ليس لي وطن!

كنت أذكر يوم أن كنا صغارًا، نحشّ الأعشاب الضارة- الحشيش-، وبتعبير آخر نعشّب/ ننظف الأرض مما ينبت فيها من أعشاب ضارّة -ربما- كنا نزيل الحجارة الكبيرة بأيد غضة صغيرة. ولا يغرنكم هذا اللين، وهذا الصغر، ففي مثل هذه الأيام من بواكير الربيع كنا نذهب أسرابا بحثا عن نبتة العكوب الشائكة، نجدها فكأنما وجدنا كنزا، لا يضيرنا منظرها العدائي، وأشواكها القاسية، نقطفها كأنها وردة.

طعهما لذيذ، نقليها مع البيض صباحا، بعد تنظيفها من الأشواك – وهي عملية عسيرة- كما تطبخ مع اللبن واللحم، أو ربما صينية محمرة شهية. إن للعكوب قصص لا تنمحي في ذاكرة الطفولة، ذاكرة الطفل التي فيها كل الأرض أرضي، كل مكان نخطوه، نلهو فيه، هو أرضي.

لم تكن لدينا حينها أسئلة كبيرة، ومضائق وجودية لا تجد برا آمنا، كان ذاك العقل لا يحتمل سوى سؤال العكوب البري، لا محميات له، ولا قوانين تمنع قطفه. سؤال رِبة الأرض التي تنغرس فيها الحلزونات في مسحات شاسعة. نرقبها، نقتلعها، نلهو بها، بطفولة شقية، تحتمل أكل الحلزون الربيعي، نجمعه ونقذفه في النار ونأكله بسعادة دون نفور أو اشمئزاز.

 روح الطفل الفلسطيني، برّية، كل الأرض فيها أرضي، عكوبها، حلزونها، زعترها البري، أعشاب تختلف مسمياتها باختلاف مناطقي بين الشمال والجنوب والوسط، دون أسئلة الوجود الكبيرة، دون سؤال الهوية، دون سؤال الكيان، دون سؤال البنية الاجتماعية الفلسطينية، هكذا تأتلف مكوناتها فطريا، كما في عقل طفل.

اليوم، المحاكم الإسرائيلية تجرم قطف النباتات البرية الفلسطينية  كالزعتر والعكوب وغيرها من النباتات، فهي علاوة على سلب الأراضي ومصادرتها، تخضع أبسط العادات الاجتماعية الفلسطينية لهيمنة الاحتلال، فتضع لها قوانينا، وتجرم من يخترقه تحت قانون حماية النباتات، وقانون منع رعاية الأغنام عام 1950 وهي الأعوام التي تلت النكبة.

وذلك كله، يحيل إلى السياسة الاستعمارية المنظمة التي تنتهجها إسرائيل في مصادرة الأراضي المشاع وتهيئتها لتكون بنية تحتية لبؤر استيطانية، وهي بذلك تطور لصالحها وتهود وتقتلع وتهمين وتسلب أهم مكونات الهوية الفلسطينية. هذه المركبات التي أبسطها، رعاية الأغنام، وقطف النباتات، والتجوال بروح طفل يعدو متجاوزا الحدود في الأرض الخلاء.

قامت السلطات الصهيونية بين الأعوام 48-72 بمصادرة أكثر من مليون دونم من أراض القرى العربية في الجليل والمثلث، إضافة إلى ملايين الدونمات الأخرى التي استولت عليها عام 48 (وهي القرى التي تدعى اليوم مثلث الأرض)، وعلى أثر هذا المخطط العنصري، قررت لجنة الدفاع عن الأراضي بتاريخ 1/2/1976 م عقد اجتماع لها في الناصرة بالاشتراك مع اللجنة القطرية لرؤساء المجالس العربية ، تم إعلان الإضراب العام الشامل في 30 آذار (مارس) احتجاجاً على سياسية المصادر،  وكان الرد الإسرائيلي عسكري دموي، إذ اجتاحت قواته مدعومة بالدبابات والمجنزرات وأخذت بإطلاق النار عشوائياً فسقط الشهيد خير ياسين من قرية عرابة، وبعد انتشار الخبر صبيحة اليوم التالي 30 آذار انطلقت الجماهير في تظاهرات عارمة فسقط خمسة شهداء آخرين وعشرات الجرحى.

في العام 1977 الذي يليه مباشرة، عُدّل القانون الإسرائيليّ وفُرض منع قطف الزعتر البلديّ أو البرّيّ. “في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) 1977 تحديدًا، وقّع أريئيل شارون، وزير الزراعة الإسرائيليّ حينها، قرارًا يعدّل لائحة النبات المحميّ، ضُمّت من خلاله نبتة الزعتر إلى اللائحة، بحجّة أنّ قطفه يسبّب أضرارًا للطبيعة، وفُرضت بموجب ذلك على كلّ من يقطف أو يحوز أيّ كمّيّة كانت من الزعتر، عقوبات وغرامات كبيرة. حتّى ذلك الوقت، كانت البراري المصدر الوحيد للزعتر في فلسطين، إذ لم تكن زراعته منتشرة في ذلك الوقت. في ظلّ مصادرة واسعة للأراضي الفلسطينيّة في الجليل، واستشهاد ستّة فلسطينيّين في هبّة يوم الأرض عام 1976، أصبح الزعتر ممنوعًا على الفلسطينيّين كما عهدوه من قبل، وبات يُزرع في الجليل على مساحة بلغت أكثر من 550 دونم، ويُسوّق تحت راية الطعام الإسرائيليّ!

لم تنته السيطرة على موائد الفلسطينيّين وثقافة قطف نباتهم بفرض منع الزعتر، ففي عام 2005، حين كان أريئيل شارون يشغل منصب رئيس الوزراء ووزير الزراعة في آن واحد، أجرى تعديلًا آخر في لائحة النبات المحميّ، لتشمل نبتة العكّوب أيضًا، هكذا، أصبح قطف الزعتر البلديّ أو البرّيّ، وكذلك العكّوب، جريمة قانونيّة، يُخالف بسببها عشرات الفلسطينيّين سنويًّا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق