مجرد علقة ساخنة!

حسنا، من أين نبدأ، هذا الموضوع بالنسبة لي مؤلم جدا، لأبعد حد! وخطير جدا لأبعد حد، لكنه على ما يبدو لا يشكل للجميع نفس الدرجة من الألم والخطورة، وهنا تكمن الصدمة!

القصة بدأت حينما ضرب معلم طالب في الثانوية، ضربا مبرحا، ضربا بالعصا ترك علامات واضحة على جسد الطالب، ولم يسمع أحد عن الموضوع، رغم تغطيته من وكالة أنباء مشهورة في غزة.

مر الموضوع مرور الكرام، مجرد علقة ساخنة أخذها طالب وانتهى الامر!

وبعد أسبوعين، اعتدى عشرة من عائلة الطالب المضروب على الأستاذ وأشبعوه ضربا بنفس الطريقة، وتشوه جسده بنفس الطريقة، وترك علامات تم تصويرها ونشرها بنفس الطريقة!. وهنا، قامت الدنيا، ولم تقعد، معلم يُضرب، كيف؟! يا لطيف؟! من متى؟!

يرددون المقولة الأزلية التي قتلت الأجيال على مر الأزمان:” احنا كنا بنشوف الأستاذ في الشارع بنلف من الشارع التاني!!” ”  احنا كانوا أباءنا بيقولوا للأستاذ كسر وإحنا بنجبر!!

المشكلة لدينا، أننا ورثنا الاحترام المطلق للكبير، للمعلم، للأب، للأم حتى لو على حساب روحي وكرامتي، هذا يتنافى مع القيم الدينية التي دعا إليها نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-الذي يقول: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. وهذه قمة المعصية، أن أطيع وأنا مغمض، أطيع على حساب كرامتي، على حساب إنسانيتي، أضرب ثم أضرب، ثم أتقبل فكرة الضرب، ولا أغضب!

أنا لست مع ضرب المعلم، لست مع الهمجية، لكني لست مع ضرب الطالب، المعلم هو المخطئ، وما فعله الطلاب كان نتيجة خطئه، المعلم هو السبب لما حدث له من إهانة، ولا أحد غيره، هو المذنب الأول والأخير، والعلقة الساخنة التي أكلها كانت نتيجة لفعله، هو صاحب الجرم الأساسي!

تقول نظرية التعليم الاجتماعي للعنف، بأن الإنسان الذي يتعرض للعنف بشكل كبير ممن هم أكبر منه سناً في صغره من المعلم، الأب، الأم، الأخ الأكبر، فإنه سيعتاد عليه وينتقل إليه تلقائيا ليكون جزءا من شخصيته، ويبدأ بتطبيقه على أبنائه وتلاميذيه وكل من هم أصغر منه سناً. 

حدث تبادل الضرب بين المعلم والتلميذ انتهى، لكن ما استوقفني هو كمية المبررات لما فعله المعلم، والتي لم تطرح للتلميذ مع أنه المعتدى عليه في البداية، وما فعله قد يكون مبررا في ميزان القانون والعدل والشرع، فهو لم يكن البادئ بالاعتداء.

هذا التعود على الضرب الممارس على الأبناء في المجتمع، ضرب في الشوارع، ضرب في البيت، هو الذي يخلق جيل خانع ضعيف “مضروب لمّا شبعان”، وبالتالي يرى في ضرب المعلم سببا غير مقنع ليقوم الطالب باسترداد حقه!

هناك دراسة تؤكد أن الأطفال الذين يتعودون على مشاهدة العنف من المرشح أن يصبحوا ضحايا للاعتداء عند الكبر، أو مرتكبين للجرائم.

تخيلّ! الدراسة تتكلم عن أطفال يشاهدون العنف، وليس عن من يمارس العنف بحقهم، يعني مجرد المشاهدة وعد الضربات يخلق جيلا مريضا، فما بالك بمن يأكلها! يعني يا فضيلة المعلم، أنت عقدت الطالب، وزملاؤه في الصف، شكرا لك!

تذكر أيها المعلم (إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع) فإن هذا المعلم والأب الذي يستخدم الضرب كوسيلة، سيخرج في المستقبل جيلا جبانا مضروبا متبلدا لا يقوى على الوقوف أمام الظلم لان مجرد “كف”  ببساطه سيسكته، وهذا المعلم، هذا الأب، سيسأل عن كل شيء !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق