عن معنى “الحزن” في حياة أطفالنا

عادت طفلتي “شام” من مدرستها قبل يومين وهي تبكي، لأول مرة أراها مبللة الخد بهذه الطريقة، وبعد احتوائي للموقف، اكتشفت أن الأمر متعلق بانقطاع صديقة عزيزة عن التواصل معها، مشاكسات طفولية ليس إلا..

لم أستطع أن أجعل الموقف يمرّ جزافا، فالمواقف الحاصلة مع أطفالنا فرصة لتمرير وترسيخ ما نريد أن نزرعه في نفوسهم. فحاولت أن أخفف حزنها أولاً، متجنبة أي كلام يحمل شيئاً من اللوم والنقد، فيقطع فجأة حبل التواصل بيننا، لا سيما وأنّ الطفل في العادة يبحث عن شيء من الإقرار العاطفي من ذويه، والاحتواء الذي يمنحه قدرة التعبير عن خلجات مشاعره، والتحكم بها.

قد يبدو الموقف سخيفا لنا نحن الكبار، لكنه في غاية الأهمية لأطفالنا الذين يقدسون الصداقة في أولى مراحل حياتهم. اقتربتُ منها وقد طرحتُ سؤالاً: هل علينا دائما أن نكون سعداء يا شام؟ هل الحياة فعلا كلها سعيدة وجميلة وعليها أن تسير كما نريد؟

كان صمتها مشجعا للاستمرار؛ توقفت عن البكاء وبدأت تنظر إليّ بعينيها اللوزيتين، فأكملت حديثي أن الحياة فعليا تقوم على الأنصاف، نصفها سعادة والآخر حزن، نصفها جمال والأخر قبح، نصفها حقيقية والآخر كذب، حاولت أن أبسط لها الفكرة قد الإمكان، وأتممت ذلك بأن الحزن مفيد للإنسان، فهو يجعله يفكر أكثر بأفعاله وأقواله، فيستدرك ما وقع منه من خطئٍ أو قبح، وهو فرصة لأن يعيد الإنسان تقويم وتصويب أموره.

الحزن مفيد يا شام إذا قررنا ذلك، وإذا لم نقرر فإنه سينهش من سعادتنا وأعمارنا وسيبقى يتغذى على هذا القلب ما حيينا. انظري لولا هذا الحزن لما استطعنا أن نتحدث سويا، ولم نفكر كيف يمكن أن نتجاوز هذا الحزن فنتعلّم، فالحزن يجعلنا أكثر نضوجاً من الفرح“..

ربما لم تفهم طفلتي جزءا كبيرا من كلامي الذي حاولت تيسيره قدر المستطاع، لكن ابتسامتها وهدوءها كانا كفيلين بأن رسالتي قد وصلت.

الكلام الذي قلته لها، لم يستدركه عقلي سوى بعد سنوات عديدة، ومواقف كثيرة، وتجارب مررت بها من الحزن، والخسارة، والألم. فالصورة المثالية الوردية عن الحياة التي نُربى عليها في العادة، هي ما تجعل زواجنا يفشل، وعلاقاتنا تهتزّ، وخطواتنا تتعثر، فيما الصورة الواقعية والحقيقية هي من تجعلنا أقوى.

ربما لا نستطيع أن نرى أطفالنا حزانى يغمرهم الدمع، فنمنعهم من البكاء مرات عديدة كي لا يمس قلوبهم الأسى. نحاول أن نخفي كل مظاهر الحزن، وندفع بمشاهد الفرح كي تملأ عيونهم وتعشش في ذاكرتهم، لكن ماذا عن قوةّ الحزن السائرة في هذا الكون، ماذا عن الدمع الذي قد ينفعنا أكثر من لحظات الفرح إجلالا.

الفرح جميل، لكن الحزن يعطي للحياة معناها الأعمق والأصدق. لنمنح أطفالنا تجربة الحزن كما الفرح، لأجلهم فقط، لأجل حياة حقيقية ليس أكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق