عاممجتمعمنوعات

في غزّة.. حيل لتغدو “العروس الفقيرة” مَلِكة

تتمايل “نسرين” كما الوردة التي سميت باسمها، على وقع أنغام الأغنية المصريّة الشهيرة “ما تزوقيني يا ماما أوام يا ماما، ده عريسي هياخدني بالسلامة يا ماما”، أمام والدتها في صالون بيتهم الصغير، مدندنة بكلمات الأغنية مع ضحكاتٍ تملأ البيت بهجة، وهي التي زيّنت بُنصرها الأيمن بــ “الدبلة” واقترب موعد زفافها.

المشهد المبهج هذا لا يعكس الصورة كلها، فنسرين تلك، “صاحبة الصون والعفاف”، التي نالت من الحُسن والرقة مبلغها، يساورها الخوف كثيرًا من اقتراب زفافها دون أن تكون قد أتمت “جهازها” وتحضيراتها، والخشية من أن تسمع “كلمة مسمومة”، أو تعليقا من إحدى النسوة سليطات اللسان: “بس هاد جهازها؟ ليش مش جايبين كذا؟”.

طوال اليوم كانت تفكر، كيف تحصر مستلزماتها في الضروريات فقط، فمرة يقول لها عقلها، “ضايل كتييير ما جبناه، من وين بدنا ندبرها، والمهر عالقد” ومرة أخرى تعاود رشدها، فتقول “بندبرها وربنا بيعينا ونسند بعض، بنجيب الضروريات”، لكنّ الحيرة أكلت قلبها ولم تجد مكانًا تودع فيه سرّها، أكثر أمانًا من قلب أمها.

بعد أن نام إخوتها وأخواتها، طرقت نسرين باب والدتها لتسامرها، وبدلًا من أن تفكر وحدها، وجدت ونيسة تشاركها، لكن المفاجأة كانت عندما قالت لها أمها “مش جاييني نوم، بفكر بجهازك، وكيف تكوني ستّ البنات والعرايس كلّهم”، احتضنتا بعضهما وأخذ الدمع مجراه في الروح، بين قلبين تعلقا على جسر الرجاء، وأخذتا ترددان “يا رب بيّض وجوهنا وأعنا”.

“التطقيم” واستحداث القديم

الوالدة الذكية “أُم إبراهيم” لم تتوانى عن سؤال السيدات والجارات عن أماكن تبيع قطعًا جيدة، لكن بسعرٍ منخفض، كما تسعفها فطنتها إلى ارتكاب “الحيَل” الجميلة بهدفٍ نبيل، فلا هدف أمام عينيها إلا أن تزف قرّة عينها بأبهى طلة.

“العين بصيرة واليد قصيرة يا أم محمد”، تشتكي أم إبراهيم لجارتها المقربة، من كثرة ما تجده في الأسواق ويجعل عينا ابنتها “تزوغان” وهي تتأمل أن تحصل عليه كباقي العرائس، لكنها تستدرك بالقول “زوجها بالدنيا كلّها، شاب خلوق ومتدين، وخذوهم فقراء يغنيهم الله، وإن شاء الله لما يصير معه أكثر مش حيقصر معها”، ولم تكن تدري أن “أم محمد” تمتلك لديها سرا صغيرا هي الأخرى.

وكمن يتفوّه بأسرارٍ عسكريّة أو مهمّة، اقتربت “أم محمد” من قرينة قلبها وشدّت على يدها، ثم همست بالقول، “كلام في سرّك يا حبيبتي، بناتي الثنتين جهزتهن بأقل التكاليف لكن كلّ من شاف جهازهن قال ما شاء الله، وما خليت بنفسهن إشي”، أم إبراهيم زادت لهفتها متسائلة “ما طريقتك يا ترى؟!” وضربتا كفيهما ببعضهما ضاحكتين.

“أم إبراهيم” أسرّت لــ “بنفسج” بما قالته “أم محمد”، فالطريقة الأولى هي “التطقيم” قائلة: “ليس علينا أن نشتري طقمًا كاملًا من قطعتين أو أكثر بسعر مرتفع، طالما نستطيع أن ننسق قطعتين مثلًا “كالجاكت والتنورة” معقّبة: “المهم الاعتماد على الذوق والذائقة، وابنتي فنانة في ذلك”.

كما همست لنا بأن استحداث القطع القديمة طريقة ناجعة بالفعل ومجربة، فقالت “لا بأس أيضًا أن تستخدمي قطعًا قديمة عندك، أو تستحدثي القديم، اغسليها واكويها جيدًا أو جددي لها الأزرار وأضيفي لمسة بسيطة كعلاقة أو اكسسوار أو شبرة حريرية، ستبدو البلوزة القديمة العادية قطعة فاخرة”، ولا تخبري أحدًا بهذا السر إلّا من تحبينها.

“عُلب العرائس”

في مشهد آخر؛ كانت العروس “أماني” تنزع ورقة جديدة من التقويم وهي تعدّ الأيام المتبقية لموعد زفافها. وفجأة تذكرت كلمة جدتها حين كانت تخبئ أثمن ما لديها لا سيما الأشياء غير الظاهرة فيما يعرف بــ “علب العرايس”، فتساءلت هذه المرّة “ماذا تخبئ لي علبتي وأنا العروس”.

الجواب لم يكن بعيدًا، فأمها الطيبة كان لها “بُعد نظر” وهي من أنصار جماعة “قرشك الأبيض في كل أيامك وليس في السوداء منها فقط”، حتى اعترفت لها بأنها ما زالت تحتفظ ببعض قطع الملابس المغلفة، وقطعة ذهب صغيرة كان “نقوطها” عند الميلاد، وبدا الاحتفاظ فيها حتى الآن كمن يحتفظ بقطعةٍ ثمينة في متحف، “إنه قلبُ أمي، الذي يحفظنا ويحتفظ لنا بأشيائنا، كما لو كان متحف اللوفر!”، قالت أماني.

صمتت هنيهة ثم صرّحت لـ”بنفسج”، “أمي أبلغت خالاتي وصديقاتها التي كانت تساندهن دومًا، بأن يساعدوننا في الجهاز، لتكون “علبة العرائس” الخاصة بي ممتلئة بما يعبأ روحي بالسعادة، كل واحدة منهن تقدمت بفكرة أو قطعة، أو مبلغ بسيط، كمباركةٍ استباقية، وكانت فرحتي بالأمر لا توصف”.

التوفير في الأسواق الشعبية

السيدة الحكيمة و”مختارة الحارة” كما يصفنها جاراتها ومعارفها، “أم توفيق” التي وفّقت رؤوسًا كثيرة في الحلال، وكانت تفرح لكل فتاة كما لو أنها ابنتها، تُدلي بأسرارها العظيمة في أذن كل فتاة تريد السعادة، وتؤكد دومًا “القناعة يا بنيتي، هي سعادتك، البهرجة ما بتفيدك، ما تثقلي عليه بالديون وبكرة تقلب حياتكم جحيم”.

تلتقط أنفاسها بصعوبة بعد أن بلغت الخامسة والستين، وفي كلّ تنهيدة تحسّ كما لو أن الأرض قد منحتها الحكمة من جذورها، وأخذت تكبر فيها ومعها، قالت ناصحة السيدات والفتيات بأنّهن قادرات على تدبر أمورهن بمبالغ بسيطة، وتجهيز فتياتهن بطريقة معقولة وبسيطة، أسوة بها عند تزويجها لفتياتها الخمس.

لا تتحرج “أم توفيق” في الاعتراف بأسرارها كلها وكأنها تصنع معروفًا، وفي كل مرة توجّه النسوة إلى التجهيز من الأسواق الشعبية، فهناك “كنز كبير”، وتضيف “كنت أشتري المفارش والمناشف والأغطية من السوق الأسبوعي، بسعر جملة الجملة، وتكون نفس القطعة في الأسواق، بسعرٍ مضاعف”.

وفي الممر المؤدي لغرفة العروسة “سحر”، جلس والدها الستيني المتقاعد يندب حظه، ويتساءل “قديش ضايل لازم ندفع مشان نبيض وجهنا قدام الناس بجهازها؟” لترد زوجته بمقولتها التي تحب: (بنت النبي عانت واستعانت). وهي تقصد بها، “الفتاة إذا رضيت واتكلت على الله في التدبير”.

لكن يبدو أن الأمر بدأ ينغص فرحة “سحر” ولم يطمئنها كلام والديها، قائلة “انتهى الزمن الذي كنا نقول فيه المثل الشهير (من دبرت ما جاعت ومن رقعت ما عريت)، فمن غير المعقول أن أذهب لبيت عريسي بأثواب مرقعة، وعليّ أن أفرح كما الجميع”.

في اليوم التالي، أخذتها والدتها إلى “سوق المعسكر” بعد أن “فكت جُمدَتها” -أي المبلغ الذي تم ادخاره- وصرفت “تحويشتها”، ثم توجهت بها إلى أحد المحلات الشبيهة بــ الأوكازيون، ولديه كلّ الملابس جديدة وجميلة لكن عليها تخفيضات. انتهت من تجهيز الملابس الداخلية وأغراض العرائس بنحو 100 دينار أردني، تنفست الصعداء حمدت ربها وقالت “أنهينا جزءًا كبيرًا”.

ففي غزّة مثلًا يعرف النسوة المحلات التي تبيع بأسعار منخفضة حتى ضمن الأسواق العادية، وعادة ما تختلف الأسواق؛ فسوق الرمال ليس مثل سوق البلد، أو الشيخ رضوان، أو جباليا. كما أن بعض الأسواق تسمى بأسماء الأسبوع في كل محافظة على حدا، فهناك “سوق الجمعة بغزة، والأحد في النصيرات وسط القطاع، والاثنين في رفح”. وتتّسم هذه الأسواق بانخفاض أسعارها مقارنة بالأسواق العادية لأنهم يفتتحونها ليومٍ واحد كل أسبوع.

اصنعيه بنفسك

“رسميّة” فتاة الجامعة “الشِيك” التي كلما رآها أحدهم أعجب بأناقتها البسيطة، فهي ذواقة وتعرف بعينها “الناقدة” من أين “تؤكل الكتف” أو بشكلٍ أدق “من أين يقص القماش”، فكانت تطالع المحلات في طريق عودتها إلى منزلها، وتفكر في طريقة تجعلها تصنع مثيلًا له بتكاليفٍ قليلة جدًا، لقد كانت “أينشتانة” عصرها، في اكتشاف الجاذبية بطريقة أخرى.

لا يتطلب الأمر سوى زيارة إلى محل “العم أبو شكري” برفقة والدتها، واختيار قطع القماش المناسبة للموديل الذي رأته، أو حتى لفكرةٍ خطرت في بالها وأحبت لو تراها مُخاطة، ثم تحضرها إلى والدتها بعد أن أصبحت تحفظ مقاساتها عن ظهر قلب، وتبدأ بحياكة القطعة التي لا تكلف سوى سعر القماش، وتهمس لـ”بنفسج” بسرٍ آخر: “إذا أحببته، اصنعيه بنفسك”.

تصفيات الماركات

“شو رأيك تلبسي ماركة؟!” قالت إحدى الرفيقات الحريصات للعروس “هدى”، لترد الأخيرة بالقول: “بتتمسخري! من وين ماركة، بس اشتري عادي بالأوّل، إنتِ عارفة أهلي ناس متعففين، والعريس حاله من حالنا”، لكنّ الرفيقة شدّتها لتخبرها الطريقة المبتكرة بحسب وجهة نظرها.

“الناس يأخذون بالمظاهر، هذه حقيقة يا حبيبتي، وحتى لو لم تكوني قادرة لن يرحموكِ، لكنّ عليك التفكير في حيلٍ ذكية”. قالت الصديقة الناصحة ثم ضحكت عاليًا، وهو ما  جعل العروس تبدو متحمسة بالفعل “أريني حيلك يا محتالة، تشوقت كثير”.

أخبرتها بأن محلات الماركات العالمية تجري تصفيات نهائية بعد كل موسم وتعرض البضائع المكدسة من الموسم الماضي، للبيع مرة أخرى ولكن بأسعارٍ زهيدة جدًا، ففترة الخطبة طويلة من سيعرف متى اشتريتها، تصرفي وكأنك اشتريتها في موسمها، وستبدين عروسة “فافي” -هاي كلاس-، لكنها في الواقع أرخص من أسعار البضائع المحلية في وقتها. وحلّفتها أن لا تقول الطريقة لكثيرين ولا تكشف أسماء محلاتها جميعهم لشخصٍ واحد.

نصائح للتسوّق

“ليس عيبًا أبدًا أن تستخدمي ذكاءك وحيلكِ كي لا تقعي ضحية لمن يحاولون استغلالك وخداعك دون مراعاة الظروف الاقتصادية، فالمهم مصلحتهم”. بهذا مهّدت السيدة الخمسينية “وفاء” حديثها قبل البدء بتعليماتها لأمهات العرائس، مؤكدة أنه ليس المهم انتقاء ملابس كثيرة دون جدوى، “المهم ألا نشعر بنقص في جانب معين، فالاكتفاء “جنّة”.

أخذت تعدّ على أصابعها وهي تلقي بتعليماتها كقائدة سياسية، قائلة، “عليكِ في البداية ألا تجعلي التاجر يعلم بأن المشتري هي العروسة، ولا بأس إن لم ترتدي دبلتها خلال التسوق، فالتجار طمّاعين ويعتقدون بأن كل فتاة مخطوبة هي “بنك متنقل ومعها مصاري كثير”، فلا تدعينهم يستغلون هذه النقطة، وعليكِ بإخفائها”.

تتلمس الإصبع الثاني وتقول، “صلي على النبي، واختاري أوقاتًا جيدًا، خاصة إذا كان معك المجال الكافي في الخطبة، ليس من الضروري أن تجهزي الملابس الشتوية في بداية الموسم، فتكون مرتفعة السعر بطبيعتها نظرًا لحالة السوق، لكن انتظري حتى انتهاء الشتاء وجهزيها بنصف سعرها، فهي بكل الأحوال ستوضع في الحقائب لحين موعد الزفاف”.

أما الأمر الثالث الذي يتعين عليكِ معرفته: “اشتري قطعًا مختلفة الألوان حتى لا يبدو جهازك متشابهًا وقليلا، كما عليكِ أن تنوعي في القصات والنوعيات، ليس فقط لأجل الناس الذين سيشاهدونه، إنما لأن “عريسك يحبّك مختلفة في كلّ مرة”.

طوت اصبعها الرابع أيضًا، وأسرّت “اقتني قطعة بارزة وأخريات حولها، فلا تشتري أكثر من قطعة واضحة أو مكلفة، تكفي واحدة وبقية القطع منوّعة وخفيفة وزهيدة السعر، كي يبدو أن الجهاز فيه “من الحامض للحلو كما يقولون”.

تقبض على يدها معلنة إتمام نقاطها الخمس، وهي تؤكد بأسلوب رجال الأعمال والإداريين نصيحتها الأخيرة “اعقدي الصفقات الناجحة” مع البائع، فمثلًا عليكِ أن تقدمي عرضًا مغريًا له وتبدين وكأنك تقدمين إليه فرصة في شرائك، فمثلًا إذا كنتِ ذاهبة عند محل لمستحضرات التجميل، فأنت بالطبع لن تشتري قلم “كحل” واحد، وإنما كمية، وبالتالي اسأليه في البداية عن سعر القطعة الواحدة ثم قولي، “ماذا لو أخذت منك كمية؟ واشتريت من عندك، بكم ستحتسبه لي؟ وماذا ستعطيني هدية عليه؟ لا ترضي بالقليل، وكوني متيقظة”.

في النهاية، علينا أن ندرك أن الأناقة مبدأ الذوق لا التكلفة، وأن قرار السعادة أعظم من البهرجة الخادعة، وأن كلام الناس وتعليقاتهم لن تجدي نفعاً في كل الأحوال. افعلوا ما تحبون، فطالما سمعنا امرأة حكيمة تردد المقولة الشهيرة “أهل الذهب ذهبوا وأهل المال مالوا”.

 

 

هدى العف

صحفية فلسطينية من غزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق