الجروبات النسائية: الطريق الأسهل لتعرية البيوت

− “لمن تطلعي مع زوجك مشوار، بينكد عليك ولا بخليك تطيري من الفرح؟”
− “شو ردة فعلك لمن تيجي بنت حماتك وتفتح باب الثلاجة وتآكل اللي بدها إياه؟”
− “شو ردة فعلك لمن تيجي أخت زوجك وتطلب من زوجك يقعدوا لحالهم مشان يحكوا بموضوع خاص؟”
− “لو سلفتك جابتلك هدية أقل من الهدية اللي وديتيلها إياها، شو بتعملي؟”

− “كيف علاقتك مع مرة أخوكِ؟”

هذه عيّنة بسيطة من نمط المُشَاركات التي تعجّ بها المجموعات أو “الجروبات” النسائية على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي لا يُمكننا حصرها هنا، وترويها الكثيرات منّا بشكل يومي، إما برغبتهن أو أن يُسقنَ إليها من خلال الإضافات، أو الاستدعاء بــــ “منشِن” من إحداهن لأخرى، من أجل عدم تفويت مشاهدتها للمعركة القائمة بين أعضاء المجموعة.

الباعث للاستغراب هنا، أنّ تلك العينة من المشاركات، تعج بآلاف التعليقات من النساء، والتي ينقسمن فيها إلى فرق، منهن من يشتمن ويُحقّرن، ويمارسن التنمّر اللفظي على صاحبة السؤال، ومنهن من يقف في صف الدفاع، أو يبقين في نطاق المتفرجات، بينما أُخريات يُسارعن لتصوير التعليقات ” screen shot”، لإرسالها لمن يخصه الحديث، أو لاستخدامها لاحقاً من أجل التشهير وغيره.

كثيراتٌ هُن اللواتي لا يدّخرن جهداً في ترك مساحةٍ لعقولهن للتفكير ولو قليلاً قبل أن يضعن استفساراتهن في هذا العالم المفتوح، مختلفِ البيئات، ذي الغثّ والسمين، المعروف والمجهول، الصالح والطالح، الطيب والحاقد؛ فتُسارع في وضع مشكلتها، أو سؤالها، لربما تنفيساً أو طلباً لمساعدة ما، أو لأنها تُعاني فراغا في الوقت.

تنهال التعليقات من كلٍ حدبٍ وصوب، وتدلي كل واحدةٍ بدلوها، بناءً على تجربتها التي لا تتشابه مع صاحبة المشكلة؛ للاختلاف الحتمي في ظروفٍ كل واحدةٍ منهما. وحينها ستقرأ نصائح مغلفة بحلولٍ انتقامية تفّرغ فيها الناصحة بعضاً مما عانته أو سمعته، فيما يغيب ميزان العقل والحكمة، أو يكون حظها جيداً إن وجدت مستمعة سليمة القلب صدوقة اللسان بالنصح. وتدور صاحبة المشكلة في دوامة الإجابات المشتتة، ليزيدها تيهاً فوق حالها، وهذه نتيجة طبيعية لمن أرادت أن تسيّر حياتها وفقاً لآراء الناس، ووضعت مشكلتها في المكان غير الصحيح.

تعد هذه الجروبات كذلك، بيئة خصبة للكثيرات ممن يعشن حياة مستقرة، إلاّ أنها بعد رؤيتها لمشكلة فلانة، تبدأ بإعادة التفكير في حياتها من منظور الشك والريبة، فتقحم زوجها وحياتها في دوامة المقارنة مع غيرها من النساء، أو تُغيّر من أسلوبها في علاقاتها بحماتها وعائلة زوجها وغيرهم، وتبدأ بخلخلة أركان بيتها رويداً رويداً دون أن تدرك ذلك، وهناك الكثير من البيوت التي اشتعلت فيها الخلافات بسبب هذه الجروبات، التي لا تتوانى فيها النساء بتعرية بيوتهن دون أن يشعرن ببشاعة هذا الأمر، متناسيات أنّ لكلٍ بيتٍ أسراره التي يجب صونها جيداً وبعيداً عن هذه الأماكن المفتوحة للجميع.

إضافة لذلك فإن الوعي، في هذه الجروبات، يغيب كثيراً، فلا يقتصر الأمر على عرض المشاكل الزوجية والعلاقات بين الحماة والكنة وغيرها، بل تصل الاستفسارات لكُل شيء، فلا تُقصّر إحداهن بعرض بعض المشكلات الصحية لها أو لطفلها، فيتسابق الأعضاء في وصف العلاج المناسب بناءً على تجاربهن، وتُسارع السائلة لتطبيق التجارب، بعدها تأتي لتُلقي بدعائها على من دلّها إلى تلك الوصفة التي زادت من حال طفلها سوءاً.

هذه الجروبات ليست مكاناً للاستشارات الزوجية ولا الصحية ولا لحل المشاكل النفسية، هذه الجروبات تصلح لبعض الأمور البسيطة التي لا ضرر منها، والتي لا تمثل تهديداً لاستقرار حياتنا، كتبادل تجارب الطعام، وأمور الموضة والزينة والعناية بالبشرة وغيرها، وهناك الكثير من الجروبات النسائية المُفيدة والملهمة، فيها من النصائح الثرية المبنية على فهمٍ وعلم واتزان، وكذلك مليئة بالتجارب الممتعة.

كُل ما تحتاجه الأمهات والفتيات، أن يقررن بذل جهدٍ بسيط من أجل استقاء المعلومة الصحيحة من مصدرها الصحيح، وأن يُحكّمن عقلهن قليلاً في كل ما يُنشر هنا وهناك، فإن كنتِ تعانين من مشكلة صحية أو أسرية أو نفسية، فمكانك عند من يحفظ لك سرّك ويحل مشكلتك بطريقة صحيحة، وبذلك تصونين نفسك من أن تكوني حقلاً لتجارب الأخرين.

ونصيحتي، أن حاولن قدر المُستطاع جعل وقتكن ملكاً لأنفسكن، تنشغلن فيه بما يعود عليكن بالنفع وتطوير الذات، بتعلمُ شيء جديد، اكتساب مهارة ما، بدلاً من حصر ذواتكن فقط في هذه المجموعات النسائية؛ انتظاراً لإبداء رأي أو انتقاد ما، وتذكّرن أن كُل إنسانٍ سيُسأل عن عمره فيما أفناه، وما الذي كتبته يداه، فإما أن تكتبي شيئاً لكِ أو عليكِ، وإما أن تصنعي نفسك أو تسمحي للآخرين أن يصنعوا حياتك.

 

آصال أبو طاقية

صحفية وأم. مهتمة في المجال الاجتماعي والقضايا الإنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق