كِنْدا: الحياكة لغتي وقناة “شال” مشروعي الأول

كان يومًا صقيعيا، تحديداً بعد الظهر. كان أحد تلك الأيام التي لا يهم فيها عدد الطبقات الصوفية التي تكدسها لتنعم بالدفء، حيث ستظل رغم ذلك تشعر بالبرد. لقد كنت متأخرة كعادتي، أرتجف وأنا أقاوم الريح. رأيتُ كِندا من خلال واجهة المحل، الذي يكون مفتوحاً في الأيام الدافئة.

كان مقهى ومحلاً لبيع الكعك، يقع بعد رصيف حيوي، فيه نصب بعضٌ من الشجعان أكشاكهم بسلع يومهم، ما بين أشجار عيد الميلاد المقطوعة حديثاً، والسيارات المصفوفة التي ربطت بأسقفها حزم شجر الصنوبر والتنوب.

سريعاً، امتلأت نظاراتي ضبابا بدخولي المقهى مع حرارته المفاجئة بعد حرارة ما تحت الصفر خارجًا. كان الطقس الدافئ مليئاً برائحة القهوة الطازجة والكعك، ولم يكن في المقهى سوى بعض الزبائن.طلاب من الجامعة المجاورة، كانوا قد نصبوا حصونهم المزودة بالكافيين على بعض طاولات المقهى، وبدوا كأنهم مستقرين لبقية اليوم. راحة تملأ المكان تجعلك تريد البقاء إلى الأبد، مختبئًا من الرياح المتلاطمة خارج الباب.

مع الطقطقة الخفيفة للأكواب وضرب الأشواك بالصحون، والهمهمة القادمة من المحادثات البعيدة، بدت وكأنها البقعة المثالية لمقابلة “كِندا الحملي”.كانت قد سبقتني مزودة نفسها بكأسٍ من الشاي الدافئ ومحاطة بكومٍ صغير من كرات الصوف وقماشة محاكة. دائما ما كانت قادرة على ملء حقيبتها الصغيرة بأشيائها الجميلة وأعمالها غير المكتملة بترتيبٍ مبهر.

أحضرت كندا بعضاً من أشيائها المفضلة، مدّت يديها لتريني النسيج الكستنائي. لقد كان في معظمه عبارة عن سترة بسيطة بغرزات متراخية، مع تفاصيل زهرية اللون حول منطقة الرقبة والأصفاد، مما أضاف بهجة امتزجت ببساطة الرداء.

“إنها أول سترة رسمية لي، إنها بسيطة جدا. الأجزاء غير المتماثلة فيها رائعة حقاً. عندما بدأت في حياكتها كسترة من أعلى لأسفل لم أكن قادرة على تخيل أنني سأنهيها، أسائل نفسي: كيف سأقوم بذلك؟

اعتقدت أن الأمر لن ينجح، كنت أتابع بالتجربة. لقد كانت نسيجا حبكته في مرحلة صعبة من حياتي، كنتُ لا أعرف ما إذا كان نمط الحياكة صحيحاً أم لا. لكن عندما انهيتها، كانت سببا لأن تتحسن أوضاعي، لذا  كلما ارتديتها الآن منحتني الشعور بأنني قوية، هي تعطيني كل المشاعر الجميلة”.

حاولتُ دفعها لتتكلم أكثر عن تلك المرحلة من حياتها: “لقد كانت سنتي الأولى في كندا، كنت جديدة في هذه البلد، ما جعل الأمور أكثر تحدياً، وكان لدي تجربة عمل صعبة ولكن مثالية؛ حصلت على ترقيات، ولكنني لم أكن سعيدة. أحياناً يكون عليك أن تختار ما هو أكثر أهمية: هل اللقب هو ما يهم، أو ما تشعر به في داخلك، أم رسالتك في الحياة؟

مرةً أخرى، لقد كنت قادمة جديدة وشعرت بضرورة أن أثبت نفسي. هل كنت لأفشل لأنني لم أحبب وظيفتي؟ لقد كانت استقالتي القرار الأصعب على الإطلاق. ومع ذلك كان واحداً من أفضل قراراتي”.

سألتها عما جعل الحياكة ملائمة لتلك الفترة من حياتها، فقالت: “في ذلك الوقت، كنت أحيك أقل من المعتاد، بضعة صفوف أسبوعياً؛ لأنني كنت كئيبة وحزينة. اعتقدت أنني فقدت قدرتي على الحياكة أيضا. ولكن في الوقت الذي قررت فيه الاستقالة، أنهيت السترة. عندما أنهيتها شعرت أنّني ما زلت أمتلك الموهبة. لا زال بإمكاني الحياكة، لا زال بإمكاني الاستمتاع بعملية الحياكة”.

“أود القول إن المشروع كان سهلاً. حتى مع وجود تقنيات جديدة، لم يكن نمطاً صعباً. ولكنه كان مشروعي الشخصي الأول. مسبقاً، كنت أحيك أشياء لغيري أو لقناتي على (يوتيوب). لم أصنع شيئاً لنفسي مطلقاً. لذا استنتجت أنني بحاجة للبدء بالحياكة لنفسي. أردت أن أبدو كحائكة عندما يراني أحدهم”.

ثم طلبت منها أن تحدثني أكثر عن قناتها عبر (يوتيوب) : “اسمها (SHAL)، الكلمة العربية ل”شال”. لقد تعلمت الحياكة منذ بدايتها حتى نهايتها عبر (Youtube)، بعدها توسعت للمدونات وموقع (Ravelry)، ولكن الأمر برمته بدأ مع (يوتيوب)، والآن وصلت “شال” لأكثر من 100 ألف مشترك.

لقد كنت مذهولة عندما تعلمت كيف أصنع جراباً. كان المشروع الأول الذي أنهيته، وقد كان بمساعدة (يوتيوب). مع ذلك، لم أجد أية فيديوهات عربية لتعليم الحياكة. كنت أجد فيديوهات بالإنجليزية والألمانية والتركية، وأستطيع القول إنني اعتمدت على عينيَّ كلما استعصى عليّ الفهم.

هذا أبهرني مرةً أخرى. فلم تكن أي منها لغتي، ولكن الحياكة باتت هي اللغة. جميع من قابلني في وطني سألني، “كيف تصنعين ذلك؟” كانوا قد خبروا وتعلّموا جميع أنواع الصفوف ولكنهم لم يروا مطلقاً مثيلاً لما أصنعه”.

قلت لنفسي:  (لن أجلس هنا لأعلّم كل فردٍ على حدى). سأصنع الفيديوهات وأعلم الناس. لأني كنت أعرف أن هناك الكثيرين مثلي يرغبون بملاحقة صيحات الموضة الجديدة. الحياكة اختلفت عما كانت عليه، ولكن الجميع لديهم اللغة والأدوات التي تجعلهم قابلين للتعلم.

أعرف الكثيرين ممن يريدون أن يبقوا متواضعين قائلين :”آوه لم أتوقع أن يكون ناجحاً”، ولكن بالنسبة لي، كنت على يقين أنه سيكون ناجحاً. كنت على يقين بأنه شيءٌ يريده الناس؛ فالحياكة طريقة للتعبير عن ثقافتنا، وهي عمل مميز بلا ريب”.

سألتها متى بدأت بصناعة الفيديوهات بعدما تعلمت الحياكة، فقالت: “بدأت بتعليم الحياكة بعد ثلاث سنوات من التعلّم؛ فقد كان مطلوباً حقاً في تلك الفترة، وشعرت أنّ لدي رسالة أريد نشرها، والحياكة هي شيء أريد أن أُعرف وأعرّف به. 

شجعني بشدة كل من عائلتي وأصدقائي. أخذني الأمر شهرين لأبدأ. كان لدي صديقة تراسلني يومياً قائلة: “عليكِ تصوير الحلقة الأولى اليوم”. 

أخرجت كِندا بضعة أشياء أخرى وضعتها على الطاولة بجانبها. حملت قبعة “الترقيش” بخيوطها ذات الألوان القشدية والحمراء والوردية البارزة من خلال الغرز المتقاطعة. حول القبعة كان هناك محيطٌ مجعد، يوحي وكأنه من “الموهير”.

“صنعت هذه القبعة بينما كنت أختبر العديد من الأشياء التي اعتقدت أني سأحبها. هذه القبعة هي المفضلة لدي. ليست قبعة صنيعة يومين أو ثلاثة. ظننت ذلك لأن القبعات عادة ما تكون سريعة وسهلة.

بمجرد البدء بها وحياكة الدورة الأولى، علمت أنه سيحتاج الكثير من الجهد والحب. فقد قمت بكثير من الحياكة بالغرزات الرجعية، وجر الغرزات من أسفل لأعلى. في النهاية، صُنعت القماشة المحاكة الأكثر راحة وجمالاً بالنسبة لي. أحبها.. لأنها علمتني كيف أقدر سير العملية.

أمسكت القفازات ذواتيّ اللون الأزرق الداكن، اللتين يحيط إبهاميهما دبابيس دائرية، وعلامات حياكة هنا وهناك. الخيوط كانت متطابقة بعمق، بقعٌ من الأخضر والأرجواني أضافت أبعاداً للقفازات البسيطة الممزقة.

“حكتها قبل أيام. حصلت على الخيط من أحد المحببين لقلبي وأردت أن أصنع شيئاً مريحاً ودافئاً وسهلاً. لم يكن باستطاعتي أن أشكل نمطاً لذا قررت استغلال كل شيء. لا أطيق صبراً حتى أنهي هذه القفازات. أظن أنها ستكون من القطع المفضلة لدي”.

سألتها عما إذا كان الخيط قد أُهدى لها لمناسبة مميزة. هزت رأسها. “لم تكن أية مناسبة مميزة، لقد كانت المرأة التي أعطتني إياه هي المميزة. إنّها التي مولتني أنا وزوجي لنأتي إلى كندا من سوريا.

حالما رأتني في المطار علمت أنني حائكة فقد كنت أرتدي قفازات بدون أصابع. عرفتُ أنّها حائكة أيضا، فقد كانت ترتدي قبعة محاكة. تصاحبنا منذ ذاك”. قلت لكندا: إنها قصة تعارف رائعة. وافقتني القول: “الحائكات دائما ما يميّزن بعضهنّ البعض”.

( المقال الأصلي )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق