“تنوين”: مكتبة وشغف بحلم لا يهدأ

بمجرد عبورك الباب الزجاجي، تقف لوهلة متأملًا الديكور الخلاب، تدور بعينيك بهدوء حتى تغذيهما بالجمال البصري الظاهر أمامك، يا لها من مكتبة يتألق محمود درويش على رفوفها، وبجانبه تصطف روايات غسان كنفاني، وتجلس بخفة فيها قصص الأطفال بألوانها الزاهية، كل لون أبهى من رفيقه يحتل ركناً؛ التركوازي يتراقص على الجدران، يضفي عليك شعورًا بالصفاء الذهني.

الكتب فيها مزدانة ومنمقة بطريقة مبهرة؛ تدفعك للتيه في زوايا المكتبة ابتهاجاً. وأنت تتجول بين ثنايا الرفوف، وبدون سابق إنذار، ينتابك إحساسُ لطيف بالدوار، ولكن سرعان ما تدرك أنه ما كان إلا وهماً تسببت به الرفوف المائلة المسنودة بالكتب. وكأنّ هذا المكان يفتح ذراعيه ليستقبل بجلال عقلك وقلبك معاً.

حلم حياتي

 

تمارا الصوص، الحاصلة على درجة الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة من جامعة بيرزيت تخبرنا عن “تنوين” حلم حياتها الذي عاش معها وكبر في قلبها حتى غدا حقيقة تُرى في كل إشراقة أمل. 

مكتبة “تنوين” هي المكتبة الأولى في بيت لحم المخصصة لبيع الكتب في كافة المجالات، سواء الأدب، الفلسفة، السياسة، والثقافة باللغتين العربية والإنجليزية، إضافة إلى احتوائها على قسم خاص بالأطفال واليافعين؛ تقام فيه ورشات فنية تطلق العنان لإبداعاتهم.

تقول صاحبة تنوين: “لم تكن فكرة إنشاء مكتبة خاصة لبيع الكتب وليدة لحظة، بل كانت حلم الطفولة لسنين؛ حيث حرمت في طفولتي من شراء الكتب بسبب عدم توفر مكتبات، فلم يكن من السهل الحصول على كتاب إلا من مكتبة المدرسة”. فأرادت أن تكون “تنوين” مكتبة تقدم خدماتها للقراء، تحترم عقولهم، وتأتي لهم بالنسخ الأصلية من الكتب، لحفظ حقوق المؤلفين ودور النشر، وتقنين النسخ المطبوعة والمزورة.

احترام عقل القارئ

تضيف ضيفة بنفسج: ” كنت أتحمس في أحيان، ثم تخطفني انشغالات الحياة ومسؤوليات أطفالي أحياناً أخرى، فأتراخى، إلا أن شغفي بالحلم لم يهدأ، حتى نفذت وعدي الذي قطعته لنفسي نهاية عام 2017 وشرعت في التخطيط المتكامل بدءاً بالاسم فالمكان ومراسلة دور النشر ثم الاتفاق مع مكتب هندسي للتصميم؛ حتى خرجت تنوين للنور في أيلول 2018″.

تعهدت تمارا حلمها عندما كان مخططات على ورق سعدت به وسعد بها، لم تخذله، وصمدت حتى النهاية. أعطته الحب فغمرها بالسعادة، فالنظرة الأولى لحلمك وهو يتجسّد أمام ناظريك لا تضاهي أي نظرة في العالم، وكأنك تقول لنفسك، ها أنا ذا انتصرت على نفسي وعلى الحياة. فصديقتنا تمارا تحاول دومًا أن تكون عند حسن ظنها بنفسها فتتواصل مع دور النشر الدولية وتزور المعارض، لتأتي لـ”تنوين” بكل الكتب التي يرغبها القارئ.

تؤكد لـ “بنفسج” أنها لا تجلب أي كتاب مطبوع للمكتبة، وإن لم تستطع الذهاب لكل معارض الكتب العالمية تتواصل مع وكلاء دور النشر لتأتي بالنسخ الأصلية فقط. شحعها في ذلك كل من زوجها وصديقتها المقربة، وهي لا تنسى أبداً امتنانها لكل الدعم والمساندة اللذين أغدقانهما عليها، لتتميز بأول مكتبة تدشنها في مدينتها.

الإيمان بالشغف

ضيفة “بنفسج” مرتبطة بالتواريخ، ولا تنسى التفاصيل الجميلة. تعود بذاكرتها لعام 1998 حين اقتنت كتابها الأول من معرض الكتاب في بيت لحم، وكان مجموعة الأعمال الكاملة للشاعر محمود درويش. فور حصولها على المجموعة، دونت تاريخ اقتنائها، وظل عالقًا بين ثنايا الذاكرة يزداد معه شغف القراءة رويداً رويداً.

وعن الصعوبات التي اعترضت طريقها خلال عملية جلب الكتب وبيعها تقول: “واجهت إشكالية الكتب الممنوعة من الدخول؛ كاللبنانية مثلًا، إضافة للكتب المطبوعة التي تغزو الأسواق لانخفاض ثمنها؛ حيث يستلزم وقتاً وجهداً لإقناع القارئ بالفارق بين النسخ الأصلية والمطبوعة”. مواجهةً هذه التحديات تقول تمارا: “كل منا لديه حلم يركض خلفه يكفي أن يؤمن به فقط  ليراه حقيقة.. فآمنوا”. 

ذوقها الخاص

الجدران، الدرج، الصور المعلقة، الألوان المبهجة، وطريقة اصطفاف الكتب كلها من ذوق تمارا الخاص، أهم ما يعنيها أن يكون القارئ مطمئناً، يتسلل إليه شعور الدفء والراحة في المكان. وفيما يتعلق بالرفوف المائلة التي تثير تساؤلات الزوار تقول تمارا: ” كانت فكرة المكتب الهندسي أن تكون متوازية مع سقف البناء المائل، ووجدت فيها إبداعاً وجمالاً“. 

ضيفة بنفسج، قارئة نهمة محبة لكتب التاريخ الاجتماعي والفلسفة والأدب، تستمتع برائحة الكتب الورقية كاستمتاعها تمامًا برائحة الياسمين، تحب أن تقتني نسخها الخاصة من كتبها المفضلة لتذوب بين الورق براحة، فهي لا تحبذ القراءة الالكترونية ولا تشجعها؛ وذلك للبتر الذي تصنعه بين القارئ والكتاب. فهناك حياة جديدة تدخلها حين تمسك الصفحة وتتلمس الكلمات غارقاً في آفاق المعرفة.

إقبال على القراءة

تولى صاحبة “تنوين” قسم الاطفال أهمية خاصة حيث تتأنى في انتقاء كتب الأطفال وقصصهم، وتقدم المشورة لعائلاتهم وفق المرحلة العمرية. تضيف بأمل بالجيل الجديد: ” أرى وعيا واهتماما بأهمية القراءة للأطفال يزداد بين أهاليهم؛ حيث يسعون لتكوين علاقة جيدة بين طفلهم والكتاب، ويسعدني جدًا أن أرى طفلا يختار كتابه بنفسه بالتشاور مع والدته”.

لا تقتصر تمارا على بيع كتب الاطفال والألعاب التعليمية في “تنوين”، بل تقيم ورشات فنية تحفزهم على الإبداع، وفعاليات لقراءة القصص والحكايات. وتروج ضيفة بنفسج لمكتبتها عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، حيث تعرض نبذة مختصرة عن الكتب الواصلة حديثاً إضافة لصورها، مما يسهل على القارئ معرفة الكتب المتوافرة، كما وتعلن عن نشاطات الأطفال المصاحبة للقراءة.

(مكتبة تنوين)

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق