حواراتعام

الفن.. صديقٌ التقته “ملك” خلال الحرب

طفلةٌ ضاقت ذرعًا من الشعور بالخوف من الحرب، فأغلقت أذنيها عن أصوات الانفجارات، واستعانت بالألوان، لتنهمك في رسم ما تراه في واقعها المؤلم، وما تتمناه في خيالها الخصب. فعلت ذلك لتهرب من الخوف، لكنها حصلت على ما هو أكثر، لقد اكتشفت موهبتها الكامنة؛ فكانت هذه هي الخطوة الأولى للرسّامة “ملك مطر” في طريق الفن.

ملك (19 عامًا) طالبةٌ في كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة “أيدن” في تركيا، رسّامة فلسطينية نشأت في غزة، وتعلمت الفن ذاتياً بالاعتماد على نفسها.

خوفٌ وفراغ ولّدا تجربة فريدة

تقول مطر: “بدأت أرسم عندما كنت في الرابعة عشر من عمري، أثناء الحرب الأولى التي شنّها الاحتلال على قطاع غزة. آنذاك، كنت أرسم رسومات طفولية مليئة بمعاني الدمار والحب والأمل معًا”.

وتضيف: “توجهي للرسم في الحرب كان بسبب صعوبة الأوضاع، كان حالي من حال كل فلسطيني في غزة في ذلك الوقت، ومع كوني طفلة كان شعور الخوف فيَّ كبيرًا للغاية، وكان عندي وقت فراغ كبير، حاولت أن أستثمره بأن أصنع شيئًا من العدم، من الفراغ، فوقع اختياري على الرسم”.

عندما اكتشفت مطر أنها موهوبة في الرسم، قررت أن تعطي موهبتها ما يكفي من الاهتمام، فأخذت تتعلم الرسم بنفسها، عبر الإنترنت وبالتجربة.

توضح ملك: “انخرطت في رسم الاسكتشات واللوحات حتى تمكنت من الرسم، ولم أكن أفعل ذلك تحت إشراف أحد، ولكن بعدما قطعت شوطًا في الفن، وجدت من يوجهني”. تضيف: “الاستمرار في التجربة والسعي للتطوير هو كلمة السر هنا، أعتقد أن الاستمرارية هي أهم عنصر في أي حرفة”.

لم يأخذها الرسم بعيدًا عن الدراسة، ولم تخدع الألوان المبهجة الطفلة، فاهتمت بدراستها على أكمل وجه، حتى إذا وصلت الثانوية العامة، كانت صاحبة الترتيب الأول على قطاع غزة في الفرع الأدبي، والثاني على مستوى فلسطين.

والملفت أنها أثناء الثانوية العامة، حاولت الجمع بين الدراسة والرسم في بداية العام الدراسي، لكن التركيز على الدراسة تطلب منها التوقف عن الرسم لعدة أشهر.

الاستمرار في التجريب والسعي للتطوير هو كلمة السر في نجاح أيّ موهبة

ولكن؛ بعد هذا التفوق، ماذا ستدرس ملك؟ الإجابة الصادمة للكثيرين كانت أنها ستختار تخصص الفنون الجميلة دون تردد، كانت جريئة وقوية بما يكفي لاتخاذ الخطوة، لكن الظروف لم تساعدها، فاضطرت لاختيار واحد من التخصصات المحدودة التي تقدمها المنحة التي حصلت عليها، وهو العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

الظروف تقف مرة أخرى في وجه مطر، فمعبر رفح البري جعلها تنتظر كثيرا، وعندما تمكنت من السفر كانت قد فقدت من الوقت سنة دراسية كاملة. توضح: “صحيحٌ أنني تمنيت دراسة الفن، لكنني اليوم سعيدة بتخصصي، فهو يمنحني آفاقًا واسعة، ويساعدني على فهم العالم ومجريات الأحداث بشكل عميق”.

للعالم: “بصلة” من أجل السلام

بعد أن تمكنت من الرسم، اتجهت باهتمام بالغ نحو الحداثة ومعاصرة الواقع، لذا فهي تحرص دومًا على اختيار موضوعات لوحاتها، وفقًا لما يشغل الشارع الفلسطيني، بالإضافة إلى القضايا العالمية التي تشترك مع فلسطين؛ كالفقر والبطالة والعنف، وذلك لإيمانها بأن “الفن رسالة قوية وذات تأثير على المتلقي”، على حد قولها.

الفن رسالة قوية وذات تأثير على المتلقي

وفيما يتعلق بكيفية طرحها للمعاناة الفلسطينية بطريقة تجعل لوحاتها مؤثرة، تبيّن: “أتطرق للموضوع من جانب إنساني بحت، ولكن أهم شيء هو صدق مشاعر الفنان في اللوحة”.

وتؤكد: “هدفي من لوحاتي المتعلقة بالقضية الفلسطينية، هو أن يصل ما يمرّ به قطاع غزة بشتى الطرق إلى العالم كله، خاصة الغرب”.

وفي سبيل الهدف ذاته، شاركت مطر في أكثر من 30 معرضًا حول العالم، أغلبها في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وكانت أولى مشاركاتها في المعارض عندما كانت بعمر الخامسة عشر. تقول: “المشاركة في المعارض؛ تعني نشر قصة الفنان وحياته وأفكاره، وهي تجربة مهمة جدًا في حياته العملية”.

من بين رسوماتها، كثيرة هي اللوحات التي أحبتها، ولكل منها إلهامها وقصتها، لكن أقربهن إلى قلبها لوحة “بصلة من أجل السلام”، وهي مقتبسة من لوحة للفنان الإسباني بابلو بيكاسو.

الفن بالنسبة لمطر “أكثر من صديق”، وتفسر هذه العلاقة بالقول: “نحن دائما بحاجة إلى التفكير فيما نقوله، و لكن عندما يتعلق الأمر بالفن، فما عليك سوى الرسم دون تفكير”.

وعن اكتشاف الموهبة في وقت مبكر، تقول: “لا أزال في بداية الطريق، والفن شيء كبير، لذا أنا سعيدة باكتشاف موهبتي مبكراً، وهذا ما يعطيني حافزًا كبيرًا لأتعلم أكثر”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق