عامفكرمراجعات فكرية

“فدوى طوقان” تؤرخ الحياة النسائية في رحلتيها الصعبة والأصعب

تزخر رفوف المكتبات بكتب السير الذاتية التي دونها مثقفون فلسطينيون أمثال: عارف العارف، خليل السكاكيني، راغب النشاشيبي وغيرهم. أما الأقلام النسائية فلم تكتب كثيرا، وما كتبته دوّن بصوت خافت، وعلى استحياء. إلا أنّ فدوى طوقان كانت من القليلات اللواتي استطعن كسر حاجز الصمت. إذ قامت برصد تفاصيل حياتها في مرحلة تاريخية مهمة، تمثلت بنهاية الفترة العثمانية، ثم الانتداب البريطاني، ثم الاحتلال الإسرائيلي بنكبته ونكسته. 

خطت طوقان سيرتها الذاتية في كتابين، الأول: رحلة جبلية رحلة صعبة، الذي تناول حياتها منذ طفولتها حتى النكسة 1967، أما الثاني: الرحلة الأصعب فتناول حياتها بعد النكسة حتى الانتفاضة الأولى 1987. 

إنّ البُعد الأهم في هذه السيرة، يكمن في الأسلوب الذي استخدمته فدوى في تدوينها، فهي -وتحديدا في الكتاب الأول- لم تقم بتدوين حياتها الشخصية وحسب، وإنما قامت بجهد يصلح تصنيفه كأحد أشكال التاريخ الاجتماعي لمدينة نابلس، لغزارة وقوة ما فيه من تعقيدات حياتية اجتماعية، غائبة تماما عن الأنظار.

وهي تفاصيل الحياة النسائية داخل أسوار قصور الأسر الإقطاعية الفلسطينية العريقة الموجودة في المدينة. ومن خلال أوراقها استطعنا فهم واقع النساء، وثنائية الحداثة والتقليد القائمة في قضايا مثل علاقة الرجل بالمرأة، والتعليم، وتطور الحياة المدنية، ومظاهر الاحتفالات، إضافة إلى الطبقات الاجتماعية والعلاقة بينها.


حياة النساء في نابلس منذ عام 1917

لوصف شكل الحياة النسائية داخل جدران قصر طوقان، استخدمت فدوى عدد من المصطلحات التي يمكن توظيفها لاستنباط النسق الاجتماعي العام الذي كان سائدا  في المدن الفلسطينية في ذلك الوقت، كان أبرزها: 

◊الحريم

ولهذه الكلمة رمزية خاصة ارتبطت دوما -في مضمون- تراثنا العربي بأوصاف كثيرة، أبرزها “الانغلاق”. أما لدى فدوى، فقد حملت هذه الكلمة أو الحالة، دلالات أكثر ظلامية مثل: “الخضوع، القهر، ضياع الذات”.فحجم الحرية التي استطاعت النساء امتلاكها في تلك المرحلة كان محدودا جدا. وتوجه رجال العائلات الكبرى في المدن الجبلية كنابلس والخليل كان منصبا على فصل النساء في المجالس، وتقنين حركاتهن، ونشاطاتهن خارج المنزل.

 كانت عدد الزيارات التي يسمح فيها للنساء بالخروج من المنزل لا تتجاوز المرة كل شهر أو شهرين. تسير فيها المرأة مع مجموعة، ولمكان معروف، كزفاف أو حفل خاص أو مناسبة اجتماعية كبيرة. ولم تخرج فدوى عن هذه القاعدة، فلم يكن يسمح لها بالخروج وحدها، دوما، هناك رفيق أو رقيب أو زمرة من النساء، لذا، فقد كانت عملية الخروج لسويعات تمثل بالنسبة لها الحرية بعينها، تقول: “كان الإحساس بالحرية والانطلاق بعيدا عن جو البيت الأثري المختنق بالمحظورات، وبالأوامر والنواهي التي لا أول لها ولا آخر، كان ذلك الإحساس بالحرية يملؤني بفوحان الحياة”[1] 

◊ دجاج في قصر الحريم”

تصف فدوى حياة المرأة في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين بأنها لا تقتصر فقط على تقنين الحركات الخارجية فقط، بل يتعدى ذلك إلى طبيعة الحياة داخل البيت الكبير، التي لا يتجاوز دور المرأة فيها إعداد الطعام وتنظيف المنزل، دون أي طموحات مهنية أو أدوار اجتماعية فاعلة.  استخدمت أثناء توصيفها لوضع النساء في بيتها استعارات لاذعة تحمل حنقا وغضبا واضحين: “حظيرة كبيرة تملؤها الطيور الداجنة، يلقى إليها بالعلف فتزرده دون نقاش، راضية قانعة به، وكان ذلك غاية الغايات ونهاية  النهايات” 

أما هامش الحرية البسيط المتوفر للنساء، فهو معطى لممارسة بعض الأدوار الدينية، وهي ممارسات كانت دوما أدوارا مجزوءة وغير ناضجة. وقد جسدت شخصية “الشيخة”، المرأة التي قامت بفهم ودراسة الدين على يد شيخ صوفي، ثم توجهت نحو تعليمه لنساء البيت الكبير، تحولت بعدها لدور المسؤولة عن “ضبط” سلوك النساء وضمان التزامهم بقوانين الحشمة العامة.

لم تتتلمذ هذه الشيخة إلا على يد شيخ واحد، ولم تقرأ سوى قراءات بسيطة وغير معمقة، ومع كثرة الامتيازات التي حصلت عليها كونها “شيخة” جعل سلوكها في هذا الجانب يأخذ الحد المتطرف على الصعيد الانضباطي، وهو ما دفع فدوى إلى كره هذا النموذج، أو نفورها منه.

لم تخل المدينة من بعض المتعلمات، إلا أن: “الصفة العامة للنساء في ذلك الحين هي أمية العقل،وكان هناك قلة قليلة ممن أكملن تعليمهن في (دار المعلمات) الحكومية في القدس، وكان أعلى مستوى في دار المعلمات هو الثاني الثانوي” 

 والعدد القليل من النساء اللواتي تعلمن في نابلس، كن اجتماعيا بأفضل حال، ولهن هوية مهنية، إلا أنهن لم يكن يربطن بين المهنة وعملية التثقيف والتطوير الفكري المستمر، وبالتالي، حتى هذه الشريحة المتعلمة من النساء والواعية بأهمية وجودها، لم يكن لها هم سياسي أو مجتمعي يقض مضجعها ويجعلها تحمل لواء التغيير.

وهذا، ما جعلها تزداد ألما بسبب إلحاح والدها على حثها الكتابة في السياق السياسي والوطني بعد وفاة شقيقها إبراهيم طوقان، وعجزها عن القيام بذلك، ليس فقط كون الطلب والدافع لم يكن داخليا، وإنما وكما تشير في عدة مواضع لأنها تفتقر إلى أبعاد النضج الفكري وفهم المكونات المجتمعية. فهي امرأة لا تخرج، ولا تختلط، ولا تتقن أدوات قراءة المجتمع الفلسطيني: “مع ذلك الوضع المعزول كليا، والمفروض على النساء في البيت، لا غرابة في أن يخلو جو الدار النسوي من أي وعي سياسي أو اجتماعي” 

◊ الخروج من القمقم

إضافة إلى افتقارها للانتماء في ذلك الحين إلى جماعة، تفكر معها وبها ومن أجلها: ” كنت أتمنى بصدق لو تظل السياسة جزءا دائم السخونة في تفكيري، لو أستطيع الانضواء إلى أحد الأحزاب التقدمية، لو أخلص من هذا التمزق الدائم بين فرديتي وبين عواطفي الشعبية، التي تستيقظ فقط في المناسبات المتأججة” فهي قابعة هناك في “قصر الحريم”. لم تكن متحررة اجتماعيا ولم تملك القدرة على إدارة أمور حياتها، فكيف تكتب حول التحرر السياسي والوطني.

وهو الحال الذي تغير معها تماما كما تغير في المدن الفلسطينة بعد النكبة، وأحداث عام 1948. فهذا التوقيت، بكل ما يحمله من مصائب، صاحبه تغيرات كبرى في شكل الأنظمة السياسية والاجتماعية. وتغير معه دور وقوة وحظوة العائلات الكبرى أيضا، مما انعكس على المجتمع بشكل عام، والمجتمع النسائي بشكل خاص، جعلها أكثر تحررا، كازدياد المشاركة النسائية في الميادين والأعمال، والمجالس الثقافية، وتحديدا دور السينما والحفلات.

من فتاة لا تملك القرار في الخروج من المنزل، إلى فتاة تعيش بمفردها في الأربعينات من عمرها تحول كبير، عاشته وأعربت عنه كثيرا في كتابها الثاني، مشكلا حالة أشبه بـ “الخروج من القمقم”.  وهذا الكتاب بالرغم من وصفها له بأنه “الرحلة الأصعب” لم يعد يمثل في طرحه تلك التحولات الاجتماعية أو يتحدث عنها.

فقد تغيرت معركتها بتغير مكان إقامتها ومستوى انخراطها الكثيف بالواقع العام، وأصبحت تدرس فيه شكل علاقتها مع السياسة والشخصيات الفاعلة أدبيا وسياسيا. كما تغيرت كتاباتها الشعرية والتي امتزجت في دواوينها الأخيرة بالنفس الوطني والسياسي، بعد أن كانت دواوينها الأولى مغدقة في الذاتية وهمهمات النفس والشاعرية.


ثنائية التقليد والحداثة في المدن الفلسطينية

 

المجتمع الفلسطيني أو النابلسي، كما تصفه فدوى مجتمع يتداخل فيه التقليدي مع الحداثي بشكل يثير الكثير من التناقضات والتساؤلات. وقد تبدو هذه الثنائية قائمة بشكل واضح في علاقة الرجل بالمرأة في تلك المجتمعات، وهي أكثر وضوحا في حديثها عن العلاقة بين الجنسين، أكثر من توصيفها لحياة المرأة وحدها، والتي تتسم حتما بسمات التقاليد الاجتماعية التقليدية.

 هذا التداخل بين الحداثي والتقليد، فيبدأ بالظهور في توصيف طوقان لمدى اهتمام العائلات الكبرى بإرسال أبنائها للدراسة في المدارس الأجنبية داخل فلسطين، ومن ثم الجامعات الغربية، مع الإبقاء على رفض تعليم الفتاة أكثر من الصف الخامس الابتدائي في مدينة كنابلس، التي لا تملك سوى مدرستان للإناث فقط.

وهذا وضع تتسم به مدن دون أخرى -حسب اعتقادي- كنابلس والخليل، وليس المدن الساحلية كيافا وحيفا وعكا، أو حتى القدس ورام الله، وتبدو حينها هذه المدن أكثر حداثة وانفتاحا فيما يتعلق بحياة النساء، وعلاقة الرجال بالنساء آنذاك، كما ورد في مذكرات السكاكيني والنشاشيبي وغيرهم.

سجلت فدوى بعض الامتيازات الاجتماعية الذكورية التي يحصل عليها أي شاب ذكر موجود في العائلة، كقدرته على اتخاذ قرارات مصيرية فيما يتعلق بحياة شقيقته، كما حدث في قرار شقيق فدوى يوسف حين منعها من الخروج للدراسة، وهي فتاة صغيرة لاشتباهه بوجود اتصال بنيها وبين شاب صغير يقطن في حيهم. وعدم قدرة أي امرأة – حتى الأم- على ثنيه عن هذا القرار، حتى وإن كان من غير علم الوالد والذي تساءل يوما لِمَ هي موجودة في البيت، ثم لم يكترث للتوقف عند الإجابة.

مشهد آخر دونت تفاصيله عام 1939، وهي لم تبلغ بعد عمر العشرين، المتمثل في اعتراض بعض رجال عائلتها على موافقة والدها على قرار أخذها دروسا خاصة باللغة الإنجليزية مع فتاة تخرجت من مدرسة “الشميت”، معتبرين أن هذا التصرف لا يتناسب ووضع العائلة : “لقد كانوا يرتدون الزي الأوروبي، ويتكلمون التركية والفرنسية والإنكليزية، ويأكلون بالشوكة والسكين، ويقعون في الحب، ثم يقفون بالمرصاد كلما حاولت إحدانا تحقيق إنسانيتها عن طريق التطور الطبيعي أو التطلع إلى الأفضل والأحسن” 

مشهد آخر جسدته في وصفها لحب والدها للموسيقى، وامتلاكه بعض الآلات الموسيقية ورفضه في نفس الوقت سماع أي معزوفة منها، أو السماح لها بامتلاك آلة موسيقية. مما دفعها لاستخدام آلة العود سرا فقط، وتقول متهكمة: ” كان الغناء ووجود آلة عرف في البيت من الممنوعات، غير أن وجود الفونغراف كان مباحا”. تقول معاتبة: “ما دام يحب الطرب، فلماذا يحرمنا من العزف والغناء؟” 

.ولم تر في تفسيرها لهذه الأحداث سوى أن رجال العائلة والمجتمع الفلسطيني يعيش في تلك الفترة في حالة انفصام بين المسموح والممنوع، فما يسمح للرجال يمنع عن النساء، بلا أي مبرر عقلاني: “العجز العربي عن الاحتفاظ بشخصية غير مشطورة”.

وقد جعلها هذا الفصل والقسوة الكامنة بين الطرفين، تستنكر أو تستغرب من أي موقف مضاد يشكل نوعا من الاحترام والتقدير لها ولإنجازاتها. فقد وصفت شقيقها إبراهيم بعد عودته من الدراسة في بيروت بأنه: “على غير عادة رجال الأسرة، كان يجلس معنا نحن -أمه، وشقيقاته- يبادلنا الحديث، ويحكي لنا عما جرى ويجري من شؤونه” . وعندما عرض عليها أن يقوم بتدريسها الشعر ونظم القوافي قالت: “مع وجه إبراهيم، أشرق وجه الله على حياتي” .


الطبقية في المدن الفلسطينية

الطبقية والفروقات المجتمعية كانت حاضرة في الكتاب وبشكل جليّ، يذهب أولاد الأغنياء بحقائب جلدية وأولاد الفقراء بأكياس من قماش. يأتي السقاء إلى بيوت الناس لبيع الماء ولا يذهب إلى قصور الأغنياء الإقطاعيين، فلهم حصصهم الخاصة بهم من الينابيع، وقنوات خاصة تحت الأرض لإيصال الماء إلى بيوتهم في البركة التي تقع وسط المنزل الكبير. منزل الإقطاعيين صاخب بعاملات يأتين للمساعدة في أعمال المنزل والتربية، ولهن غرف خاصة للمكوث بها أيضا، كـ “السمرة” التي قامت بتربية فدوى. ويُنظر لهذه الفئة بنظرة متعالية، إذ لا تتردد سيدات البيت الكبير بإظهار مشاعرهن الدونية لهؤلاء العاملات.

المنزل الكبير أيضا، صاخب بالوافدين من القرى، وهم الذين درجت العائلة على التعامل معهم أثناء نظام الأعشار التركي، وقد كانت عائلة طوقان من العائلات “الملتزمة” بجباية الأعشار من الفلاحين إلى الدولة التركية لسنوات طوال، جعلت المكانة الاجتماعية وشبكة العلاقات يعاد إنتاجها بشكل متواصل اثناء مرحلة الانتداب وحتى عام 1948 بأشكال مختلفة.

خصوصا وأن هذه العائلات الكبرى حافظت على وجودها السياسي في الدولة بعد انتهاء هذا النظام، وبعد الإصلاحات التركية النظامية التي قامت بها الدولة العثمانية. فأصبحوا هم أيضا ممثلي الحزب الوطني، ولهم مواقفهم السياسية الخاصة حول دعم شخصيات فلسطينية رمزية وإقصاء أخرى.

ثمة فرق طبقي آخر ينعكس في حياة نساء العائلات الثرية، كونها أكثر قمعا وانغلاقا من العائلات الفقيرة. وقد ظهر ذلك في الحمامات النسائية العامة، بما فيها من اختلاف في المعاملة والسلوك. وقد ظهر هذا الفارق -في عيون فدوى- كبيرا بين نساء المدينة ونساء القرى، خصوصا بعد عام 1936. فهي ترى آفاقا أكثر حرية وقدرة أكبر على التعبير لدى نساء القرى منه في المدينة. وإن اكتفت نساء العائلات الكبيرة بالتعبير عن مواقفهن النضالية من خلال الكتابة والانضمام لعضوية بعض الجمعيات الخيرية، لم تتردد المرأة القروية أن تكون جزءا من العمل الثوري نفسه، تشارك وتساعد بيدها وليس بلسانها وقلمها فقط. ثم هي فاعلة في الحياة الاجتماعية، والمشاركة في المناسبات الرسمية والموسمية بشكل لن تراه في نساء المدن، والكتاب صاخب بمفارقات من هذا القبيل، تعبر عنها فدوى في غبطة تصل حد الحسد حول شكل حياة المرأة الريفية آنذاك.


المراجع

روشيل ديفيس. “نمو الجوالي في القدس الغربية 1917-1948.” تأليف القدس 1948 الأحياء العرية ومصيرها في حرب 1948، بقلم سليم تماري، 45-87. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002.

سليم تماري. الجبل ضد البحر. رام الله: مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 2005.

فدوى طوقان. الرحلة الأصعب سيرة ذاتية. عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 1993.

—. رحلة جبلية رحلة صعبة سيرة ذاتية. عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 1985.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق