التسلط الأبوي: عن خضوع الأبناء لمعتقدات الآباء

“الطفل ليس زجاجة يجب ملؤها بل نار يجب إشعالها”

  (ميشيل مونتيني)

 

تتعدد مجموعة التحديات التي تواجه الآباء في العملية التربوية، من بينها تحدي نقل وتمرير المسلمات والمفاهيم والقيم[1] التي حَملها الأهل أو حُمّلوها على مدار مراحل وسنوات حياتهم. هذه المسؤولية التربوية التي يقومون بها تجاه الأبناء تبدو منطقية ومستحسنة، فلا تلقى وجه معارضة، عدا عن كونها تتسم بالاستمرار والديمومة بلا انقطاع، فلا توضع لها قوانين وقواعد محددة، ولا ترسم على تخومها الحدود، فلا أحد يستطيع أن يقول لأب: “ليس مسموحا لك أن تربّي طفلك على مبدأ معيّن، أو قضية وأيديولوجية ما”.

فغالبية الآباء يرون أن امتلاكهم للحاضنة البيولوجية والاجتماعية، كفيلة بمنحهم كل التسهيلات غير المشروطة لتنشئة أطفالهم على المعتقدات والقضايا التي يؤمنون بها؛ فهي الأفضل والأنسب والأكثر نقاء من وجهة نظرهم.

وفي العادة تتصل محاولات الزرع والترسيخ في هيئة ممارسات تحمل وجها من التسلط التربوي والعنف الرمزي، والذي لا يمكن تفسيره وفهمه في غالبية الأسر العربية تحديدا، التي يُفرض فيها أنماط من القيم والمعتقدات التي يتوجب على الأبناء اعتناقها؛ لتصبح العملية التربوية جزءا من منظومة يمارس فيها الترويض والقهر لا التحرير، فبدل أن تتعهد التربية الأبناء وتأخذ بأيديهم إلى صورتهم الإنسانية، فإنّ ما يحصل هو فقدان قدرتهم على التعرف على جوهرهم الإنساني الذي يبحثون عنه.

أما التحدي الآخر، فهو أكثر صلة بالتربية في عالم الحداثة والتي تبدو كمن يسير عكس ‏الاتجاه ففي زمن “السيولة” هذا تكاد التربية تكون ضربا من العبث، لاسيما إن كانت تقود إلى خلق أطفال منفصمين عن واقعهم مما يؤدي إلى ضياعٍ تام ‏لجهود الأبوين. وبهذا كيف يمكن للأسرة أن تحرز المطلوب في تربية أبنائها على قيم راسخة، ‏وقضايا مركزية في زمن سائل بلا ملامح [2]؟

الحداثة التربوية: ربّوا أطفالكم لزمانهم                                       

                “ليس على الطفل أن يتعلم بل عليه أن يكتشف الحقائق بنفسه”                              
(جان جاك روسو)

 

تربية الأبناء على اعتناق القضايا وترسيخها في اللاوعي، وتمظهرها لاحقا في سلوكيات عيانية، يشكل أمرا “مرعبا” في حقيقته، وفي كثير من الأحيان لا يمكن التنصل منه. فالعديد من القضايا فقدت قدسيتها وسلامتها الموضوعية، ويجري ذلك على القيم والمعتقدات أيضا؛ بسبب العيش تحت مظلة “الحداثة” وتأثيرها على المستوى الفردي والجمعي.

المهم في هذا الطرح، هل يأخذ الآباء متغيّر الحداثة وتجلياته بعين الاعتبار عند تربية الأبناء، هل هناك محاولات لإدراج “الحداثة التربوية” على سبيل المثال في التنشئة الاجتماعية؟ وفي هذا السياق، كيف يمكن فهم مقولة علي رضي الله عنه: “لا تكرهوا أولادكم على آثاركم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”.

ما قامت به الحداثة، هو دفع الإنسان نحو تغيير مواقفه من الحياة، وإحداث تحولات جوهرية عميقة في بنية التصورات السائدة في عالمه ومجتمعه، بالارتكاز على فكرتين أساسيتين: الثورة ضد التقاليد، ومركزية العقل. وكلاهما يستعين بالفردانية والعقلانية والنزعة العلمية والقيم الديموقراطية، لتحقيق الأهداف الخاصة بالحداثة فيما يخص الرفاه والسيطرة وتحقيق الطموحات الإنسانية [3].

عالم الاجتماع التربوي علي وطفة، يجد أن “الحداثة التربوية” ترمي في جوهرها لاستخدام الأسس التي تقوم عليها الحداثة ولكن في العملية التربوية، من خلال تنمية عقلية علمية ديمقراطية في الأبناء، تعتمد على مبدأ الابتكار ومخاطبة العقل وليست الذاكرة، وتنمية حواسهم بالتركيز على الإنسان الكامن فيهم. وهذا النوع من التربية يقوم على تحرير الابن من حصار الأوهام والخرافات والقيم الساكنة التي ورثها من عالم التقاليد، لتنقله إلى عالم ينضح بالعقلانية والتصورات العلمية [4].

وأمام هذه التحولات العميقة التي نشهدها، هل يظلّ إخضاع الأبناء للقيم والمعتقدات التي يؤمن بها الآباء أمرا مشروعا؟ وهل تغيير تصورات الأبناء ورؤيتهم للأشياء يكون عبر العقلية التقليدية؟ أم لا بد أن تؤخذ أسس الحداثة بعين الاعتبار لتشكيل عقلية حداثية أو علمية، ترتكز على التنوير والإبداع وإعادة النظر في التصورات والمقدسات؟

الاستعانة بالحداثة كمتغيّر مُلحّ في التنشئة الاجتماعية هو في حقيقته “رهان تربوي” على حد تعبير العالم وطفة؛ فلا يمكن لأي حداثة أن تتحقق خارج السياق التربوي في المجتمع [5]. ومن أجل التمييز بين معطيات التقليد والحداثة يمكن أن نستعرض هذا الجدول.

الروح الحضارية للحداثة التربوية [6]

المفاهيم العقلية التقليدية العقلية الحداثية
المعرفة أسطورية/خرافية معرفة عقلية
الحقيقة مطلقة/ تقليدية/ تعليمية نسبية/علمية/نقدية
اللغة بيانية خطابية/ مقدسة تحليلية وضعية
العادات والتقاليد ثابتة نسبيا/ مقدسة متغيرة/ وضعية
منهج التفكير امتثال/قبول/ تقليد تحليل/تفكيك/نقد
النظام الاجتماعي إيمان بسلطة الفرد الكارزمية إيمان بالديمقراطية ومبادئها
الانتماء العائلية/القبيلة/الطائفة الوظيفة/الحزب/الصورة الاستهلاكية بمختلف أشكالها
صنع المصير القدرية/قوى خارجية الإنسان والإرادة الحرة
الفرد امتثال وذوبان في الجماعة استقلال وحرية فردية
الزمن الإيمان بالماضي الإيمان بالمستقبل
الكون طابع مقدس طابع دنيوي

الحداثة التربوية، تتطلب من الآباء أن يعيدوا النظر في القضايا التي يمررونها لأبنائهم، لأنه ستأتي اللحظة التي يجدون فيها أنهم بحاجة لتفكيك كل ما وقع في حقيبتهم الفكرية، عدا عن كونهم سيحاصَرون بسلسلة من الأسئلة – الصغيرة الكبيرة- التي ستسبب إرباكا والديّا في علاقتهم مع الأبناء.

ستكون هذه الأسئلة مصدر قلق وإحراج، يهزّ شيئا من “عملقة” الأفكار التي يبدو مشهد انتهائها أيسرَ من حبكة بداياتها في هذا العالم السائل؛ وهنا نتحدث تحديدا عن قضايا مثل: الانتماء لحزب أو جماعة أو اعتناق فكرة دينية أو مجتمعية. فالتربية العربية ساهمت للأسف في تكريس العقلية التقليدية عبر قيم التسلط والجمود، التي تراجعت أمامها العقلية العلمية في مختلف حقول الوجود الإنساني. [7]

الحب الأمومي والتسلط الأبوي

“إذا كانت التربية فنا، فإن هذا الفن لا يعمل في مادة جامدة، كفن النحت، بل تعمل في مادة حية تنطوي على مبدأ نموها”

  (توما الإكويني)

 

الأخصائي النفسي د. غاستون ميالاريت[8] يبين أنه لا يمكن الحديث عن فعل تربوي من غير “سلطة” معترف بها، فالمربي فعليا يمارس سلطة على المتربي وهنا نقصد الابن تحديدا، وإن كانت بأشكال وأدوات تختلف تباعا لشخصية كل منهما [9].

هذه السلطة تمنح الحق والقدرة للمربي على التحكم، واتخاذ الأوامر، وإخضاع الآخرين[10]؛ لتتمظهر السلطة تدريجيا في هيئة “عنف تربوي” يمارس في سياقات وظروف يخضع لها المتربي إما بصورة رمزية أو مادية (فيزيائية). وهذا ما يؤكده عالم الاجتماع بيير بورديو، أن النشاط التربوي في أساسه يقوم ضمنيا على العنف الرمزي، لكونه يتجسد من خلال قوة تُفرض من قبل الأب أو الأم أو جهة أخرى [11].

في ذات السياق، يشير المفكر مصطفى حجازي [12]، أن الطفل العربي يعيش في عالم العنف المفروض داخل الأسرة، والذي يعكس سلطة أبوية يصعب الفكاك منها، لذا نلحظه يعيش بين إكراهات الحب الأمومي والقسر الأبوي. فالأم تفرض هيمنتها العاطفية على أطفالها، وتقلل كل إمكانيات استقلالهم، وتحيطهم بعالم من الخرافات والغيبيات والمخاوف، فينشأ الطفل انفعاليا عاجزا عن التصدي للواقع عبر الحس النقدي والتفكير العقلاني [13] للقضايا والمتغيرات الاجتماعية.

القسر الأبوي، يقوم على قهر الأبناء ووأد الرأي وإشعال فتيلة التعصب الأيديولوجي، وبهذا قد تساهم الأسرة في غرس قيم تسلطية تجعل الابن متصارعا مع ذاته متشاكلا معها [14]. ويظهر ذلك في محاولات نزوعه الدائم للانفصال “القهري” عن هذه السلطة والتحلل منها كلما كبر، أو ينتهي بالانصياع والاستسلام. وفي كلا المشهدين هناك عمليات تُجرى على إعادة تشكيل سيكولوجيته بصورة تجعله غريبا ومغتربا عن أسرته ومجتمعه.

قد يطرح أحد القراء تساؤلا: يحتاج أطفالنا إلى من يعلمهم القيم والمعتقدات، وهذا يكون بواسطتنا نحن الآباء لكوننا نشكل مصدر معرفة حقيقية لهم خاصة في بواكيرهم الأولى. فهل ما نقوم به يعد شكلا من التسلط؟ وكيف سيعتنق أطفالنا محمولاتهم الفكرية والقيمية إذن؟

في واقع الأمر، ليست المشكلة في وجود سلطة يستخدمها المربي لزرع كل ما يرغب به، فالسلطة تعد أساسية ومن مقتضيات التربية، ولا غنى عنها في التنشئة التربوية أصلا؛ لكنّ المعضلة الفعلية تكمن في طريقة توظيف هذه السلطة وفي شكل استخدامها أيضاً.

فهناك من المربين من يوظفها بطريقة إيجابية بفتح باب النقاش والحوار، وأخرى سلبية بالفرض والإجبار والإكراه، فتتحول إلى وسيلة وفعل تسلطي في آن معا. فطريقة التوظيف تحدد ما إذا كان الفعل تربويا خالصا أم تسلطيا مستترا برداء تربوي.

كما أن هناك فرقٌ بين غرس القيم العامة في نفوس الأطفال، كالأمانة والصدق والشجاعة والتي ليس هناك بالطبع خلافٌ عليها، وبين زرع المعتقدات الدينية والسياسية وغيرها، والتي لا يملك الطفل حق الرد والاعتراض، فتغرس في لاوعيه ولا شعوره نظرا للتنشئة الاجتماعية. فنجد أن الطفل يحمل انتماءً تجاه معتقد أو فكرة ما ورثها عن والديه ويتفاعل معها إلى أن يكبر. لذا من الضروري أن يتخير الآباء ما يريدون زرعه في أبنائهم وأن يحرصوا على انتقاء القضايا التي تعبر عن ذواتهم.

الحديث عن السمة التسلطية السائدة في العائلات العربية في هذا التقرير، أمرٌ هامٌ لإدراك الصورة التي يتم فيها ربط الأبناء بالقضايا المجتمعية أو المصيرية. ولتوجيه فهمنا في هذا المسعى نطرح سؤالنا: هل يساهم “التسلط التربوي” في ارتباط الأبناء بالقضايا التي تمرر لهم عبر هذه السلطة؟ وهل يساهم هذا التسلط في استدعاء الأبناء لقضايا مغايرة تعزز انتماءهم وارتباطهم فيها، فتصبح جزءا من محمولاتهم الفكرية الجديدة؟

باختصار، لا يمكن أن ندفع الطفل خارج عشه لكي يفرد جناحه ويطير، إلا عبر بوابة الإحساس بالأمن الذي لا يكون إلا داخل الأسرة، كي يتحرر من القلق والكبت والإحباط، والتي تكون غالبا ناتجة عن الإفراط في استخدام السلطة الأبوية [15].

 

التسلط التربوي يساهم بشكل أو بآخر في تزييف الواقع، وتشويه الوعي، وقتل الروح النقدية، فالطاعة التي يأتي بها التسلط تعمل على شلّ الإبداع، وتحرم الفكر من أن يكون ناقدا [16]، وبهذا فإن الكثير من القضايا تفرض قداستها تحت مظلة هذه السلطة، ويصبح تجاوزها أو التخلي عنها أمرا غير متاح.

وفي هذه الحالة، لا يمكن للأبناء اختيار القضايا التي تعبر عن رؤيتهم للأشياء، فدوما يجدون ذواتهم خاضعة لمجموعة من الإكراهات الفكرية، تأخذهم بعيدا عن الحس النقدي والعقلاني، فبدل أن تمنح هذه المعتقدات الحرية المرغوبة، تبقى تكبّل الأبناء وتقحمهم في دوامة وصراع غير متناهٍ؛ فاترين، غير قادرين على المقارعة والنقاش.

وبهذا ينشأ الابن كامتداد للراشد ومتنفس لعقده على حد تعبير وطفة، عليه أن يرضى غرور الراشد باعتناق قضاياه، وبهذا يعيش في حالة استلاب مزودج، فهو عليه أن يكيّف ذاته مع القضايا والأفكار التي تروجها السلطة الأبوية، ومستلب لكون القضايا المعتنقَة – من وجهة نظره- غير عقلانية ولا منطقية [17].


[1] القيم: أحكام مكتسبة من الظروف الاجتماعية، يتشربها الفرد ويحكم بها، وتحدد مجال تفكيره وسلوكه وتؤثر في تعلمه، كالصدق و الأمانة وغيرها

[2] مقابلة مع د. عبد الرحمن عقاب

[3] التربية والتنوير في تنمية المجتمع العربي، سلسلة كتب المستقبل العربي (39)

[4] المرجع السابق

[5] التربية والتنوير في تنمية المجتمع العربي، مرجع سابق

[6] بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي، مرجع سابق

[7] التربية والتنوير في تنمية المجتمع العربي، مرجع سابق

[8] معلم فرنسي، أستاذ في جامعة كاين، ساهم في تأسيس علوم التربية في الجامعة منذ عام 1967.

[9] بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي، مرجع سابق

[10] المرجع السابق

[11] بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي، مرجع سابق

[12] التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، مصطفى حجازي

[13] المرجع السابق

[14] المنظومة الأخلاقية من منظور العلم والدين، الباحث: عبد العزيز كامل

[15] بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي، مرجع سابق

[16] المرجع السابق

[17] بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي، مرجع سابق

[18] مقدمة المترجمين، الأخلاق في عصر الحداثة، زيجمونت بومان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق