مشروعك الخاص: استثمر شغفك!

رحلة البحث والتنقيب عن وظيفة – أي كانت- عقبة تواجه الخريجين الجدد من جميع التخصصات، وقل إن اللهث وراء وظيفة بمردود يسدّ مصروفاتك اليومية، هو أمر يُرضيك بداية أيامك العملية – هذا وإن وجدتها-، لأننا بطبيعتنا الروتينية اعتدنا على هذا النسق من توالي المراحل الحياتية، فقطعا بعد مرحلة الدراسة الجامعية والتخرج تبدأ المرحلة العملية – وإن كانت بمجال بعيد عن مجال دراستك- المهم أنك فرد عامل منتج لذاتك، ومغطٍّ لاحتياجاتك، ومستقلّ ماديا بما يكفيك.

لنقل مجازا أنك وجدتها، فبغالب أحوال مجتمعاتنا العربية ستكون وظيفة خاصة، بوقت طويل إلزاميّ محدد يحرُم عليك اللعب بثوانيه، مضبوط على ساعة مدير العمل، يؤخرك متى يريد، يحتكمك ويروّضك كيف شاء حيث شاء، يستنفذ طاقاتك ليرضي بها إنجازاته، ويمصّ دماءك ليملأ بها خزنته، أنت له كلّ شيء إن كنت ظله وانعكاس مرآته، ولا شيء إن اعترضت أو حتى اقترحت.

ويا لسوء حظك إن كنت خرّيجا جديدا، أو صاحب طاقة وعطاء، فلن تكفيك أصابع الكفين لعدّ ما ستلقى في بيئة عملك الأولى؛ مديرك وجميع الموظفين الذين ستتعامل معهم سيستغلون طاقاتك ويصبونها في نبع راحتهم واسترخائهم، سينظر لك من أكبر منك عمرا وسنين عمل بالدونية والاستحقار وزعزعة الثقة بالنفس، سينسبون إبداعك وإنجازاتك لهم بطريقة أو أخرى خاصة إن كانوا ذي صلة مسؤولية مباشرة بطبيعة عملك، سيحبطون ما تقترح ويحبطونك، سينبشون لك ويترصدون أخطاءك ويتربصون حركاتك، ستكون أنت شماعة الأخطاء، وقِبلة إصبع الاتهام، سيفعلون أي شيء ليكرهوك بنفسك، ووظيفتك، وحتى تخصصك، سيجبرونك عنوة ومن تحت الطاولة بأن تستقيل!

وأول عقبة تواجهك في وظيفتك محكومية ومحدودية الوقت والحركة، فأنت حتما آلة مؤتمتة لها وقت بداية تعاقب إن تجاوزته، ووقت نهاية يحق لهم أن يؤخرونك عنه إن أرادوا، مغادراتك محسوبة ومخصومة، إجازاتك محددة ومعدودة، خصمياتك كثيرة، راتبك يطير كرذاذ في الهواء، إن كان عملك يفوق ساعات الدوام فستضطر لإنجازه بأي طريقة على حساب حياتك الشخصية، فأنت في غنى عن أن تسمع ما لا يروقك في صباح الغد من مديرك جزاء تأخرك!، وإن أنهيت عملك وأنجزت جميع ما عليك، وطرأ شيء خاص تريد أن تتجاوز به ساعات المغادرة المحددة بشركتك فستضطر إلى مغادرة مخصومة الراتب الحزين!

أما عن محدودية الحركة – خاصة وإن كانت وظيفتك مكتبية- فحدّث ولا حرج؛ التزم مكتبك، وانصب ظهرك قائما على كرسيّك، ضع أناملك على لوحة المفاتيح، بحلق بصرك في الشاشة، لا يهمّ ما ستعانيه من مشاكل غضروفية، ولا تعب نظر، ولا حتى إرهاق عصبي، هذه طبيعة عملك وأنت قبلت بداية، فعليك ما تستحق!

لا تفهموا من كلامي تحريضا على الالتزام، ولا حبا بالعشوائية وعدم الانضباط، لكن مرونة التعامل الزمني والحركي مهمّ في الإنجاز والإبداع والعطاء والتفاني في العمل، ومسؤولية ضبط المرونة تقع على عاتق المسؤول أولا، وستنشأ تلقائيا من الموظف نفسه إن وجد حريته بعمله، فستتوازى المعادلة وتحلّ المشاكل العقيمة!

أستوعب فكرة المسؤولين بأنك إن فتحت المجال أمام الموظفين سيأكلونك ويستغلونك، لكن سامحني! إن كنت لا تستطيع بخبرتك وذكائك والكاريزما الخاصة بك كمسؤول بأن تسيطر على هذا الوضع، فاسنح المجال لغيرك! عبودية الوظيفة بدأت تتضاءل، الشركات أصبحت شبابية بكوادرها وموظفيها، ولن تستطيع حد طاقة وحركة الموظف الشاب، خاصة وإن كان بماضيه الجامعي غارقا بعمل نقابي أو تطوعي أجبره وغرس فيه الحركة كنابض مرن لا يهدأ!

الإبداع والإنجاز والرقي ليسوا سيمفونية ولا ترنيمة تلحنها في اجتماعاتك مع مجلس الإدارة! الإبداع يبدأ فيك كمسؤول وكيف تستغل الطاقات التي بين يديك بما يرضيك ويرضيهم ويرضي الشركة بشكل عام.

وصدقا؛ حاولت مليّة بأن أفهم محدودية العمل الخاص بـ 8 أو 9 ساعات عمل يوميا، لكني عجزت! علماً بأن هناك مقولة شائعة لجورج برنارد شو: “يمكن أن يعمل الناس 8 ساعات يوميا من أجل الراتب، و10 ساعات من أجل المدير الجيد، و24 ساعة من أجل فكرة يؤمنون بها !”

أدعو الله بأن تستمر الدراسات التي تثبت خطأ هذا المعدل من العمل، وأن نحذو في شركاتنا العربية خطى الشركات التي قللته وأثبتت عمليا بأن إنجاز الموظف وفعاليته تتناسب عكسيا مع ساعات عمل معقولة، وحركة مرنة ضمن التفاهمات والمنطق!

وعلاوة على ذلك، أيا كان تخصصك، وأي كانت وظيفتك ومردودها، وأي كانت راحتك من عدمها في عملك، بأي عمر كنت، وأي وضع صحي أنت، ببلدك أم مغترب، أب أم أعزب، رجل أم أمرأة، احرص بأن يكون لك مشروع خاص، استثمر طاقاتك وأموالك لنفسك.

أنجز على صعيدك، أبدع لك وانطلق من إبداعك، أفد نفسك وعائلتك ودينك ومجتمعك بطاقاتك أنت، جميل أن يخرج شيء للعالم أو حتى لنفسك فقط باسمك وبمجهودك. لا تهرب من وظيفتك لمشروعك الخاص، لكن اجعله بالتوازي، ولا تؤسس مشروعك الخاص بعد إحباطك من عملك، بل افتحه وأنت بأوج همتك ومعلوماتك وخبرتك، لا يكن هدفك من مشروعك الخاص تأمين حياة أبنائك مع أهمية وجمال ذلك، لكن سيّره لشغفك وراحتك.

لا تمت دون مشروع خاص يفيدك ويستفيد منه غيرك، لا شرط بأن يكون شركة عملاقة، أي كان فهو لك وأنت المسيطر والمتحكم، لا تمت دون أن تجرّب دور المسؤول، حتى وإن كنت مسؤولا عن نفسك فقط، لا تمت دون أن تكون أنت صاحب الفكرة وأنت من يدرسها ويقومها ويقبلها أو يرفضها، لا تمت دون أن تجرّب شيئا جديدا في حياتك، لا تمت دون أن تغامر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق