ذكرى واحتفاء.. حين نقش “القرآن” قلبها

وقد كانت في صغرها منذ عهد ليس ببعيد تتوق لحفظه. تتطلع إلى حافظي كتاب الله فتخاله مقاما بعيد المنال، لم تتخيل أنها ستكون يوما في صفوفهم وستتوج بوقارهم.

إلى أن عانق مسمعها، وطرق شغاف قلبها في ساعة من نهار، ذلك الحديث الذي يروي حال حامل القرآن، يقول عليه الصلاة والسلام فيه: ( ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين يوم القيامة لا يُقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان بم كسينا هذا؟ فيقال بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: إقرأ واصعد في درجة الجنة وغرفها ).

فما أشد وقعه في قلبها، يورثها عزماً لم يفتر طيلة سيرها في طريق حفظ القرآن العظيم، تباشر مسرعة إليه، وكأن ذاك المستحيل يصير ممكناً، فتمر بضعة أيام تتم فيها حفظ سورة يس، ثم الحديد فالكهف فمريم، والسورة تعدوها السورة، والحماس يزداد، والاقتراب لتلك النقطة يتراءى نوره ولا يخبو، ويتنامى الحلم أكثر، فكأن كل سورة فيه تدعوها لحفظ ما يليها من السور؛ كأنها في حديقة وارفة الظلال، تحار حروف البيان فيها، ولسان الحال: هل من مزيد؟

ضيق الوقت، وكثرة انشغالها بالدراسة أغلب يومها لم يحبساها؛ فمدافعة حروفه، وعبق اللحظات في أكناف السطور وتحت ظلال الآيات كان يذيب متاعب يومها، فيورق عزم من جديد ويتوثب عزم آخر، طارحاً بركة ممتدة في وقتها، في أجلّ تفاصيل حياتها وأقلها. كان طيف تلك اللحظة يجوب أمام ناظريها ويتردد صداه على سمعها، في كل مرة تفتح فيها القرآن العظيم تزداد نبضات قلبها حدة وشوقا لتلك اللحظة.. لحظة إتمام حفظ القرآن، فبربك كيف يكون حال القلب حينئذ؟

تفتحه اليوم، فترى خطوط قلم الرصاص تحت آياته تذكرها بشغف اللحظات المنقوشة على جدران القلب، فكأنما استجمعت حروفه سعادة قلبها بين دفتيه، ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف.

لا زال ذلك اليوم الذي كانت تذهب فيه عصرا إلى المسجد ماثلا كأنه الآن، تتجهز مسرعة لتلقي حصيلة جهدها على مسمع مدرستها، فترتسم معالم الفرح القريب على قسمات وجهها، وتُنثر الدعوات في دربها حتى تغيب وراء باب المسجد.

وكأني بها إذ هي تجالس الآيات، فتمطر عليها بحرا من جمال النداءات العلوية لكل الخلق؛ فتسرج قناديل نور الفؤاد، ورسائله تصدح في قلب كل مؤمن، في قلب كل متكبر عنه، في قلب من أغلق قلبه دونه، أو ألقى السمع وهو شهيد.

في تلك اللحظات يقع القلب على حروفه قبل العيون، والدمع يسيل من على جفون القلب قبل أن تجود بالدمع العيون. وفي كل كسر، ما أصعب الشفاء بعيدا عنه، هو كهفك الذي لن تشعر فيه بظلام أو شجون، آياته لن تخذلك، لن تطرق بابه ثم يغلقه دونك، وفي قوله تعالى: ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ).

جرعة شفاء ودفقات من أمل، فسورة النور في ثناياها تنتظم نبضات روحك وتبصر وجهة الشراع جيدا، وفي الحجر تتحطم حجارة الأصنام القابعة في جدران قلبك، وفي الإسراء تعرج الروح في سماء المعجزات وتصمت أمام تلك الحوادث الجسام، ففي كل آية حياة، وفي كل آية رسالة، وفي كل رسالة نبض.

نطوي صفحات الأيام، وتحين تلك اللحظة الموعودة لتذهب للمرة الأخيرة إلى المسجد غير حافظة للقرآن، بل تحمل على راحتيها قلبا يتمخض به، إذ لم يبق إلا القليل ليسجد، بعدما أتم حفظه واستجمع فيه أعظم رسالة.

تتهادى خطواتها إلى المسجد، تتلو الآية تلو الآية ونبضات قلبها ترفّ مع وقع الحروف حتى تناهى النبض إلى قوله تعالى: ( ولله ملك السماوات والارض وما فيهن وهو على كل شيء قدير ). وكان الختم عند تلك الآية من سورة المائدة.

صمت المسجد برهة، وسمعت صوت البكاء بداخلها، ثم تهادت أصوات المباركين في المسجد. طار القلب فرحاً، وحلّق خارجاً لأول مرة وقد استجمع الآيات وأتمّ حفظها. ما يزيد عن سنة من الموظبة والتعب، اغتزلت أمام تلك اللحظة المهيبة. تعود الى البيت يٌفاجؤ الجميع ويرسمون الأفراح، فهنيئا لولادة قلب جديد، بل هنيئا بعمر جديد.

تلكم الفتاة التي أتمت حفظه قبل ثلاث من السنين، هي محدثتكم إسراء، وقد سبرت أغوار الذكرى لتلك اللحظات أمامكم بوحاً، لا حرمكم الله من تلك اللحظة، وأي شيء أعظم من أن تحوي كلام الله في قلبك، وأن تضم إليك الحياة بدفتيه.

علاقتك مع القران أعظم من أن تحفظ لمجرد الحفظ؛ فما الحفظ الا وسيلة لغاية أعظم، هي أن تتمثل فيك الآيات، لا أريد من الحفظ  أن يزيد النسخ من المصاحف فحسب، فبيوتاتنا ومساجدنا تضج بها ،نريد قرآنا يمشى على الأرض، وفقكم الله للحفظ  والعمل بهذا القران العظيم وزادكم به رفعة، والسلام..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق