ليلى الهاشمي: المطبخ المغربي يجمع بين المَذاقين الحلو والمالح في توليفة عجيبة

ليس غريبا أن تتعالى صيحات الإعجاب بصور ليلى الهاشمي؛ هي التي تهتم بالكلاسيكيات الفرنسية الأصيلة وبخلفيات وأرضيات التصوير؛ ولا تكف عن جمع المزيد من الأطباق والمفارش والمناديل وأواني التقديم والملاعق.

واللافت للنظر، أن صورها تُلهم الكثير من الرّسامين؛ بسمة خجل على ثغرها تشبه حمرة حبات الكرز الذي تحبه، فلا تسعفها سوى جملة واحدة: “هذا يعني أن هناك بوادر نجاح”.

“انتقالك إلى موهبة التصوير ماذا أضاف إليكِ؟”، وجهّتُ لها سؤالي وأنا أتأمل صورتها التي التقطتها لــ “الباناكوتا بحليب جوز الهند والكرز”، تصمت لوهلة قبل أن تجيب:

“لقد أصبحت مشاركة وصفاتي أمراً متعباً، بعد أن كان بسيطاً وعفوياً، لأن الحصول على صورة جيدة ليس سهلا، لكنه لا يخلو من متعة على كل حال. أحب دائماً أن تُعبّر صوري عني، لذا، أقضي جهدا ووقتا طويلا للحصول على صورة تقنعني، عموما أرى في صوري مكافآة على العمل المثابر الذي يتطلب صبراً في المواقف الحرجة كأن تقع الخلفية على الطعام فتفسد شكله”.

ويا لها من أمٍ حنون يبلغ نشاطها ذروته في العطلات لممارسة هوايتها وإبهار صغارها، وما يلاحظه متابعوها أن ثمة قفزة نوعية في أدائها تختلف عن صورها الأولى على صفحتها الشخصية في “انستغرام”، والرد هنا: “لم تُتح لي الفرصة بعد لأشارك في دورات تطور من أدائي، أما التحسن الذي حصل في مستوى تصويري، ربما كان ناتجا عن فورة الحماس التي اعترتني بعد أكثر من عام من الانقطاع”.

وتضيف: “اعتبر نفسي مصورة مبتدئة، وإلمامي بالتقنيات محدود، وعلي ّأن أبذل جهداً لتطويرها”.

قد يجول بخاطركم أن أسبانيا بحد ذاتها منبع إلهام لمخيلتها.. نَعم، فضيفتنا إن تسكعت يوماً في شوارع برشلونة، حينها، ليس من الممكن أن لا تمر بسوقها الشهير لتشتري كل ما تبحث عنه من أنواع الفواكه حتى تزين كيك “البافلوفا”.

تحكي لنا: “إذا تعلّق الأمر بتحضير الأطباق العصرية، فالأسواق الإسبانية أكثر تنوعا وجودة من حيث المكونات والمعدات، أما إذا احتجت أن أحضر وصفة تقليدية فليس هناك أفضل من أسواق بلدي الغنية، أجد صعوبة كبيرة أثناء التفكير في صورة توحي بأجواء مغربية”.

يقودنا الحديث إلى المطبخ المغربي المشهود له بعراقته بين المطابخ العالمية، ويطيبُ لها أن تتكلم عن هذا الجانب: “يُعرف عن الشعب المغربي أنه مُحافِظ ومتنوع بطبيعته، لذلك تجدين أننا نحتفظ بمظاهر وتقاليد تراثية منذ قرون طويلة، ولعل أكثر ما اشتهر به المطبخ المغربي هو جمعه بين المذاق الحلو و المالح في توليفة ذوقية عجيبة توارثناها عن أجدادنا”.

هذه المرأة التي تتمسك بلباس القفطان التراثي “تطمح أن تقدّم يوما صورة عن المطبخ المغربي كما يستحق”، وتدور في رأسها فكرة تشبهها: “ما زلتُ أحتفظ بفكرة تأليف كتاب عن الطبخ المغربي باللغة الإسبانية، لكن إمكانية إخراجها تبدو بعيدة، أطمح أن أثريه بصور ونصوص ذات معنى جديد ومختلف”.

هي ابنة “تطوان” المدينة العاشقة للفن حتى الثمالة، حتى في طريقة تقديمها للحلويات، إذ تشتهر بحلوى “كعب الغزال” التي يتقن أهلها شكلها المنقوش.

بحنين لا يخفت نوره؛ تصف ليلى الهاشمي مدينتها: “تطوان من أعرق المدن المغربية، تتميز بتعلقها بأصول الحضارة الأندلسية، ويظهر ذلك في الكثير من المظاهر الثقافية، كالطبخ والفن والأدب والعمران واللباس التقليدي بحكم نزوح الأندلسيين إليها في وقت ما، كما أنها مدينة منفتحة على الجديد في نفس الوقت، فلا تفصلنا عن أوروبا إلا مسافة قصيرة. أذكر تخييمنا في فصل الصيف بضواحي المدينة، كنا نصعد إلى مرتفع يقع بالقرب من منطقة “القصر الصغير” ونتأمل أضواء المنازل والقرى في الضفة الجنوبية من الشواطىء الإسبانية”.

الطبخ يخلق السعادة

خذوا جولة بين صورها وستدركون ماذا يعني أن “نحب التعب اللذيذ”، بدليل أن ثمة وصفات لا يفتر هوسها بها مثل الماكارون والكوكيز بالفول السوداني الذي تُعد منه المئات، ولا تضجر مهما استغرق من ساعات.

“د.ليلى برأيك بعد انتشار تصوير الطعام في الشرق، هل يمكن أن نحرز تفوقاً على الغرب بما أن لأطعمتنا سَمت دافئ؟”، تجيب على سؤالي بالقول: “برأيّ ما زال الغرب يحتفظ بالسبق سواء على مستوى الأسلوب أو “الستايل” أو على مستوى التقنيات، هم في الغالب يصدرّون لنا الأساليب الإبداعية الجديدة.

وربما تتميز المواهب العربية في أنها نجحت في تسخير هذه التقنيات وتكييفها لتصوير نمط الحياة العربية من خلال صور أكلاتنا المعروفة والإيحاء بالأجواء التي تُقدم فيها، أما هذا الإحساس بالدفء الذي ينتابنا حين نشاهد صورة ناجحة لأكلة كانت تطبخها أمهاتنا أو جداتنا أيام الطفولة هو نفسه عند كل الناس، وفي كل الثقافات، أي أن تفاعل الناس مع الصورة بحسب تأثيرها في نفوسهم، فلن يتجاوب الشامي مع الكسكس بالقديد مثل تجاوب المغربي، و لن يتجاوب الأخير مع منقوشة الزعتر مثل تجاوب الشامي وهكذا”.

وحول نظرة الغرب للمرأة العربية، على أن لا مكان لها سوى المطبخ، في حين أنها يمكن أن تجيد الطبخ وتسجلّ نجاحات لامعة في الحياة العملية، تعقب ليلى بابتسامة هادئة: “دائماً أقول أن المرأة التي تجيد الطبخ تمتلك محفزا إضافيا لخلق السعادة في البيت، لكن هذا لا يعني أن تقضي جل وقتها بالمطبخ و كأنها لا تجيد غير ذلك، بالنهاية لم نُخلق فقط لنطبخ و نأكل”.

سألتها عن الجرأة في الطهي، فكانت تتبنى هذا الرأي: “لست من أنصار أن نغير كثيرا في الوصفات التقليدية خشية أن تفقد تركيبتها الذوقية المعتادة، لا أحب على سبيل المثال إضافة الألوان إلى الحلويات التقليدية المغربية، ويؤسفني أنها انتشرت مؤخرا بشكل مبالغ فيه وغير محبب”.

تسكن في مدينة كاتلونيا الجميلة و”بوهيميا” هو اسم المدونة التي تحلم بإنشائها. فماذا تعني هذه الكلمة لها: “معانيها كثيرة؛ وهي ترتبط في جزءٍ منها برؤيتي الخاصة حول الفن والتراث المغربي القديم الذي يبدو في ظاهره بسيطا وعفويا، لكنه يُضمر سحرا وجاذبية، خاصة تدل على هوية أصيلة لا تشبه غيرها. سأظل أحلم بنوستالجيا الزمن المغربي القديم وسحر الأماكن العتيقة ووصفات المطبخ العريق”.

وعن سبب إرجائها لإنشاء مدونتها: “من عادتي أني إذا هممتُ بفعل شيء مهما كان بسيطا، فإني أحب إتقانه، ودائما هناك طريقة لفعل الأشياء بشكل أفضل، وهذا ما يجعلني أسوّف الكثير من الأمور على أمل أن تتهيأ لي الظروف المناسبة لتحقيقها كما ينبغي. وأحيانا لا تتحقق أبدا! وبما أن مشروع الفكرة هو عن المطبخ والتراث المغربيين، فإن بعدي عن بلدي لا يساعدني، إذ تنقصني الكثير من المكونات التي أنوي أن أؤثثّ بها الصورة”.

وتتلقى ليلى عروضاً عديدة للتصوير من جهات عربية، ولكن ظروفها لا تسمح بذلك حاليا، مُشيرةً إلى الفرق بين تصوير المنتجات الغذائية وتصوير الطعام: “تصوير المنتجات يكون دعائي نوعا ما، ويستدعي التركيز على المنتج عبر تقنيات خاصة، أما تصوير الطعام بالطريقة التي أمارسها أنا وزميلاتي فيعتمد على الاهتمام بــ “الستايل” وخلق جو للصورة، لتوحي للمتلقي بفكرة ما”.

أهديه لمن يستحق

دول المغرب العربي تشتهر بــ”الطاجين” وهو اسم لآنية طينية؛ تُحدثنا بكل سرور: “من أطباقنا الشعبية “طاجين السردين بالطماطم”، فهناك عادة في قديم الزمان لدى الشعب المغربي أن يرسلونها لتطهى في الأفران الشعبية، لتتسلل منها رائحة الحطب الزكية، وهناك أيضاً طاجين الدجاج بالبصل والليمون المخلل”.

ومن الأطباق التراثية المشتركة بين فلسطين والمغرب “البيصارة”، فهي تحظى بقيمة عالية لدى ليلى: “يُذّكرني هذا الطبق بجدتي -رحمة الله عليها- حين كنت أزورها بأيام الشتاء الباردة، فأجدها “تشحر” طاجين البيصار فوق المجمار بصبر، بعد أن قضى وقتا ليس بقصير فوق النار، حتى ذابت حبات الفول تماما وصار من السهل أن تسحقها بملعقة خشبية تصنعها بنفسها، لتحولها إلى خليط كثيف وناعم، ثم تضيف إليه زيت الزيتون الطيب، وترشه بالكمون والفلفل الحار، ثم تقدم الطبق ساخنا مرفقا بخبز الدار”.

وبداخل هذه المُصورِة رومانسية راقية، تُجيد الترحيب بــ كرنفالات الفصول، لكن الخريف له وقع خاص، لذا تُحب أن تلقي التحية عليه بمكونات فيها أسرار حب: “الخريف فصل عاطفي دافيء، يشبهني قليلا. أتأمل كيف يغير الطبيعة من حوله تغييرا جذريا وبهدوء عجيب”.

ويبدو أن ليلى توقعّت أن نمازحها بسؤال “أين يذهب كل هذا الطعام؟”، لتشفي فضولنا بمرح: “اطمئنوا.. فالكثير منه أهديه لمن يستحق”.

إذن.. لحكايتها رونق الطبيعة، فهي من أنصارها في كل شيء، لذا تزيّن أطباقها بشرائح الحمضيات المجففة، وقد تجد في وصفةِ “عجينة ما”، إنها الأفضل في العالم بأسره، وسبب للسعادة حتى أنها تتمنى لو أن الطبق لا ينتهي، وبراءة فرحتها لا تنقص في كل مرة تمزج بين الشوكولا والتوت الأحمر أو البرتقال.

أما كيك “الماتشا والمانجو” أحد أروع روائعها -فسامحها الله- لأنها فتحت شهيتنا حين قالت عنه” ذقتُ من الطيبات كلها فما ذقتُ أطيب منه”. ومن يدري، لعلّنا نكون يوما في ضيافتها ونحظى بقطعة من كعكتها اللذيذة!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق