يدخل الطلاب في نيوزيلاند المدرسة في عمر الخمس سنوات، لذلك هناك 13 سنة دراسية رسمية. العام الدراسي ينقسم إلى أربعة فصول دراسية. كل فصل حوالي 10 أسابيع، ثم يأخذ الطلبة عطلة لمدة أسبوعين قبل أن يبدؤا الفصل الجديد. وكما ذكرت سابقا في مقالة “مناهج بلا كتب“، أن هناك المنهاج العام الذي يمثل الأهداف العامة لجميع المدارس لجميع المواد الدراسية، ولجميع الفئات العمرية. ومنهاج المدرسة التي تحدثت عنه في مقالة “المدارس المستقلة” ويعكس فلسفة المدرسة التربوية وأولويات المجتمع المحلي وأهالي الطلبة. وأخيرا هذه المقالة التي سأتحدث فيها عن “منهاج الصف”.

ثانيا: معلمو الصف

في المرحلة الأساسية يوجد معلم واحد لكل صف، يقضي مع طلابه اليوم الدراسي والعام الدراسي كله. بالإضافة لمعلمين مساعدين للطلبة غير الناطقين بالإنجليزية، وللطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة.

وأحيانا يوجد معلمين بدلاء يقضون يوما واحدا في الأسبوع مع الطلبة، حسب منهاج المدرسة للقيام بأنشطة خاصة مثل فنون أو مهارات تنمية أو موسيقى.

 

ثالثا: المواد الدراسية

منهاج الصف يقوم بتحضيره المعلم نفسه، وغالبا، بالتنسيق مع معلمين آخرين لنفس المرحلة، هذا التعاون يعكس روح العمل الجماعي الذي يسيطر على المشهد هنا في جميع المجالات. هذا المنهاج الصفي يجب أولا؛ أن يلبي حاجات كل صف، وأن ينسجم مع منهاج المدرسة وفلسفتها الخاصة، وأن يحقق أهداف المنهاج العام.

هناك ثلاثة محاور ومواد أساسية يركز عليها معلمو الصفوف الأساسية: مهارات القراءة والكتابة، مهارات الرياضيات، والموضوع الخاص.

الموضوع الخاص تحديدا يتم التركيز عليه لفصل كامل (10 أسابيع)، وقد يكون على سبيل المثال لا الحصر، “الفضاء”، “الدوائر الكهربائية”، “البحث العلمي”، “الفن التشكيلي”، “الهوية الثقافية”، “السلوك الإيجابي”، ” العمل الجماعي”، “الحفاظ على البيئة”. وهذا الموضوع مفتوح ومتروك لإبداع المعلمين. وآمل في المقالات القادمة أن اتحدث عن كل من هذه المحاور بصورة مفصلة أكثر.

رابعاً: اليوم الدراسي

وبناء على ما سبق يكون اليوم الدراسي كما يلي: تفتح المدارس أبوابها -تقريبا- الساعة الثامنة والنصف صباحا. يأتي الأطفال ليلعبوا في ساحات المدرسة، أو يدخلوا إلى الصف. المعلمة تكون عادة بانتظار طلبتها في صفها؛ تستقبلهم وتتحدث معهم أو مع أهاليهم.

يبدأ الدوام الساعة التاسعة، وينتهي الساعة الثالثة. ويأخذ الطلبة استراحة أولى اسمها شاي الصباح “Morning Tea“، لمدة 30-40 دقيقة تقريبا في حدود الساعة العاشرة والنصف. واستراحة أخرى اسمها وقت الغذاء “Lunch time“، في حدود الساعة الثانية عشرة والنصف أيضا لمدة 40-50 دقيقة.

وفي كل استراحة هناك 10-15 دقيقة تقريبا لتناول الطعام، في الصف أو الساحة بإشراف المعلمة. والوقت المتبقي يلعب فيه الأطفال في ساحات المدرسة التي تحوي عادة مراجيح وملاعب واسعة أو يتجهون لمكتبة المدرسة –بحسب رغبتهم-. وعادة ينظم الأطفال من تلقاء أنفسهم في تلك الاستراحات؛ مباريات لألعاب مختلفة، مثل دوري كرة قدم، أو يلعبون بشكل حر. وهناك معلمة أو أكثر (حسب عدد الطلبة) عليهم/ن مراقبة الطلبة. مع نوعية الألعاب والمساحات كفيلة بأن تشغل الأطفال دون نزاعات تذكر.

نموذج عام لليوم الدراسي (يختلف في تفاصيله حسب منهاج الصف لكل مدرسة)
9:00-10:30 فترة دراسة في الأغلب تخصص للكتابة والرياضيات
10:30-11:00 Morning tea تناول وجبة خفيفة واللعب
11:00-12:30 فترة دراسية في الأغلب تخصص للقراءة والموضوع الخاص
12:30-1:20 Lunch time تناول وجبة رئيسية ولعب
1:20-3:00 فترة دراسية في الأغلب للموضوع الخاص والأنشطة الرياضية

وبالتالي نلاحظ أن هناك ثلاثة فترات دراسية خلال اليوم الدراسي تستغرق حوالي ساعة ونصف. تقوم المعلمة بتنظيم الأنشطة التعليمية فيها وفق منهاج الصف الذي أعدته مع المعلمين الآخرين. وأيضا، وفق تفاعل الطلبة معها.

وخلال تلك الفترات هناك أنشطة تعليمية تتطلب جلوس الطلبة جميعا مع المعلمة مثل: حديث الصباح، أو مناقشة قصة أو كتاب، أو أخذ تعليمات في كيفية إعداد تقرير أو مشروع مثلا، أو شرح موضوع معين مثل: مسائل رياضيات أو أنواع الكتابة. وهناك أوقات أخرى يقسم فيها الطلبة لمجموعات للقيام بأنشطة محددة، مثل حل مسائل رياضيات، أو القيام بقراءات نقدية، أو العمل على مشروع معين مثل الطبخ، أو عمل تجارب علمية. وهناك أوقات ليعمل كل طفل لوحده مثل القراءة الصامتة، أو كتابة مقال أو قصة، أو العمل على جهاز الحاسوب أو عمل فني.

هناك ثلاثة محاور ومواد أساسية يركز عليها معلمو الصفوف الأساسية: مهارات القراءة والكتابة، مهارات الرياضيات، والموضوع الخاص.
.

وبالنسبة لأي طفل فإن الخروج من هذا المجتمع هو أكبر عقوبة ممكن أن تحدث له. لذا يندمج الجميع ويحافظ على سلاسة اليوم، لكيلا يحرم من هذا التفاعل وهذه البيئة.

خامساً: تصميم الصف

حاليا، تشجع الحكومة النيوزيلاندية بيئات التعلم على شكل ” Innovative Learning Environment” (ILE) مثل الموجود في الصورة. هذه البيئة عبارة عن مساحة واحدة كبيرة، يمكن أن يتواجد بها عدة صفوف للقيام بأنشطة مختلفة. فيها أركان متنوعة مثل؛ المكتبة أو المطبخ، ويوجد فيها عدة أجهزة عرض وخزائن. يجلس الطالب على أريكة أو كرسي أو على الأرض ويتنقل بين الأركان بحرية، حتى تأتي اللحظة التي تناديهم فيها المعلمة من أجل الجلسة الجماعية.

وعادة يكون في هذه البيئة أكثر من معلمة، حسب عدد الصفوف الموجودة. ولكن هذا التوجه لم يخل من انتقادات. فكثير من الأهالي ما زالوا يفضلون الصفوف التقليدية الصغيرة المقسمة، ولا يؤيدون فكرة وجود مساحة كبيرة تجمع عدة صفوف معا. وكعادة أي مقترح تربوي هناك دراسات تؤيد وأخرى تعارض، وهناك تطبيق يجعل الفكرة تنجح بشكل مميز، وتطبيق آخر يجعلها تفشل فشلا ذريعا.

سادساً:تصوّر الصف المدرسي

اسألوا المعلمين والمعلمات “وأنا واحدة منهم” عن أهم المشاكل التي يواجهونها في نظامنا التربوي، سيقولون وقت الحصص لا يكفي لإعطاء المادة المطلوبة، مستوى الطلبة لا يتوافق مع المنهاج، الطلبة يحتاجون التمكن من الأساسيات وليس المزيد من المعلومات. والمنهاج المكدس لا يعطينا وقت للإبداع والتفكير وتقديم أفضل ما عندنا، المشاكل السلوكية تسيطر على الصفوف.

الطلبة والمعلمون والأهالي، الكل مضغوط بهذا النظام الآلي الذي لا نتائج حقيقية من ورائه، والأخطر أننا نتحدث عن طلاب في مرحلة أساسية وليس ثانوية، نحن هنا نتحدث عن أطفال! ماذا نحتاج أكثر من ذلك لنعيد التفكير في صلاحية هذا النظام الآلي غير الآدمي؟

إن جلوس طفل لست ساعات على كرسي مع استراحة واحدة ووحيدة، أو حصة رياضة مرتين في الأسبوع،  هو من الأسباب الرئيسة للعديد من المشاكل النفسية والسلوكية والاجتماعية عند الأطفال. لأن الإنسان لم يخلق ليجلس و”يعلف”.

كما يستهلك جهد المعلم والطالب من أجل ضبط الحركة والتنقل في الصف، بدلا من أن يوجه من أجل التعلم والتفاعل مع زملائه والبيئة. كما يفقد الطالب الكثير من المهارات الاجتماعية ومهارات الانضباط الذاتي وحرية الاختيار، في نظام ال ON-OFF الذي يتعامل معنا كآلات متطابقة في القدرة والاستيعاب. كما أن الكثير من الأفكار الإبداعية عند المعلمين والمعلمات تجهض حتى قبل أن تولد وتوؤد إن ولدت، لأنه لا الوقت ولا نظام اليوم الدراسي يسمحان بها.

من الجدير، أن نفكر ألف مرة في الوقت الذي يقضيه الطفل في المدرسة، ليكون أكثر إنسانية وأكثر ملاءمة لطبيعتهم، كأطفال يريدون الحركة والحديث والتنقل والتفاعل من بعضهم البعض؟ وفي نفس الوقت، أن يكون هذا الوقت فرصة لاقتناص التعلم والتفاعل، ليس فقط مع معلم وكتاب وسبورة ولوح، بل التفاعل مع زملاء الصف والتعلم معهم ومنهم.

فمع هؤلاء الزملاء سيصنع الطفل مستقبله، ومعهم سيبني مؤسسات ومشاريع وعلاقات اجتماعية. علينا التفكير ألف مرة في شكل الصفوف وتقسيمها ومساحتها ومن يجلس فيها، بطريقة تجعل هذا المكان بيئة تعلم حقيقة، لا يريد الطفل أن يتمرد عليها أو يحرم منها.

وهنا أؤكد كما في كل مقالة، أن خيار النسخ واللصق غير وارد وغير مجد. فعدد الطلاب عندنا في الصفوف، وطبيعة طلابنا، ونوعية التربية التي يتلقونها في البيوت، واحتياجاتنا وتطلعاتنا نحو نهضة مجتمعاتنا، وطريقة تأهيل وتدريب معلمينا، والجهد اللازم لتغيير برمجة عشرات السنين.

إنها ليست تحديات بسيطة يمكن علاجها بالتقليد الفوري الأعمى. إنما هي تحديات تفرض علينا أن نفكر وننتج ونبدع بيئة صفية تلائم احتياجاتنا وتطلعاتنا، وليس بالضرورة أن تكون مطابقة للأنظمة العالمية الأخرى. إن هذه المقالة، ما هي إلا محاولة لإثراء تصوراتنا حول طبيعة اليوم الدراسي، وإضافة خيارات أخرى أكثر إنسانية وقربا من طبيعتنا كبشر، لتنظيم اليوم الدراسي، لتبقى في الاعتبار وفي البال، حين ننسج ثوبنا التربوي الخاص يوما ما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق