عاممدونات

الثقة.. حبلٌ متينٌ بيْن الكبرِ والجُبن

عندما  طلبت منّي صديقتي، أن أُحدِثَها عن الثقةِ، أخذتُ أرددُ على مسامع عقلي: الثقة الثقة، حتى أستوعبُ المفردةَ، علَّني أستدعي جميع ما يجولُ في داخلي عن تلك المفردةِ، فطلبتُ منها مهلةً، لكي أقدّمَ لها جوابا شافيا لسؤالها. أذكرُ حينها أنَّ صديقتي قد اعترتها الغرابةُ، فتقول: اعتدتُك دائمًا على أُهبةِ الاستعداد، تجيبين على أسئلتي في وقتها.

وي! كأن كلامها الأخير، كان محفزًا لعقلي، لكي يبحرَ في مفاهيم تلك المفردة، يا صديقتي: إن كنتِ تقصدين الثقة بالنفس؟ فسأحدثك عن تلك  الثقة الكامنة في الشخص الواثق بنفسِه، ثقةً لا تزيدُ عن حدِّها،  لدرجة ألّا يرى عيوبَه، بل يكون صريحًا مع  نفسِه، متفقدًا لعيوبه، مصلِحًا لها، فينشغل بتطويرِ ثقته وتمكينِها والسموِّ بها، فلا يجعل شُغلَه الشاغل عيوب الآخرين.

وإن واجه صعوباتٍ تبدو أكبر من عمرِه، فيحاول مواجهتها دون أن يستسلمَ لها، وألا يجعلَ هذه الصعوبات تهز ثقته بنفسه وتقديره لها، إن وجد في بعضِ الأحيانِ أن ثقتَه بنفسِه قد اهتزَّت من شدةِ الثقل، كان عونًا لها يقوّمها بعودتِه إلى الله، فيرمي بثقله جانبًا، فهنا نجد ثقتَه بالله تظهرُ إذ أنّه يثقُ بأنّ اللهَ لن يتركَه وحده ولن يُوصِدَ الأبواب في وجهِه في منتصف طريقه، لن يتركَ يدَه، سيكون له سندا، فتعود له قواه وثقته بنفسه. وهو لا يأبه لكلماتِ الآخرينَ إذ يربت على نفسه ويمضي.

تجدين الثقة في قراراته الصارمةِ، الصادرةِ بحكمةٍ، بوقتٍ وجيز، دون تردد ولا تراجع، عدا أنّه دائمًا يحاولُ أن يغيّرَ من حوله ويغيّر في الآخرين، يكون مقتنعًا بنفسِه، وبأفكارِه، بمعتقداتِه، بعاداتِه المفضلةِ لديه، بأصدقائه، بقراراته. ويفخر بها، محاولًا بثّها في الآخرين.

وإن تحدثنا عن الثقة بالآخرين، سنجدها تكمن بشخصٍ يسير ويعلم أنّ هناك أناسّا فُطِرت على الخيرِ، تكرهُ الكذبَ، تنبذُ الخديعةَ، وتحبُ الخيرَ، وتحفظُ السرَ، فهو ذاك الشخص الذي تثق به، وتثق بأنّه سيكون معك في أيامِك المرةِ قبل الحلوةِ، يكون العضدَ القويَ الذي تتكئُ عليه، القلبَ الذي تلتجئٌ إليه، الحبَّ الذي تنهلُ منه، الذي يلتمس لك الأعذارَ في مواقفَ لا نجدُ فيها للأعذارِ مكانًا، المُدافع عنك إذا صادف من يطعنُ بظهرِك، المقوِّم لأخطائِك، من لا ينتظرُ زلاتِك ليستغلَّها، ويشهّر بك بل يكون ساترًا لها، فتكون على ثقةٍ، بأنّه سيكون دائمًا وجه الخيرِ عليك نابذًا الشر لك.

لن يطعنَ بظهرِك لو تقدمت، لن يكرهَ لك الخيرَ لو نلت، سيغبطك، ولن يحسدَك، فبهذا يكون أهلًا لثقتك به.

وإمّا إن كنتِ تقصدين الثقة بالله؛  فستجدينها بكلِّ قلبٍ مؤمنٍ قد فقد أغلى ما يملك، فأصبح حامدًا لله وأمسى مسترجعًا له، فهو يعلمُ بأنّ اللهَ سيُخلفُه خيرًا مما فقد، سيُجزيه خيرًا على ما صبر وأكثر، سيجبر كسره، عندما يثق ذاك المؤمن أن جميع أمورِه السارّة والضارة  كلّها خير. رغم ما يصيبه إلّا أنه يوكِّل أمرَه كلّه لله، فهو يعترفُ بأنّ تفكيرَه محدودٌ، وأنّ اللهَ خيرُ المدبرينَ لجميع أمورِه.

هذا ما جالَ بخاطري عن الثقةِ في وقتِها، ولكنني عندما قرأتُ تلك الكلماتَ وجدتُ أنّ في ضربَ الأمثلةِ الحيةِ خيرُ  توضيح لما تحملُه الثقةِ من معاني، ومن ذلك، الإمبراطور الذي كان قبل كلّ معركةٍ يخوضُها يرمي قطعة نقدية، فإن ظهرَت له صورةٌ سينتصر، وإن ظهرت كتابةٌ سيهزم. والمثير للدهشةِ، أنّه كان في كلِّ مرةٍ يرمي بها النقد، تظهرُ له صورة ويخوض المعارك وينتصر، فقبيل وفاتِه كشفَ لهم سرًا، وهو أنّ قطعة النقدِ كانت بوجهيها تحملُ صورة، فدُهشَ الحضورُ لجرأته وثقتِه بنفسه، فهو بذلك يثقُ بقدراتِه، ويصنع نصرَه بيده، فلم يخضعْ لمخاوفِه، فكان في كلّ مرةٍ يتخذ قرارًا صارمًا، وهو وجوب المحاربةِ، لا التراجع مهما كانت الظروف.

وإن بحثنا عن خيرِ مثالٍ عن الثقة بالغير، لوجدنا ثقةَ أبي بكرٍ بالنبي محمد “صلّى الله عليه وسلّم” ، فهي تكمنُ في حادثةِ الإسراء والمعراج عندما سعى رجالٌ من المشركين إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا: هل لّك إلى صاحبِك يزعمُ أنّه أُسري به الليلة إلى بيتِ المقدس؟، قال وقد قال ذلك؟، قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك، فقد صدق، قالوا: أتصدُقه أنّه ذهبَ إلى بيتِ المقدس وجاء قبل أن يصبحَ؟ قال: “نعم، إنّي لأصدقه في ما هو أبعد من ذلك، أصدقُه في خبرِ السماء، في غدوة وروحة”.

ذاك المشرك حاولَ أن يزرعَ الفتنةَ بين النبي محمد عليه السلام وأبي بكر رضي الله عنه إلّا أن أبا بكر بثقتِه بالرسولِ وصدقِه، فقد شقّ الطريق على ذاك المشركِ بقوله، بقلبٍ ينبضُ بالإيمان، ولسانٍ ينطق بالحق: “لئن كان قال ذلك لقد صدق”، فحاول مرةً أخرى أن يوقعَ بينهم إلّا أن ردّ أبي بكرٍ كان أقوى من السابق، وهو:  إنّي لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فاستحق “رضي الله عنه” بعد هذا الصدق، وهذا الموقف المشرّف، وهذه الثقة برسولِ الله “صلى الله عليه وسلّم” يُلقّبَ بلقبِ الصديق، فكان يثقُ بالنبي في قوله وفعله وتقريره. فكان صادقًا بثقته بالنبي وصدق وعده له بإخلاصه ودعمه، فجُبِل قلبُ أبي بكرٍ على تصديقه، فأيّ قلبٍ يملك أبو بكر وأثمن؟ وأنّ النبي محمد قال في حقه: “ما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له كبوة إلا أبا بكر فإنه لم يتلعثم”.

وهنا عندما تفوق ثقتنا بذاك الصديق الحدود البعيدة، تستحضرني قصةُ الشاعر المتصوف جلال الدين الروميّ، عندما حاول أحدُهم أن يوقعَ بينه وبين صديقِه شمس الدين التبريزي، بأنّه رأى شمسًا يشربُ خمرًا، فردَّ جلال الدين الرومي الصديق الواثق بصديقه ثقة ليس لها حدود، قائلًا: “واللّه لو رأيت ثوبَه ملطخًا بالخمرِ، ورائحتَه تفوح منه لقلت بأنها سُكِبت عليه، ولو رأيته واقفًا على الجبلِ ينادي أنا ربكم الأعلى، لقلت بأنّه يتلو الآية، اذهب فإني لا أرى شمسًا بعيني وإنما أعرفه بقلبي”.

كيف للشاعر الرومي أن يثقَ بصديقه تلك الثقة التي لا يشوبها أي شكٍ، بل تزيّنُها التماسُ العذر والمعرفةُ القلبيةِ القطعيةُ، وكأنّ ما أشرق في فؤاد جلال الدين، أشرق في فؤاد شمس الدين فصدقه، أيّ حديثٍ الذي جعل من القلوبِ تتآلف ولا تتخالف، كيف لنا أن نصبح كجلالٍ الدين؟

ونختم بثقتنا بالله عندما تحلّ مصيبةٌ، فإذا بقلوبنا تلهج ب” اللهمّ آجرنا في مصائبنا واخلف لنا خيرًا منها”. ماضٍ فينا حكمه، عدلٌ فينا قضاؤه، أنه سيُجيب دعواتنا إذا دعوناه، فنثقُ بلطفِه الخفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق