عام 2019: الأحلام المؤجلة من وجهة نظر أمّ

في سؤال إذاعي وُجه لي حول الهدف الذي حققته، أو بالأحرى المركز والمنصب الذي نلته في ظل دور الأمومة الذي أقوم به.

قبل أن أدخل ميدان الأمومة كنت أضع أسبوعياً خطتي الشخصية، فأرصد الأمور التي أرغب بإنجازها على مدار الأسبوع، كما هو الحال في الخطة السنوية التي كنت أكتبها مع بداية كل عام حتى أني وضعت خطة للعام 2050، -لا أدري ما الجنون الذي كان يتنابني في تلك اللحظة-. المهم أن كل الخطط السنوية منذ العام 2013 حتى اللحظة محفوظة بدفتر خاص، فأقوم بتوزيع الأهداف على مدار الشهور ليصبح إنجازي لها أسهل، على أن أقوم بتقييم ما قمت بانجازه شهراً بشهر.

بعد إنجاب طفلي الثاني توقفت عن تدوين أهدافي، ليس تكاسلاً، بقدر أن الواقع وطبيعة المرحلة قد تغيرت. في الوقت الذي كنت أضع فيه هدفاً بقراءة كتابين شهرياً يصبح اللعب مع طفلي واهتمامي به أكثر جدوى من القراءة ذاتها، أو في الوقت الذي يكون فيه تعلّم مهارة في مجال عملي الصحفي هدفاً، قد يمرض طفلي في ذاك الشهر، أو تتراكم عليّ♣ المسؤوليات الاجتماعية، أو تصبح مشاركة طفلتي اهتمامها بالذهاب للمكتبة هدفاً أخر يحل محل الهدف الرئيس؛ وبهذا إما أن يُلغى الهدف الخاص، أو يُعدّل على الأهداف بطريقة تجعل عملية تنفيذها تقوم على قاعدة “قليل دائم لا كثير منقطع”.

كنت اعتقد مسبقاً أن قيمة الإنسان بما ينجزه من أحلام وطموحات، وكنت دوماً أسير وأخطط وفق هذه الفرضية، لكنّ الأمومة غيرتني كثيراً، قامت بإعادة صناعتي وتشكيلي، كوّنتني بطريقة غريبة، وأعادة ترتيب الكثير من الأمور بصورة فاقت توقعاتي ليس لذكائي أو لحكمتي بل لأن طبيعة الدور يفرض هذا النوع من الترتيب وإعادة النظر للأمور بطريقة مختلفة، فاكتشفت فيما بعد أن كل هذه الأحلام والطموحات التي كنت أخطط لها كانت مادية بحته، ماذا عن القيمة المعنوية أو بشكل أدقّ “الروحية”؟

في الوقت الذي كل شيء فيه يقاس بالكم؛ إنجازاتنا، سفراتنا، لبساتنا، علاقاتنا، تأتي “الأمومة” لنسف كل شيء، وكأنها تقول لنا كأمهات “تعالو أفرجيكم الحياة العظيمة.. تعالو آخدكم على منطقة أكثر هدوءاً وأمناً.. منطقة بتخليكم تشعروا بالسلام الداخلي بعيداً عن عالم الأرقام.. هاي المنطقة متعبة.. بس جميلة جداً”

♣ أن تكون المرأة أماً يعني في حقيقة الأمر أن تنتقل من الحياة المادية إلى الحياة “الروحية” بمعناها التامّ، هذه الحياة التي تجعلنا كأمهات نبحث عن القيمة الحقيقية للأفعال، للتعب والسهر والنظر في عيون أطفالنا. المعنى الحقيقي لمراقبة تطور أطفالنا ونموّهم، بداية المشية الأولى، والسن الأوّل، والطعام الأول، وكلمة” لا” الأولى.

أن تكون المرأة أماً يعني أن تتأمل السماء لأجل أن تساعد أطفالها على التحليق فيها، لكي تعلّمهم الطيران.

أن تكون المرأة أماً يعني أن تتأمل أجنحة الطير، فتبني لأطفالها أجنحةً من العلم والقوة والثقة والذكاء والإبداع، أجنحة من معاني”الحرية” ورفض كل أشكال العبودية.

♣ أن تكون المرأة أماً يعني أن تتأمل أشياء لم تتخيل أن تتأملها يوماً، أن تتأملّ إجابتها عن أسئلة أطفالها حول “القيم”. كسؤال الفرق بين قيمة الشجاعة والتهور، الحياء والخجل، الحرص والبخل.

أن تكون المرأة أماً، يعني أن تبني المعاني الروحية بداخلها، فتمررها ذاتياً لأطفالها؛ الصدق، التواضع، احترام الآخرين، تقديم المساعدة للآخرين، وإدخال السعادة على قلوبهم. وغيرها من المعاني مما لم نعد نفكرّ بها في ظل ازدحامنا بعالم الأرقام، في ظل عشوائيتنا وتخبطنا مع وفرة وسائل التواصل الاجتماعي. وبهذا يصبح السؤال عن الأهداف والطموحات في عالم “الوفرة الروحية” كأمهات سؤالاً غير مجدٍ، لاقيمة له، أو بالأحرى سؤالاً إجابته قد تبدو غير منطقية للآخرين.

في واقع الأمر لم أعد أتأسف على قائمة من الأهداف غير المحققة، لم تعد نوبات تأنيب الضمير تجتاحني، توقفت كل لحظات جلد الذات، والتأسف على كثير من الفرص التي قد ضاعت قسراً أو اختياراً.. هذا هو معنى أن تكوني “أماَ” مزيداً من السلام الداخلي.. مزيداً من الأمن والدفء.. مزيداً من الأحلام المؤجلة..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق