الحاجة معزوزة: امرأة من أيام الثورة الفلسطينية

تشكل سيرة معزوزة مصطفى محمد عوض الله حامد نموذجًا لحياة ريفيات فلسطينيات من نساء القرن الماضي، من اللواتي عشن في كَنَفِ أُسَرٍ مُقاوِمَة نحتت تاريخًا طويلًا في العمل الميداني المقاوم ضد الاحتلالين الإنجليزي والصهيوني. لقد قُدِّر لمعزوزة الاقتران بشابٍ من عناصر المقاومة الفلسطينية الفاعلين، ممن خاضوا المواجهة مع المحتلين في زمنين مختلفين وبيئتين متباينتين، فكان عليها أن تعيش مثل باقي الريفيات في ذاك الزمان، تقوم بالواجبات الأسرية دون كللٍ ولا مللٍ مع عِظَمِ المسؤوليات الاجتماعية والاقتصادية، يضاف إليها، ما يناط بهاَ من أعباء خدمةً لخط زوجها المقاوم في حياته وبعد مماته، ووفاءً لقيمها الاجتماعية وفطرتها الإنسانية.

ولدت معزوزة حامد عام 1914 في بلدة سلواد شمال شرق رام الله، لعائلة ريفية متواضعة، في وقت كانت المنطقة بأسرها تمر في مرحلة تحول كبرى؛ بقى تأثيرها ماثلًا للعيان إلى وقتنا هذا. اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 وغزا الجراد فلسطين في العام التالي، ثمَّ زحفت القوات الإنجليزية الغازية على فلسطين من الجنوب بعد أن خاضت معارك طاحنة مع العثمانيين.

كانت معزوزة في الثالثة من عمرها حين أصبحت بلدة سلواد والمنطقة المحيطة بها مسرحًا لمواجهات عسكرية دامية. أصدرت القوات العثمانية أوامرها بترحيل الأهالي نحو الشمال، قبيل قيام الفرقة الوبلزية الملكية الإنجليزية بتنفيذ هجومها الاستراتيجي على تل العاصور (1916م) والقرى المحيطة به، بمشاركة الكتيبتين البريطانيتين 158 و159، واحتلاله في أواسط آذار 1918. وقد أعلن الانجليز بلدة سلواد منطقة عسكرية مغلقة، وجمعوا الأهالي وأجبروهم على الرحيل إلى وادي الصرار (منطقة بين الرملة واللد).

العيش تحت حراب الإنجليز

عاد الأهالي إلى البلدة بعد عدة أشهر. وجدوا بيوتهم خاوية وممتلكاتهم منهوبة. لقد اجتمع عليهم الاحتلال والفقر والجوع والخوف، وكان على الصغيرات معزوزة وأُختيّها عزِّية وعزيزة مواجهة ظروفٍ اجتماعيةٍ قاسيةٍ، إذ سيعشن حياتهنَّ في ظل الاحتلال البريطاني يتيمات بلا أب ولا أم، ولن يخفف عنهنَّ ما يكابدنه من مرارة الفقد، سوى العيش في رعاية أعمامهن.

كبُرت معزوزة وتزوجت من ابن عمها محمد عبد العزيز عوض الله حامد (ت 1966)، الشاب الطموح والمثقف والمحب للمغامرة وصاحب الحس الاجتماعي العالي، والقدرات الخطابية الفطرية. المقاوم الذي شارك في محطات نضالية متعددة فكان مقاتلًا في ثورة عام 1936 ومدافعًا عن حيفا والقدس في أحداث النكبة ومشاركًا في محاولات بعث العمل المقاوم إبان الحقبة الأردنية. انتقل العريسان للحياة في حيفا عام 1936، حيث استقرا في وادي النسناس، كانت حيفا ملاذًا للآلاف من أبناء الريف الذين عاشوا حياة اقتصادية واجتماعية قاسية بعيد الاحتلال الإنجليزي لفلسطين.

كان شاقًا على معزوزة وبنات جيلها من الريفيات الاندماج السريع في حياة المدينة الحديثة، بقيمها الاجتماعية العصرية وواقعها الاقتصادي، بيد أن تزايد أعداد الريفيات في حيفا أوجد لهنَّ عالمًا خاصًا ومساحة للفعل الاجتماعي مضبوطة بقيمهنَّ الريفية، مع تخففهنَّ من بعض القيود الاجتماعية الصارمة بفعل طبيعة الحياة في المدينة، وقد استفدن من بعض ما وفَّرته لهنَّ مما يفتقده الريف، مثل الرعاية الصحية والأسواق وتنوع الحيوات الاجتماعية وغناها.

ومع ذلك فقد بقين متواصلات مع الريف، فقد كنَّ يلتحقن بأسرهن في القرى في المواسم الزراعية المشهورة، مثل قطف الزيتون وحصاد القمح والتقاط التين. تركَّزت حياة معزوزة في حيفا على خدمة زوجها وتربية صغيراتها الخمس اللواتي أنجبتهنَّ في زمن حيفاوي أوشك على المغيب، وما كان عليها أن تبحث عن عمل خارج بيتها، كما هو حال أُخريات من الريفيات اللواتي فرضت عليهن الظروف العمل بائعات متجولات في حارات الميسورين، أو خادمات في بيوتهم، فقد كان زوجها ناجحًا في أعماله، ولا يبخل على أسرته بشيء.

الالتحاق بالثورة كتفاً بكتف

كانت نقطة التحول في حياة معزوزة الرتيبة حين التحق زوجها بالثورة الفلسطينية الكبرى. انتظرتْ أيامًا طويلةً دون أن تعلم مصيره، ولم يطمئن قلبها إلا حين وصلت رسالة بخط يده إلى والده بتاريخ 15 شباط 1938، نحت فيها وصيته بعيد وصوله لإخوانه المقاومين في منطقة جنين.

وقد قال فيها: “بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين على المستعمرين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سلام وتحية وأشواقا قلبية، وبعد: إن نداء الوطن، وعويل النساء والأطفال جعلني لا أعلمكم ولا استأذنكم بما أنا عازم عليه، الرجاء المعذرة، أما الآن، فإني مع إخواني المجاهدين في منطقة جنين بخير وعافية. وإني تقلدت السلاح ولدي ثماني جنيهات كانت معي قبل الذهاب. فلست بحاجة إلى دراهم، بل بحاجة ماسة إلى رضاكم. والدي العزيز: لا شك بأنكم تأثرتم وأقلق فكركم لاختفائي، والآن احمدوا الله على سلامتي ووصولي إلى إخواني المجاهدين دون علم السلطة. اصبروا فإنَّ الله مع الصابرين، إنني طلبت الموت الآن، وليس ببعيد أن أموت واستشهد، وهذه أمنيتي، فإذا كتب الله لي ذلك، فلا تيأسوا، بل اصبروا واعلموا أن الموت مدرك الناس جميعًا. أوصيكم بعيالي خيرًا، وإذا تسلمتم جثتي فاقبروني قرب القسام في حيفا، وفرِّقوا وصيتي على المجاهدين فقط. والسلام عليكم.

ولدكم المطيع الطالب لرضاكم محمد عبد العزيز 14 ذي الحجة 1356″.

تجدّد نشاط زوج معزوزة بعد توقف الثورة، وقد وجد نفسه وسط الحراك السياسي والفكري الحيفاوي داخل جماعة الإخوان المسلمين. أنشأ مع آخرين شعبة للإخوان في بلدة سلواد، ولأن أغلب شباب بلدته كانوا في حيفا فقد كان سكنه الصغير في المدينة الصاخبة مقرًا لعقد الاجتماعات الدورية للمنتمين للجماعة، وقد زاد ذلك من الأعباء الاجتماعية الواقعة على زوجته.

اندلعت أحداث النكبة، غادرت معزوزة وصغيراتها حيفا على متن شاحنة “ترك”، واتجهت جنوبًا إلى سلواد، على أمل العودة بعد فترة وجيزة، لكنَّها لن تعود إليها إلا زائرة عام 1970، ورأت الحوش الذي قضت فيه سنوات زواجها الأولى، وقد أُفْرغ من أهله وأصبح مهجورًا، وكان اللقاء القصير عزيزًا والدمع غزيرًا.

وصلت معزوزة سلواد بسلام، لكنَّها بقيت منشغلةَ البال، فقد تركت زوجها يخوض معارك حيفا الأخيرة. سقطت المدينة فالتحق بأفواج المدافعين عن القدس ومحيطها ضمن قوات الجهاد المقدس. كانت أيامًا صعبة على معزوزة ومن هي في مكانها، إذ توالت الأحداث وارتقى ثلاثة من المقاومين من بلدتها شهداء، وكانت الخشية من الفقد ماثلةً أمامها في كل وقت وفي كل حين. تلقّت خبرًا بالخطأ عن استشهاد زوجها في معركة القسطل، وقد كان مبعث الخطأ تشابه اسم أحد شهداء البلدة مع اسم زوجها، وعودة والد زوجها حاملًا بندقية ابنه، وتبيَّن لاحقًا أن الزوج كان منشغلاً في نقل الشهيد من مكان المعركة وترتيب مراسم التشييع.

حفظ غياب الزوج وصون أسراره

توقفت الحرب وعاد الزوج إلى بيته. كان على معزوزة أن تواجه تحديات المرحلة الجديدة، فالوضع الاقتصادي الصعب يلقي بظلاله على المجتمع بأسره. قرَّر كثير من رفاق زوجها الهجرة إلى الكويت، وفضَّل هو البقاء وفاءً لفلسطين ومقاومتها. زادت الأعباء على معزوزة، فقد كانت لزوجها مكانته الاجتماعية المتميزة وكان الوضع الاقتصادي ضاغطًا، وتبعات انخراط زوجها في المقاومة كبيرة.

انشغل الزوج في هذه المرحلة بشراء السلاح وتخزينه ونقله وعقد الاجتماعات مع عناصر المقاومة، وتكرَّر غيابه عن البيت أثناء تنفيذ المهام، وتضاعف الضغط على الأسرة خصوصًا مع كثرة استدعاء الزوج للتحقيق في مقر المقاطعة في رام الله، وفرض القيود عليه، واقتحام منزله وتفتيشه بشكل متكرر، وزاد من المعاناة إصابته في انفجار بندقية أدت إلى قطع إبهامه.

لقد كان على معزوزة أن تركِّز جهدها في الاهتمام بالأسرة، وأن تُكرم ضيوف زوجها الكُثر، وأن تعتاد غيابه المتكرر، وأن تحفظ سر انتمائه للمقاومة ومشاركتها في بعض المهام النضالية، وكان عليها أيضًا أن تواجه تحديات اجتماعية ونفسية أخرى لا تقل صعوبةً عن السابقة، فقد ماتت ابنتها عائشة ذات الثمانية عشر ربيعًا بشكل مفاجئ قبيل فترة بسيطة من موعد زفافها من الشاب صبحي الشوارب، وقد شاع بعد موتها أنَّها شاركت أباها أسراره وكانت ذراعه اليمين في المقاومة، فحزن عليها حزنًا عظيمًا. كما أنَّ زوجها أقدم على الزواج من أخرى.

اعتقال مؤلم

توفي زوج معزوزة عام 1966، وبعد ستة أشهر، وقعت الضفة الغربية تحت الاحتلال، قرر كثيرون اللجوء إلى الكهوف المجاورة تحسبًا لأي طارئ، وكان الاقتراح أن تذهب مع أسرتها إلى مغارة في شعب الفرن غرب البلدة لكنَّها بقيت في بيتها، ورفضت أن ترفع الراية البيضاء على سطح منزلها في موقف يتماهى مع سيرة أسرة مُقاومِة.  ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى حاصرت قوات الاحتلال البيت وفتَّشته تفتيشًا دقيقًا، وسألت عن الزوج وعن سلاح المقاومة، وهددت الزوجة، ولما لم يجدوا ما تمنوا، اعتقلوا بكرها من الذكور عبد العزيز ابن الأربعة عشر سنة، وبقي في الحبس أيامًا إلى أن أطلق سراحه. خافت أمه عليه فقررت إرساله إلى أقاربها في الكويت.

لكنَّ التجربة الأكثر ايلامًا كانت عندما اعتقل الاحتلال معزوزة مع عدد من نساء بلدتها، منهن فاطمة ريما وخديجة حماد وخديجة الدر وزهرة فهد في 14 آذار 1971، كان الثلج قد غطى تلال سلواد، ليلتها تفاجأت قوات الاحتلال بأنها أمام امرأة كبيرة في السن، فانصاع الجنود لغضب معزوزة وصغارها وخرجوا للبحث عن امرأة أخرى بنفس الاسم وفي نفس الحارة، لكنَّهم وجدوا بأن الثانية هي أكبر سنَّا من الأولى، فعادوا إلى معزوزة واقتادوها إلى الخارج، فتصدى لهم صغيرها صلاح، فتلقى ضربات موجعة وطُرح أرضًا.

تركت معزوزة ابنتيها وأخوهما الصغير. نُقلت مع الأسيرات إلى سجن نابلس، وهناك تعرضت لتحقيق قاسٍ تركَّز على سيرة زوجها في المقاومة ومكان سلاحه، وعلاقاتها بعناصر مقاوِمَة في الأردن وفلسطين، ادعى الاحتلال أنّها تسلمت منهم رسالة مشفرة تحوي العبارة التالية: “ما هو سعر بكيت الحرير المونَّس؟”. كان التعذيب جسديَّا ونفسيَّا، وقد شمل الضرب والشبح وخلع الحجاب، والتهديد بصغيرها صلاح الذي ادعوا أنَّه معتقل لديهم وعليها أن تعترف شفقة عليه وعلى ما يناله من تعذيب.

صمود تحت التعذيب

صمدت معزوزة في التحقيق مدفوعةً بفطرتها الإنسانية الرافضة للاحتلال، وما اكتسبته من مهارات ومعارف من زوجها. لقد أنكرت معرفتها بتاريخ زوجها النضالي، وأنكرت أي علاقة لها بالمقاومة. كان وقع اعتقالها على أسرتها خاصة والبلدة عامة مؤلمًا، وقتها كانت جمعية إنعاش الأسرة في مدينة البيرة تعطي جزءًا من اهتمامها للأسرى وعائلاتهم المنكوبة وكذا بلدية البيرة، ممثلةً برئيسها السابق عبد الجواد صالح الذي بذل جهودًا مضنية من أجل إطلاق سراحها.

عاشت معزوزة داخل سجني نابلس والرملة، كانت أكبر المعتقلات سنًا، وأعمقهنَّ تجربةً في الحياة. كانت بمثابة الأم الرؤوم لهنَّ. كانت تَحنُّ عليهنَّ وتسأل عنهنَّ وتدعو لهنَّ في صلاتها، لم تكن تحسن القراءة والكتابة، لكنَّها كانت تحب الاستماع لإحداهنَّ وهي تقرأ الكتب على مسامع أخواتها المعتقلات. أطلقت المعتقلات على غرفتها اسم غرفة الصلاة، في وقتٍ كان التدين بين الأسيرات ضعيفًا، الأمر الذي يدفع للاعتقاد بأنَّها وزميلاتها السلواديات كنَّ من أوائل من أدخل الشعائر التعبدية في غرف الأسيرات في تلك المرحلة من حياة الحركة الأسيرة.

عانت معزوزة من ظروف الاعتقال، ذات مرة، وضعوها في زنزانة انتظار مكتظة جدًا، فلم تتحمل وبدأت بالتقيؤ، وفي مرة أخرى عاقبت إدارة السجن الأسيرات بالمنع من الفورة لمدة 15 يومًا مع سحب الوسائد والأغطية، وقد كان ذلك قاسيًا على امرأة اعتادت على الأماكن المفتوحة في الريف.

أفرج عن معزوزة من سجن الرملة بعد أن أمضت في الأسر تسعة أشهر، كان عليها أن تسافر على حسابها الخاص من سجن الرملة حتى مقر شرطة رام الله. وكان على معزوزة والأسيرات المفرج عنهنَّ إثبات حضور في مقر الشرطة في رام الله والتوقيع في كل أسبوع مرة لمدة شهر ونصف. كانت الفرحة بالإفراج عن معزوزة كبيرة، لكنَّ معاناتها لم تنته، فقد كان عليها أن تتلقى خبر إصابة ابنها صلاح في معركة الدفاع عن مخيم تل الزعتر في سبعينيات القرن الماضي، وعليها أن تصبِّر نفسها على فراق ابنها حتى يكتب الله لها رؤيته والاطمئنان عليه في إحدى زياراتها للأردن.

مرضت معزوزة في أواخر أيام حياتها، اثقلتها التجارب القاسية فخففت من ذكرياتها الأليمة، وباتت لا تعرف أحدًا، وفارقت الدنيا الفانية عام 1984. بقيت تجربتها محفوظة، تذكرنا بتضحيات الفلسطينيات وبسالتهن وعِظَم وفائهن. رحمها الله وأسكنها فسيح جنانه.

 

 

عوني فارس

باحث متخصص في تاريخ القضية الفلسطينية، صدر له أربعة كتب، آخرها " مفاهيم ومصطلحات القضية الفلسطينية" مع الكاتب ساري عرابي، وله عدد من الأبحاث والدراسات التاريخية ومراجعات الكتب المنشورة في المجلات التاريخية المتخصصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق