مصورة طعام مُشبعة بعراقة المغرب: ليلى الهاشمي تمزج الشَهد بالزُبد

لا وقت ممتع يُضاهي الذي تقضيه ليلى الهاشمي في مطبخها، هي التي تستعين على برد الشتاء بحفنةٍ من البندق الطري المشوي في فرن الخشب، ولا يمكنها تحضير “كيك العسل” دون أن يعلم بذلك كل سكان الحي، والحي المجاور، حقاً هكذا هي رائحة العسل حين تطير في الأجواء.

تُركّز ليلى على التفاصيل البسيطة لأنها تخلق نتيجة مختلفة، وفي كل مرة توثّق الخطأ وتتعلم منه وأثناء ذلك تبحث عن الوصفة المثالية.

في عالم ليلى “الجَمال” من الصعب حصره في كلمات، يا لــ حموضة التوت الأحمر حين تعدّل من حلاوة الكوكيز وتعطيه مذاقا متميزا. وقد يبدو غريباً بعض الشيء أن يُحشى “الماكرون” بمربى الطماطم، أما عصير الكوكتيل خاصتها، فيتمنى المرء لو يشربه دفعة واحدة، ويجرّب متعة مزيج البرتقال مع الليمون الأخضر والجريب فروت والنعناع والحَبق والزنجبيل الطري، تتراقص أعلاه قطع الثلج.

في عَالمٍ يشبه القصص تشتري مصورة الطعام المغربية “زهوراً بنفسجية اللون”، فيخطر لها أن تُحضّر “موسا بالتوت البري” المغموس بـ الكلاصاج اللامع ؛ ولا يمكن أن أخبركم عن التناسق اللوني العجيب في تلك “المجرّة المُصغرّة”.

معها تتحوّل فاكهة “الإجاص” إلى مُكونٍ ذهبي إذا ما أُدمجت في الحلوى، وصدّقوها حين تقول: “عطر هذه الفاكهة قادرٌ على تحويل أي حلوى من عادية إلى فاخرة”، وخير شاهدٍ “كِريم التيراميسو مع الإجاص المُعسّل”.

ليلى، عاشقة المطبخ الشرقي، تعيش في إسبانيا منذ ما يزيد عن عشر سنوات، حاصلة على درجة الدكتوراة من كلية الآداب.في ثنايا هذا الحوار ترافقكم نكهات مُنوعة تقطر من أناملها وكاميرتها.

ختم الجودة

ليلى ابنة “المغرب”، البلد المعروف بعراقة تراثه وحضارته؛ ما زالت تتذكر تلك الأيام جيداً في مرحلة الصبا؛ حين كانت تخرج والدتها إلى التسوق وتوصيها بأن تنتبه إلى عجين الخبز حتى يختمر، عن ماضٍ جميل لا يغادرها تستهلّ حديثها لــ “بنفسج”: “كنت أنتهز الفرصة وأقرّص من العجين “قرصات” وأشكلّها حسب ذوقي ثم أقليها في الزيت وأرّشها بالسكر”.

“كلي آذان صاغية يا ليلى.. هاتِ ما لديكِ” أقول أنا، من هنا بدأ حديثها العَذب يَنساب: “عندما صرتُ أتقن تحضير الحلوى أذكر أن والدي-رحمه الله- كان يتذوقها برضى، وكم كان صعبا إرضاء ذوقه، فإذا تناول القطعة كاملة فهذا يعني أنني حققت نجاحا باهرا، وبالمناسبة كان أبي متعدد المواهب ومثيراً للانتباه، يبدو أن الحس الفني وراثي في عائلتنا”.

مضت تلك الأيام إلى سبيلها، لكنها لم تنس أبداً تقدير أسرتها لقيمة الترابط كحال سائر العائلات المغربية، تتبسّم ليلى أثناء كلامها: “كنا نجتمع على طبقٍ واحد عند تناول الطعام في الأيام العادية وفي المناسبات، حتى قال بعض أهلنا الكرام: غابت البَركة يوم صار الأكل يُفَرّق بين الصحون”.

وكأن دمعة دافئة من ذلك الزمان تأخذ طريقها إلى قلبها وهي تقول: “عشقتُ في طفولتي حلوى “البشكيتو” التقليدية التي تنفرد بتحضيرها سيدات “تطوان”- مسقط رأسي- في الأفراح، إنها قطعتي المفضلة ضمن علبة الحلوى التي كانت تعود بها أمي إذا حضرت حفلا، وهكذا تدّرج بي الولع بالطبخ إلى أن اشتد وأنا على مقاعد الدراسة الجامعية”.

ومع كل الأطباق التي تدهشنا بها ويسيل لها اللعاب، فإنها تغيّب كل خبراتها في حضرة الأم: “لا يمكن مقارنة طبخاتي بطبخات أمي لأن أطباق أمهاتنا هي الأفضل دائما، أطباق أمي مُتبّلة ببهارات الحب والحنين والتضحية وذكريات الطفولة والصبا؛ حتماً لا تشبه غيرها أبدا”.

وفي ذاكرتها مشهدٌ لا يُمحى: “أتذكر النسوة حين كنّ يَجتمعن لتحضير الخبز الخاص بحفلات الزفاف، كن ينشرن في المكان رائحة ماء الورد والسمن البلدي وحبة الحلاوة، وكانت يدياي تتورمان وأنا أحاول تقليدهن؛ وأفرح كثيراً إذا قبلت العَمة “خبزتي”، مشيدة بمهارتي وإتقاني؛ “فأختمها” حينئذ بــ “الطابع”- أداة تراثية- وكأنه “ختم الجودة”. هنا، تشرد ليلى لوهلةٍ إلى مكانٍ بعيد.

إنهم محظوظون

               بيوتٌ مبتهجة تلك التي تفوح فيها رائحة كيك الليمون وعطر الفانيليا والقرفة والكراميل

بعد نزهة مشي في أحد شوارع أسبانيا قد تعود ليلى وفي يدها غصن من شجرة لوز، حينها تسارع إلى تحضير “بريوات اللوز” وهي من الوصفات المغربية الشهيرة، وتزيد من الشِعر بيتاً: “في أفراحنا تُقدم غَريبة اللوز أو الملّوزة، وكم تُضيف المسكة والليمون إليها مذاقا رائعا، إنها أحلى هدية للزيارات”.

حول سبب تأثرّها الجَلي بحضارة بلادها والذي يظهر في أعمالها، تقول: “إنني شديدة التعلق بالفن والحضارة المغربيين، أتأمل بكل شغف كل قطعة صُنعت بيد صانع مغربي تقليدي، ويا للأسف إنني في كل مرة أحاول أن التقط صورة تعبر عن هذا التعلق أفشل فشلا واضحا؛ ما زلتُ أبحث كيف أُخرج صوري بطريقة تقترب من تلك الصورة التي أكونها في مخيلتي، سأظل أحاول دائما”.

وتشعر “ضيفة بنفسج” بحاجة جارفة إلى العودة لوطنها أكثر من أي وقت مضى، وهذه التنهيدة تُفسر سبب الأُمنية: “كنتُ غافلة عن رؤية الكثير من مواطن الجمال هناك، إنني أراها الآن بمنظور مُختلف عما كنت أراه قبل عشر سنوات”.

من أحلى اللحظات في “عّالم ليلى” إخراج الكعكة من قالبها؛ ومن عاداتها المضحكة أنها تراقب بشغف حبات “الماكارون” حين تنضج رويداً رويداً في الفرن؛ وقد تصور ما يزيد عن الثمانين صورة لمافان الشوكولا والكراميل المملح، تَخرج الموسيقى من روحها حين تُبرز قوام عَجينتها الذهبية الهشّة ذات المذاق الغني.

حققت مصورة الطعام انتشاراً لا بأس به، وتبدو راضية وسعيدة بالتواصل الذي يربطها بالمتابعين، تخبرنا أن موهبتها الحقيقية في تحضير الحلوى ظهرت قبل زواجها وقبل سفرها إلى إسبانيا، أما التصوير، فهو هواية طارئة ظهرت قبل ثلاث سنوات ثم انقطعت عنها ما يزيد على السنة، وما لبثت أن عادت إليها مؤخراً بحماس، حسب تعبيرها.

وتفصح لنا ليلى عن سر غرامها بــ “الكيك” على وجه الخصوص: “لطالما فكرتُ في تلك البيوت التي تنتشر فيها رائحة كيك التفاح، وكيك الليمون، وعطر الفانيليا، والقرفة، والكراميل، والعسل، إنها بيوت مبتهجة، والأناس الذين تقدِم لهم ربة البيت شاي أو قهوة المساء مرفقة بطبق حلوى أعدّته بنفسها، هم محظوظون”.

من يتجول بين صورها يلاحظ أنها تستخدم تقنيات خاصة، وبشهادة مصوري طعام محترفين، إن ليلى تفوقت بها على أصحاب هذه الموهبة، بتواضع غير متكلّف توضح الأمر: “حتى اللحظة، لا أملك من التقنيات إلا كاميرا احترافية و”ترايبود” جيد، وضوء ناعم يتسلل من نافذة غرفة النوم.لم يحالفني الحظ للتعلم من أحد، كل ما هنالك أني أحببت هذه الهواية ومارستها باهتمام، ما زلتُ أحتاج إلى أن أطور قدراتي فيما يخص تقنيات التصوير.قبل إعداد أي نوع من الحلوى أحرص أن أشتري بنفسي كل المكونات والمعدات، ولا أحد يستطيع أن ينوب عني في ذلك، وقد يأخذني الهوس أحيانا في البحث عما أريده بالضبط، ولا أقبل له بديلا. يقول المقربون مني أنني أبالغ إلى حد الإزعاج في هذا الأمر”.

وفي ظل انتشار هذا الطراز من التصوير تؤكد ليلى أن أكبر صعوبة تواجهها خوفها من أن يصيب صورها شيء من الملل أو التكرار؛ لذا تهتم بأن لا يتوقف لديها دفق الأفكار الجديدة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق