حضور امرأةعام

ريــم البنا: الموت فصلٌ مزيف والموسيقى لحن الحياة

 “مع كل نفس وجع، فكيف لا تخرج الأغاني ثائرة؟” ريم البنا

ريـم غزالة فلسطين ولحنها الجميل، أزهرت في بلدة النّاصرة أواخر عام 1966 بالتحديد في 6 من كانون أول، وهي ابنة الشّاعرة الفلسطينية زهيرة الصباغ. تزوجت من الموسيقي الأوكراني (ليونيد أليكسيانكو) حيث درسا وعملا معًا وعاشا في النّاصرة، وأثمر زواجهما ثلاثة أطفال، ولكنه لم يستمر.

وحول تجربتها في الزواج تقول البنا:” إن أهم ما أقدمت عليه في حياتي كامرأة، أنني حررت نفسي من رجل طغى على حياتي وتحكم غالبًا بفكري وأفكاري لمدة 18 عامًا، إلى أن اختنقت تمامًا، حين وجدت أنني لم أعد نفسي. في يوم المرأة العالمي، أشجع كل امرأة على ألا تقبل أكثر بأن تبقى مع رجل يعنفها لفظيًا أو جسديًا أو نفسيًا، وأن لا تستمر مع رجل تكرهه. أصدقائي الرجال، أنتم خير أصدقاء، يلزمكم فقط التدرب على استرخاء عضلاتكم المحتقنة بالأنانية والقسوة، والتي باتت منفرة في بعض الأحيان، حيث يعطينا ذلك إحساسًا قويًا بضعفكم .. أنتم أكيد أقوياء ونحن نحبكم. لكن، عضلاتكم هذه لا تصلح “لتأديب” النساء، بل تصلح أكثر للتعشيب في الحديقة…”.

أحبت ريم الموسيقى منذ صغرها، وشاركت في مناسبات وطنية عديدة أقامتها مدرستها “مدرسة المعمدانية” في النّاصرة. لم يمت حبُّ ريم للموسيقى؛ وإنما سقته بدراسة الغناء الحديث وقيادة المجموعات الغنائية في “المعهد العالي للموسيقى- موسكو”، فأزهر حبّها مثل البنفسج. لتتخرج عام 1991 مصدرة ألبومين خلال فترة دراستها [جفرا، ودموعك يا أمي].

عُرِفت البنا بمواقفها النضالية،وكانت أحد أصوات الحرية التي عرفتها البشرية أجمع، ومازجت في منهجها بين الصوفية والثورية في تماهن قل نظيره، فهي المحبة للحياة العاشقة لتفاصيل الألوان، المتغنية بالصباح، أما صوتها فهو مخصص للتعبير عن القوّة والمقاومة والثّورة والحريّة، حاربت به عدوين، ففي عام 2009 أصيبت بسرطان الثّدي، الذي قالت عنه: “كما ينهش الاحتلال أرض فلسطين ينهش السّرطان جسدي”. أعلنت ريم مقاومتها للمرض مثلما تقاوم الاحتلال بالغناء الوطني، صادحة: “مع كل نفسٍ وجع، فكيف لا تخرج الأغاني ثائرة؟”


“وهل سأبقى أعرفك يا ماما؟”

“الفراق هو ولادة لأمر آخر جديد، وجه للقاء آخر” ريم البنا

أصيبت ريم بصدمة عندما علمت بمرضها لكن الأهل والأصدقاء خففوا من تلك الصدمة بدعمهم والتفافهم حولها، كما باشرت هي بدعم نفسها وتقوية عزيمتها وإقناع نفسها أن السّرطان مجرد وعكة صحية، وأن سقوط شعرها الطّويل الجذاب هو تغير جديد وشكل مميز، لذا ظلت طوال فترة العلاج حليقة الرأس ورفضت وضع الباروكة.

لكن الأمر الأشد وقعًا عليها هو إخبار أبنائها عن مرضها وسقوط شعرها، فأخبرتهم أنّها تنوي حلق رأسها للعلاج، فتلقت الرّد الصادم من ابنها الأصغر: “وهل سأبقى أعرفك يا ماما؟”

توقفت ريم عن الغناء في أواخر عام 2016، فقد كان من الأعراض الجانبية لعلاجها بالإشعاع تعرضها لجلطة في قدمها اليسرى، مما جعلها تتحرك باستخدام كرسي متحرك. ثم أصيبت بجلطة رئوية أدت إلى حدوث حالات اختناق لديها واحتباس السوائل في الرئة، اضطر الأطباء لسحبها مرتين. ثم أصيبت بشلل في أحد أوتارها الصّوتية مما جعل صوتها يختفي.

تحلّت ريم بالصّبر والقوة ولم تضعف عزيمتها، واستقر وضعها الصّحي فترة من الزّمن واستطاعت تقديم برنامج “خاطرة في القاطرة” بإشراف (عربي AJ+ ). بُثت حلقاته عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ومن خلاله قدمت فلسفتها في الحياة عن الصّبر و الطّموح، والمثابرة والعمل، وبدت فيه مليئة بالطّاقة والحيوية. قالت إن  لكل شيء وجهه الأخر حتى لو بدا سلبيا :” الفراق هو ولادة لأمر آخر جديد  وجه آخر للقاء آخر”.

وربما للمرض وجه فنيّ، قالت ريم في بث مباشر لها: “أجبروني أن أغني بوتر واحد”، وقالت عن موسيقى ألبومها: “هي عبارة عن الصور والتحاليل الطّبية الخاصة بي، قد تم تحويلها من خلال برنامجٍ معين إلى صوت موسيقي، فهذه الموسيقى خرجت منّي”، والجديد في ألبومها أنه لن يكون غنائياً، إنما خواطر وتساؤلات كتبتها بنفسها، فهو خاص جدًا، يحكي عن حالتها المرضية، وكان من المفترض أن يصدر في شهر نيسان لعام 2018.


الحياة جميلة والموت كالتاريخ

ربما أحست ريم بدنو الأجل، فكتبت في صفحتها الرّسمية يوم 5 آذار، خاطرتها، وبعدها بأسابيع معدودة، أسلمت روحها في 24 من نفس الشهر 2018، ورحلت كغزالة إلى بيتها الأبدي. كتبت:

<iframe src=”https://www.facebook.com/plugins/post.php?href=https%3A%2F%2Fwww.facebook.com%2Frimbannaofficial%2Fposts%2F10156142959456788&width=500″ width=”500″ height=”230″ style=”border:none;overflow:hidden” scrolling=”no” frameborder=”0″ allowTransparency=”true” allow=”encrypted-media”></iframe>

توفيت ريم بنا في صباح الرابع والعشرين من آذار 2018 بعد صراع مع مرض السرطان. ونعت والدتها على حسابها على “فيسبوك” ابنتها بالقول:”رحلت غزالتي البيضاء، خلعت عنها ثوب السقام، ورحلت، لكنها تركت لنا ابتسامتها، تضيء وجهها الجميل، تبدد حلكة الفراق”.


تراث فلسطيني بألحان عصرية 

تقوم ريم بتأليف أغانيها وتلحينها، وهي مستوحاة من وجدان الشّعب الفلسطيني وتراثه وتاريخه وثقافته، غير أنها ترفقها بموسيقى عصرية. كما انفردت بأنماط غنائية، وهي التهاليل الفلسطينية التي تميزت بأدائها. غنّت أيضًا عددا من القصائد الشّعرية: لمحمود درويش، سميح القاسم، زهيرة الصباغ، وتوفيق زيادة.

أنتجت البنا في مسيرتها الفنية عدداً من الألبومات، كانت بداياتها مع دموعك يا أمي، وغطت موضوعات متعددة واهتمت بكل شرائح المجتمع الفلسطيني، فكان ألبوم “مرايا الروح” الذي أهدته للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وألبوم ” وحدها تبقى القدس”، وتغنت في حب فلسطين في ألبوم مواسم البنفسج، كما خصصت بعض الألبومات للأطفال مثل ” مكاغاة”، و”نوار نيسان”.

حصلت البنا على عدد من الجوائز والتكريمات، فكانت “سفيرة السلام” في إيطاليا 1994، وشخصية العام من وزارة المرأة في تونس 1997، وفازت بجائزة فلسطين للغناء 200، وجائزة ابن رشد للفكر الحر 2013، واختيرت لتكون الشخصية الثقافية لعام 2016 من وزارة الثقافة الفلسطينية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق