منى أبو الفضل: تركة فكرية تنشد حضارة التوحيد

لطالما أنجبت مِصر عباقرة وعلماء كانوا منارة يهتدى بها، وعنوانا عريضا في توجيه الأمّة الإسلامية، وكما خرج من بين أصلاب أبناءها مفكّرين نوابغ، خرجت نساء رائدات؛ نافسن وبحضور قويّ في ساحة الفكر والعلوم المختلفة، كانت منهُنّ الدكتورة منى أبو الفضل.

ولدت د.منى أبو الفضل عام 1945، من رحم الأزمة الحضاريّة التي غيّرت ملامح الشّعوب في ظلّ الصّراع على سيادة العالم، ومحاولات فرض هيمنة المنظومة المعرفيّة الغربيّة على العالم كله. وهي كريمة كل من المرحوم أ.د.محمد عبد المنعم أبو الفضل – أستاذ طب التحاليل بكلية طب قصر العيني، والمرحومة أ.د.زهيرة حافظ عابدين – أم الأطباء المصريين- وأستاذ طب الأطفال بطب قصر العيني.

وقد تزوجت أم الفضل، كما أسمت نفسها في أحد مؤلفاتها، من الأستاذ الدكتور طه جابر العلواني أستاذ أصول الفقه، والرئيس السابق للمعهد العالمي للفكر الإسلامي ورئيس جامعة قرطبة -جامعة العلوم  الإسلامية والاجتماعية- بولاية فرجينيا الأمريكية.

التأصيل لمنهج الإسلام الحضاري 

تخرّجت أم الفضل من كليّة الاقتصاد والعلوم السّياسيّة /جامعة القاهرة عام 1966 مع مرتبة الشّرف الأولى، ونالت درجة الدّكتوراه في العلوم السّياسيّة من جامعة لندن عام 1975.

عملت في عدّة مؤّسسات أكاديمية وفكريّة، وشغلت منصب أستاذة العلوم السّياسيّة في كليّة الاقتصاد والعلوم السيّاسية في جامعة القاهرة، وأستاذة زائرة بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، وأستاذة زائرة في جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بواشنطن.

كانت أم الفضل من أوائل من أصَّل لمنهج الإسلام الحضاري، وهو مصطلح يرتبط بمجموعة من الدلالات التي تتكامل في رؤية شمولية تهدف لتقديم نموذج حضارة إنسانية تستند على عقيدة التوحيد، وينطلق منها للقيام بمهام الاستخلاف وعمارة الأرض. 

وتعـد كتاباتهـا تنويعات على معزوفـة التجـدد الحضاري في حقول فكرية وعلمية مختلفة، تلتـقي في مجموعــها حول أطروحـة محددة قوامها التجاوز والاستيعاب، نفيا للثنائية بين الأصالة والمعاصرة، أو الفصام بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية، وذلك عبر النموذج المعرفي التوحيدي. ومن أهم مؤلفاتها ومحرراتها في هذا المنظور: التأصيل المنهاجي لدراســة النظم السياسية العربية، 1982 ، مقدمة في أصول المنظور الحضاري 1982 ، الأمــة القطب، 1981، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الاسلامي: بين المقدمات والمقومات، 1986م.

أسّست منى جمعيّة دراسات المرأة والحضارة المهتمة في القضايا والإشكالات الفكرية التي تخص المرأة، وساهمت بوضع قواعد مشروع إعادة قراءة تاريخ الإصلاح والتّجديد باتّخاذ مسألة المرأة مدخلاً. تم ذلك من خلال إعادة تدوين تاريخ المرأة المسلمة في إطار مراجعة شاملة لحركات الإصلاح والتّجديد، وإعادة منظومة المعارف الإسلاميّة إلى الخريطة المعرفيّة العالميّة التي يأخذ فيها الإسلام زاوية معرفيّة ضيّقة تستند إلى مصادر غير شموليّة (1).

وقد فقدت الأمة هذه العالمة في يوم  الأربعاء 24/9/2008م  بعد صراع مرير مع المرض، وفيما يأتي استعراض مؤّلّفات وإنجازات د. منى أبو الفضل؛ وفاء وإحياء للتركة الفكرية التي خلّفتها وراءها، والتي أقل ما توصف به أنها إثراء معرفي فكري يجدد في الطّرح والمفهوم، ويبلور مشروعه النهضوي للمرأة.

أولاً: مفهوم الأمّة القطب

من أهم المؤلفات والمفاهيم التي أبدعتها أبو الفضل،”مفهوم الأمّة القطب“، حيث أُعتبرت أوّل فكرة راودت د. منى أبو الفضّل عندما كانت فتاة يافعة؛ إذ نشأت وارتبطت بالقرآن ارتباطاً وجدانياً تأكّد بالمعايشة والممارسة، فكانت دوما تنسب نفسها إلى الحضارة والوجود الإسلامي المغيّب في الواقع.

وكانت تجربتها المخضرمة في تنقّلها للعيش ما بين الشّرق والغرب سبباً في اعتناقها فكرة ” القطبيّة “، والتي تعني؛ قدرة الأمّة الإسلامية تاريخياً وحضارياً على الاستقطاب والتّجميع من غير قبليّة أو عصبيّة أو إقصاء على أساس الدّين واللّون والإقليم، مقارنة مع مفهوم ” العولمة ” الذي جاء لطمس صفة القطبيّة عن الأمّة الإسلامية (2).

ثانياً: التجديد في النظرية الاجتماعية

عُنيت أبو الفضل بتوسيع إطار دراسة النّظرية الاجتماعية خاصّة بعد انفصالها عن الفلسفة التأمليّة التّجريدية، وانتقالها إلى العلوم المعرفيّة الطّبيعية. وانتقدت وجود نموذج معرفي وحيد يستبعد كل الأشكال التي لا تخضع لمعاييره الصّارمة، القائم على العلم التّجريبي المادّي، الرّافض لسائر العلوم التي سبقت عصر ” الحداثة “، والذّي أسس لفلسفة النّزعة التّجريبية المشكّكة في كل ما هو معرفي غير مادّي والتي بلغت أقصى مداها مع انتشار فكر ديفيد هيوم (1711- 1776). وأوضحت أبو الفضل ذلك في مفهوم “أبستمولوجيا التوحيد“. (3)

أما مقولتها في كتابها “تقويم النّظريّة الاجتماعية المعاصرة“، فقد انتقدت من خلالها المناهج المعرفيّة الحديثة، وأدوات تّحليل النّظم الاجتماعية القائمة على أساس النّزعة الصّراعيّة المتمركزة حول القوّة والسّيطرة من أجل البقاء، كبديل عن فكرة ” القطبيّة ” والتّعايش الحضاري بين المجتمعات.

يتطلب لفهم “الصّراع” الحضاري قراءة  للواقع الاجتماعي الإنساني، فالصّراع لا ينجم عن الاختلاف والتّنوع بل ينجم عن الظّلم

وبالنّظر إلى أصول وجوهر النّظرية الاجتماعية الغربيّة، نجد أنّها مستمدّة من الحقبة ما قبل الدّاروينية، حيث التّمرد والتّحدي متجّذران في المصادر الأسطورية اليونانية والرّومانيّة القديمة.

وجاء انتشار النّظرية الدّاروينية الاجتماعية (1809-1882) لتزّودها بالشّرعيّة المطلوبة وبالمادّة، إلى أن بلغت ذروتها في الصّيغة الماركسيّة للنّظرية الاجتماعية (1818-1883) المؤصّلة لفكرة الصّراع الّطبقي كعامل مجسّد للماديّة التّاريخيّة الجدليّة.

ويتطلب لفهم “الصّراع” قراءة واقعيّة للواقع الاجتماعي الإنساني، فالصّراع لا ينجم عن الاختلاف والتّنوع بل ينجم عن الظّلم. (4)

ثالثاً: التبادل الثقافي التسامحي

ومن الأفكار والمفاهيم المركزية لدى أبو الفضل كانت في منجزها “التّبادل الثّقافي والتّفاعل الاجتماعي الحضاري الترّاكمي“. فمن أجل فهم الذّات والآخر تطالب المفكرة أبو الفضل الباحثين في مجال النّظرية الاجتماعية بضرورة نقدها من منظور موضوعي خارجي مختلف.

يدمج هذا المنظور بين الضّمير العلمي الأخلاقي والمهني المستند إلى مصداقيّة الرّواية التّاريخيّة المشيرة بالدّلائل القاطعة، على أن البتر الذي حصل في عصر التّنوير الأوروربي في القرن 18، كان جزءاً من الإطار المعرفي والثّقافي الفاعل الذي حدث في الغرب المسيحي بعصوره الوسطى عشيّة نهضته؛ عندما اتّصل بالحضارة الإسلامية السّائدة حبنذاك.

وفي “دراسة أنثروبولوجيّة تأصيليّة للنّهج التّسامحي الإسلامي“، عدم إغفال الحقيقة التّاريخية التي تشير بوضوح إلى عامل التّسامح الإسلامي كجزء من الرّؤية الإسلاميّة الكليّة للكون والحياة والإنسان.

ودور التسامح الإسلامي في تسريع انتشار الفتوحات وترحيب السّكان المحليّين بالمسلمين في نهاية القرن السابع الميلادي. على عكس الحروب الصّليبيّة (1095-1274) التي تعدّ نسخة مستجدّة من ممارسات تأكيد الهويّة، وفرض القوّة التي خَبِرها قديماً الرّومان والبيزنطيّون.

رابعاً: تفنيد المغالطات الاستشراقيّة

وفي تأكيد الدّفاع عن المساهمة الإسلاميّة الواسعة في العلوم الحديثة، في كتاب “تصحيح المغالطات المعرفية الاستشراقيّة”، من خلال تتبّع مصادر النّشأة المعرفية وتحديد جذور انتمائها. على سبيل المثال، إنّ أرسطويّة ابن رشد، وأفلاطونيّة ابن سينا لم تلغِ أصالة تجذّرهما في المجتمع الإسلامي.

كما إنّ تشويه ابن خلدون كان صارخاً؛ حيث جرّد من بيئته الاجتماعية والثّقافيّة، ونُظر إليه كما لو أنه عبقري غربيّ غريب عن ثقافته الإسلاميّة. ففي ضوء الاستشراق قلّما يشار إلى أن علم العمران البشري الجديد الذي أنشأه ابن خلدون كان تعبيراً عن روح التّركيب الثّقافي العمراني كما عرفته الحضارة الإسلاميّة. لقد استقى ابن خلدون منهجيته من علوم الاستقراء التي استندت عليها علوم الحديث النبوي، والقياس الذي كان دعامة علوم أصول الفقه (5).

خامساً: مدخل لدراسات المرأة

في عام 1998 حدثت مراجعات للرّؤية المعرفية والمنهجيّة في الفكر السيّاسي الاجتماعي، مع التّركيز على باب دراسات المرأة دون الوقوع تحت وطأة الزّخم الفكري الغربي من ناحية، ودون أخذ موقف الصّد التّام من غير إيجاد رؤية واضحة من جهة ثانية.

استندت المراجعات على رأب الفجوة لتحقيق الانسجام، بالنّظر إلى الإرث التّقليدي لقضايا المرأة في الشّريعة الإسلاميّة، والانفتاح على النّظريات الجديدة. هذا ما سبرت أغواره أطروحة أبو الفضل “تطوير منظور حضاري معرفي لدراسات المرأة” (6) رامية إلى إصلاح واقع المرأة كأحد شروط إصلاح واقع الأمّة الأساسيّة.

أما عن كتاب “دخول المعترك الفكري النّقدي وخوض الجدل في مسألة المرأة“، فتكمن أهميّتة في التّعامل مع المستجدّات ومواكبتها، وطرح المقاربات والتّباينات والمقارنات النّقدية. ودور ذلك في عولمة المفاهيم الخاصة بقضايا المرأة والأسرة الإسلاميّة. مع مراعاة المرجعيّات والخصوصيّات والمتغيّرات والثّوابت، والهويّة، والوعي بالذّات، وبعلاقة الفردي بالجماعي، وبمفهوم الحريّات في الإسلام.

وعملت أبو الفضل على إدارة فريق إعداد الرّؤية، والتّنفيذ العملي لخطّة إعداد الرّؤية الخاصة بمسألة المرأة، كما تم تشكيل فريق مهني يقوم بالمهام التّاليّة:

  • مراجعة شاملة لتراث المرأة الإسلامي.
  • إعادة قراءة الأصول.
  • الإطّلاع على الأدبيات المعاصرة للمرأة من أجل الإحاطة والنّقد.
  • طرح خطاب جديد حول المرأة مع مراعاة البعد التّراثي المعاصر.
  • الاهتمام بالأبحاث الحضاريّة والإنسانيّة.
  • دراسة الخصائص الحضاريّة الغربيّة.
  • دراسة الخصائص الحضاريّة الإسلاميّة.
  • دراسة التّاريخ، والمفاهيم المرتبطة به.
  • دراسة الاختلافات الثّقافيّة وأثرها على المرأة.
  • دراسة خصوصيّة الحضارة الإسلاميّة.
  • إعداد الإبحاث المختصّة في مراجعة الخطاب العربي الحديث المعاصر.
  • القيام بالدّراسات المسحيّة حول المرأة في الخطاب العربي في منتصف القرن 19 حتى الآن.
  • رصد أهم التوجّهات المختلفة للخطاب حول المرأة في كل مرحلة تاريخيّة.
  • مراجعة نقديّة للأدبيات المعاصرة.
  • عقد المؤتمرات والنّدوات المختصة.
  • الاهتمام بمحور المنشورات والانتاج العلمي والتٌقارير.
  • إعداد وتدريب الكفاءات البحثية في حقل دراسات المرأة.
  • أرشفة شاملة لكافة ملفّات المرأة العربية والمسلمة ما بعد 1999.
  • إنشاء قاعدة بيانات ببلوغرافيّة موثّقة.
  • تطوير المنهج النّقدي للكتابات الخاصّة بالمرأة بشكل لا يجزّئ وضع المرأة ويرفض التّعامل مع الذّكوريّة كخصم وندّ.

واهتّمت هذه الخطط بالمرجعيّات المستندّة إلى عقيدة التّوحيد، والقيم الأخلاقيّة، والمنهج الواقعي في قراءة النّصوص، إلى جانب استنباط الأحكام بالاستدلال والاستقراء.

وفي ظلّ هذه المبادرات التي تبنّتها وأشرفت على تنفيذها د منى أبو الفضل رحمها الله وفريق عملها، وحرصاً على استكمال رسالتها وتوسيع مشروعها العظيم، نجد أنّه من الأهمّية القصوى، إعادة إحياء أفكارها، من أجل نشر الوعي المطلوب لنهضة نسوية حضارية معاصرة.


قائمة المصادر والمراجع

[1]موقع جمعية دراسات المرأة والحضارة الالكتروني: http://www.aswic.net/about.aspx

[2]أبو الفضل. منى، “الأمة القطب في السّيرة والمفهوم”. 2006.

[3]أبو الفضل. منى، “النّظرية الاجتماعية المعاصرة/ نحو طرح توحيدي في أصول التنظير ودواعي البديل”. ترجمة عارف عطاري. 1994.

[4]المصدر نفسه. 1994

[5]مصدر سابق. 2006.

[6]أبو الفضل. منى، ” نحو تطوير منظور حضاري معرفي لدراسات المرأة” من كتاب مراجعة في خطابات معاصرة حول المرأة/ نحو منظور حضاري. 2007

[7]مركز الحضارة للدراسات والبحوث، السيرة الذاتية لمنى أبو الفضل. http://hadaracenter.com/index.php?option=com_content&view=article&id=405:2013-05-07-21-34-30&catid=165&Itemid=547

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق