عاممدونات

“النصيب” ينتزع قلبي من مكانه عنوة!

ما في نصيب!

كان هذا ردّي على كلّ شاب يتقدم لطلب يد ابنتي، وفي كلّ مرة يطلبها أحد يعتريني غضب حاد.  أرفضه، ثمّ أجلس وحدي وأبكي بحرقة، لم أدع أحدًا يراني باكيًا، أخترعُ الأسبابَ والحجج لرفض كلّ متقدم، ثمّ أتذرع بصغر سنّها، وفي الحقيقة لم تكن صغيرة سِوى في ناظريّ.

لم أتصوّر أنّها ستكبر يومًا.. عصفورتي ستبتعد عنّي لتغرد في عشٍ آخر، وتصبح في ذمة رجل غيري. هذه المرّة كان عليّ أن أُحكّم عقلي مع قلبي وأمتثل لسنة نبينا وسنة هذه الحياة، أن أوافق على خطبتها لرجلٍ أرتضيه دينًا وخلقًا وكرمًا. الكرم صفة نبيلة ومهمة جدًا بالنسبة إليّ، وليس الكرم في الإنفاق المادّي وحسب، إنما في الإنفاق المعنوي. أريده كريمًا في حبّها وتدليلها وإرضائها، مثلي تمامًا.

 تــمّ النّصيب. فرحي يخالطه الحزن والقلق،  أراقبُ الشّمس وأطلب منها ألّا تغيب، لكنّها تأبى.. يقترب معها موعد الزّفاف ويرتجف خافقي قلقًا وخوفًا. ما زلت أراها صغيرتي وأخشى عليها من أي مكروه ربما تخبئه الأيام؛ من نصيبٍ قد لا يسعدها، أو ظلم يقصُّ جناحها، هي عندي آمنة مطمئنة.

جاء اليوم الموعود، وصلت أميرتي من صالون التّجميل، في فستانها الأبيض وطلتها البهيّة. في انتظار  موكب أميرها، ها هي وردتي أينعت، وجهها وضّاء كالبدر، رشيقة ميّاسة تتمايل فيتمايل قلبي معها، هي غصن البان وحمامة الدّار، إنّها نظري وقلبي يكون حيث تكون، حتى إذا ما وقفت يميني كان قلبي في الجهة اليمنى.

دخلتُ برفقة أعمامها وأخوالها سلّمنا عليها وأهديناها “النقوط”. عانقتني، بكت في حضني، ثمّة دمعة غلبتني وانسابت على خديّ.. قبّلتُ جبينها، وخرجنا إلى حديقة المنزل في انتظار وصول أهل العريس لاستقبالهم.  

وصل الموكبُ البهيج، السّيارات تزمر والنّسوة تغني وتزغرد، وقفت سيارة العروس المزدانة بالورد أمام باب المنزل مباشرة، ترجلت والدة العريس وقريباته ودخلن عندها، وهنّ يهزجن:

قومي اطلعي قومي اطلعي مش همك… واحنا حطينا حقوق أبوك وعمك

قومي اطلعي قومي اطلعي من حالك…واحنا حطينا حقوق أبوك وخالك

بعد وقتٍ، دخلتُ لأخرجَ وردتي، كنتُ صامتًا شاردَ الذّهن أوزع نظرات بين الحاضرين بابتسامة لطيفة ودمعة عصيّة. يبكي قلبي ويبتهج في آن، أُمسكُ يدها وأشد عليها، نخطو بفرحٍ لا يخلو من نفحة حزنٍ لطيف ناعم، وتُحيطنا النّساء بالزغاريد والغناء. يعزّ عليّ مغادرتها هذا العش الذي نمت فيه وكبرت..

طلعت الأميرة وزينت هالحارة  *** يا إيدها الحلوة وبلاش سوارة

طلعت الأميرة زينت هالحوشي *** يا خدها الأحمر وبلاش نقوشي

أعطونا عروستنا يا دار الوزر ***  أعطونا عروستنا نلبسها حظر

أعطونا عروستنا يا دار الأمير *** أعطونا عروستنا نلبسها حرير

حلفت عروستنا ما تطلع ع فرس *** إلا في تكسي وحواليها حرس

 ينتظرها زوجها مبتسمًا فرحًا، ها قد فاز بأجمل الأميرات. نظرتُ إلى وجهها الملائكي، ضغطتُ على يدها ثمّ سلمته إياها وقلتُ بصوتٍ مخنوق يكاد يبكي: هي الأمانة صارت عندك، حافظ عليها.

ركبا في سيارتهما الخاصّة، وبدأ الموكب يتهادى ليتجه إلى قاعة الأفراح، بينما تغني النّسوة اللواتي خرجن خلفها:

كثر الله خيركم… يخلف عليكم..

كثر الله خيركم…ما لقينا غيركم..

حلو النسايب…ما لقينا غيركم..

عدتُ إلى المنزل وحدي أذرف الدّموع، يومها لم أنم طوال الليل  أفكر بها،  أتذكرها، وأدعو لها:” إيه والله كبرتِ يا بنتي”.

بعد زمن، الله أكرمني بالاطمئنان عليها؛ إنّها في ذمة رجل شهم يخاف الله فيها ويكرمها، مثلما أردت وتمنيت. مرّت الأيام، وأسعدني الله حين علمت أنني بعد شهور سأصبح ” الجد العجوز”، وقتها ملكتُ الدّنيا كلّها في يميني.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق